باب سنة الجلوس في التشهد
( باب سنة الجلوس في التشهد ) أي هذا باب في بيان سنة الجلوس في التشهد . والمراد من سنة الجلوس يحتمل أن تكون هيئته كالافتراش مثلا ، ويحتمل أن تكون نفسه ، وحديث الباب يصلح للأمرين ، وقال الكرماني : ( فإن قلت ) : الجلوس قد يكون واجبا . ( قلت ) : المراد بالسنة الطريقة المحمدية ، وهي أعم من المندوب .
( وكانت أم الدرداء تجلس في صلاتها جلسة الرجل ، وكانت فقيهة ) . اسم أم الدرداء خيرة بنت أبي حدرد ، وقيل : هجيمة ، وقد تقدمت في باب ( فضل صلاة الفجر من الجماعة وأثرها ) الذي علقه البخاري ، وصله ابن أبي شيبة عن وكيع ، عن ثور ، عن مكحول أن أم الدرداء كانت تجلس في الصلاة كجلسة الرجل ، قيل : يفهم من رواية ابن أبي شيبة أن أم الدرداء هذه هي الصغرى التابعية ، لا أم الدرداء الكبرى الصحابية ؛ لأن مكحولا أدرك الصغرى دون الكبرى . ( قلت ) : قال ابن الأثير : قد جعل ابن منده وأبو نعيم خيرة أم الدرداء الكبرى وهجيمة واحدة ، وليس كذلك ؛ فإن الكبرى اسمها خيرة ، وأم الدرداء الصغرى اسمها هجيمة ، الكبرى لها صحبة ، والصغرى لا صحبة لها ، هذا هو الصحيح ، وما سواه وهم .
قلت : إطلاق البخاري أم الدرداء هاهنا من غير تعيين يحتمل الكبرى والصغرى ، ولكن احتمال الكبرى يقوى بقوله " وكانت فقيهة " . ثم قوله : " وكانت فقيهة " هل هو من كلام البخاري أو غيره ؟ فقال صاحب ( التلويح ) : القائل " وكانت فقيهة " هو البخاري فيما أرى ، وقال صاحب ( التوضيح ) : الظاهر أنه قول البخاري ، وقال بعضهم : ليس كما قال ، وشيد كلامه بأن الدليل إذا كان عاما وعمل بعمومه بعض العلماء رجح به ، وإن لم يحتج به بمجرده ، وقد عرف من رواية مكحول أن المراد بأم الدرداء الصغرى التابعية لا الكبرى الصحابية ؛ لأن مكحولا لم يدرك الكبرى ، وإنما أدرك الصغرى . قلت : عبارة البخاري تحتمل الأمرين ، ولكن الظاهر أنها الكبرى ، كما قال صاحب ( التلويح ) و ( التوضيح ) .
قوله " جلسة الرجل " بكسر الجيم ؛ لأن الفعلة بالكسر إنما هي للنوع ، فدل هذا على أن المستحب للمرأة أن تجلس في التشهد كما يجلس الرجل ، وهو أن ينصب اليمنى ويفترش اليسرى . وبه قال النخعي وأبو حنيفة ومالك ، ويروى عن أنس كذلك . وعن مالك أنها تجلس على وركها الأيسر ، وتضع فخذها الأيمن على الأيسر ، وتضم بعضها إلى بعض قدر طاقتها ، ولا تفرج في ركوع ولا سجود ولا جلوس ، بخلاف الرجل ، وقال قوم : تجلس كيف شاءت إذا تجمعت .
وبه قال عطاء والشعبي ، وكانت صفية رضي الله تعالى عنها تصلي متربعة ، ونساء ابن عمر كن يفعلنه ، وقال بعض السلف : كن النساء يؤمرن أن يتربعن إذا جلسن في الصلاة ، ولا يجلسن جلوس الرجال على أوراكهن ، وقال عطاء وحماد : تجلس كيف تيسر . 213 - حدثنا عبد الله بن مسلمة ، عن مالك ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن عبد الله بن عبد الله أنه أخبره أنه كان يرى عبد الله ابن عمر رضي الله تعالى عنهما يتربع في الصلاة إذا جلس ، ففعلته وأنا يومئذ حديث السن ، فنهاني عبد الله بن عمر ، وقال : إنما سنة الصلاة أن تنصب رجلك اليمنى وتثني اليسرى ، فقلت : إنك تفعل ذلك ، فقال : إن رجلي لا تحملاني . مطابقته للترجمة في قوله : " إنما سنة الصلاة أن تنصب " إلى آخره .
ورجاله مشهورون وهم عبد الله بن عبد الله بن ج٦ / ص١٠٢عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهم ، والعبد مكبر في الابن والأب معا ، وهو تابعي ، ثقة ، سمي باسم أبيه ، وكني بكنيته . قوله : " أنه أخبره " صريح في أن عبد الرحمن بن القاسم روى عن عبد الله المذكور . وروى الإسماعيلي عن مالك ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه ، عن عبد الله .
وكذا رواه ابن نافع والأكثرون ، عن القعنبي فقالوا : عن أبيه ، وعلم من رواية عبد الله بن مسلمة أن عبد الرحمن سمعه عن أبيه ، عن عبد الله ، ثم لقي عبد الله ، وسمعه منه بلا واسطة ، أو يكون عبد الرحمن سمعه من عبد الله وأبوه معه . ( ذكر من أخرجه غيره ) أخرجه أبو داود أيضا في الصلاة عن القعنبي . وعن عبيد الله بن معاذ .
وعن عثمان بن أبي شيبة . وعن هناد بن السري . وأخرجه النسائي فيه عن قتيبة ، عن الليث .
وعن الربيع بن سليمان . ( ذكر معناه ) : قوله : " إنما سنة الصلاة " تدل على أن هذا الحديث مسند ؛ لأن الصحابي إذا قال : سنة فإنما يريد سنة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؛ إما بقوله أو بفعل شاهده ، كذا قاله ابن التين . قوله : " وأنا يومئذ " الواو فيه للحال .
قوله : " أن تنصب " أي لا تلصقه بالأرض . قوله : " ويثني " أي يعطف ، لم يبين فيه ما يصنع بعد ثنيها ؛ هل يجلس فوقها أو يتورك ، ووقع في ( الموطأ ) ، عن يحيى بن سعيد أن القاسم بن محمد أراهم الجلوس في التشهد ، فنصب رجله اليمنى وثنى اليسرى وجلس على وركه اليسرى ، ولم يجلس على قدمه ، ثم قال : أراني هذا عبد الله بن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهم ، وحدثني أن أباه كان يفعل ذلك . فظهر من رواية القاسم الإجمال الذي في رواية ابنه .
وروى النسائي من طريق عمرو بن الحارث ، عن يحيى بن سعيد أن القاسم حدثه عن عبد الله بن عبد الله بن عمر ، عن أبيه قال : من سنة الصلاة أن تنصب اليمنى وتجلس على اليسرى . قوله : " تفعل ذلك " أي التربع . قوله : " إن رجلي " كذا هو في رواية الأكثرين ، وفي رواية حكاها ابن التين " إن رجلاي " ووجه هذه بوجهين : أحدهما : أن تكون " إن " بمعنى نعم ، افعل ذلك ، ويكون حرف جواب ، وقد ورد ذلك في كلام العرب نظما ونثرا ؛ أما النظم ففي قوله :
والوجه الثاني : أن يكون على لغة بني الحارث ، فإنهم لا ينصبون بإن اسمها ، وعليه قراءة إن هذان لساحران . وقال الشاعر :
وقد اختلفوا في صفة الجلوس في الصلاة ؛ فذهب يحيى بن سعيد الأنصاري والقاسم بن محمد وعبد الرحمن بن القاسم ومالك - إلى أن المصلي ينصب رجله اليمنى ويثني رجله اليسرى ويقعد بالأرض في القعدة الأولى ، وفي الأخيرة ، وهذا هو التورك الذي ينقل عن مالك ، وفي ( الجواهر ) : المستحب في الجلوس كله الأول والأخير وبين السجدتين - أن يكون توركا ، وفي ( التمهيد ) : المرأة والرجل سواء في ذلك عند مالك ، وذهب الشافعي وأحمد وإسحاق إلى أن المصلي يفعل في القعود الأول مثل ما ذكرنا الآن ، وإن كان في القعود الثاني يقعد على رجله اليسرى وينصب اليمنى ، وقال أبو عمر : قال الشافعي : إذا قعد في الرابعة أماط رجليه جميعا ، فأخرجهما عن وركه الأيمن ، وأفضى بمقعدته إلى الأرض ، وأضجع اليسرى ونصب اليمنى في القعدة الأولى . وقال أحمد مثل قول الشافعي ، إلا في الجلوس في الصبح ، فإن عنده كالجلوس في ثنتين ، وهو قول داوود . وقال الطبري : إن فعل هذا فحسن ، وإن فعل هذا فحسن ؛ لأن ذلك كله قد ثبت عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وقال النووي : الجلسات عند الشافعي أربع ؛ الجلوس بين السجدتين ، وجلسة الاستراحة عقيب كل ركعة يعقبها قيام ، والجلسة للتشهد الأول ، والجلسة للتشهد الأخير .
فالجميع يسن مفترشا إلا الأخيرة ، فلو كان مسبوقا وجلس إمامه في آخر الصلاة متوركا ، جلس المسبوق مفترشا في تشهده ، فإذا سجد سجدتي السهو تورك ، ثم سلم . انتهى . وعندنا السنة أن يفرش رجله اليسرى ويجلس عليها ، وينصب اليمنى نصبا في القعدتين جميعا .
وبه قال الثوري ، واستدلوا بحديث عائشة في ( صحيح مسلم ) قالت : كان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يفتتح الصلاة .. . إلى أن قالت : وكان يفرش رجله اليسرى وينصب رجله اليمنى الحديث ، وأما جلوس المرأة فهو التورك عندنا ، وقال النووي : وجلوس المرأة كجلوس الرجل . وحكى القاضي عياض عن بعض السلف أن سنة المرأة التربع .
وعن بعضهم التربع في النافلة . وقال أبو عمر : اختلفوا في التربع في النافلة ، وفي الفريضة للمريض ، فأما الصحيح فلا يجوز له التربع في الفريضة ج٦ / ص١٠٣بإجماع العلماء . وروى ابن أبي شيبة عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال : لأن أقعد على رضفتين أحب إلي من أن أقعد متربعا في الصلاة ، وهذا يشعر بتحريمه عنده ، ولكن المشهور عند أكثر العلماء أن هيئة الجلوس في التشهد سنة ، وقال ابن بطال : روي عن جماعة من السلف أنهم كانوا يتربعون في الصلاة ، كما فعله ابن عمر ، منهم ابن عباس وأنس وسالم وعطاء وابن سيرين ومجاهد ، وجوزه الحسن في النافلة ، وفي رواية كرهه هو والحكم وابن مسعود .