حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب سنة الجلوس في التشهد

حدثنا يحيى بن بكير قال : حدثنا الليث ، عن خالد ، عن سعيد ، عن محمد بن عمرو بن حلحلة ، عن محمد بن عمرو بن عطاء . وحدثنا الليث ، عن يزيد بن أبي حبيب ويزيد بن محمد ، عن محمد بن عمرو بن حلحلة ، عن محمد بن عمرو بن عطاء أنه كان جالسا مع نفر من أصحاب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فذكرنا صلاة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال أبو حميد الساعدي : أنا كنت أحفظكم لصلاة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؛ رأيته إذا كبر جعل يديه حذاء منكبيه ، وإذا ركع أمكن يديه من ركبتيه ، ثم هصر ظهره ، فإذا رفع رأسه استوى حتى يعود كل فقار مكانه ، فإذا سجد وضع يديه غير مفترش ، ولا قابضهما ، واستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة ، فإذا جلس في الركعتين جلس على رجله اليسرى ونصب اليمنى ، وإذا جلس في الركعة الآخرة قدم رجله اليسرى ونصب الأخرى وقعد على مقعدته . مطابقته للترجمة في قوله : إذا جلس في الركعتين إلى آخره .

( ذكر رجاله ) : وهم تسعة : الأول : يحيى بن بكير بضم الباء الموحدة ، هو يحيى بن عبد الله بن بكير أبو زكريا المصري . الثاني : الليث بن سعد . الثالث : خالد بن يزيد الجمحي المصري .

الرابع : سعيد بن أبي هلال الليثي المدني . الخامس : محمد بن عمرو بن حلحلة - بفتح المهملتين وسكون اللام الأولى - الديلي المدني . السادس : محمد بن عمرو بن عطاء بن عياش القرشي العامري المدني .

السابع : يزيد - من الزيادة - ابن أبي حبيب أبو رجاء المصري ، واسم أبي حبيب سويد . الثامن : يزيد بن محمد القرشي . التاسع : أبو حميد الساعدي الأنصاري المدني ، اسمه عبد الرحمن ، وقيل : المنذر .

( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع ، وفيه العنعنة في سبعة مواضع ، وفيه القول في موضعين ، وفيه أن رواته ما بين مصريين ومدنيين ، فالثلاثة الأول منهم مصريون ، فكذلك السابع ، والبقية مدنيون ، وفيه أن خالدا من أقران شيخه . وفيه إسنادان ؛ أحدهما عن الليث ، عن خالد ، والآخر عن الليث ، عن يزيد ابن أبي حبيب . وفيه أن بين الليث وبين محمد بن عمرو بن حلحلة في الرواية الأولى اثنين ، وبينهما في الرواية الثانية واسطة واحدة ، وفيه أن يزيد ابن أبي حبيب من صغار التابعين ، وفيه إرداف الرواية النازلة بالرواية العالية على عادة أهل الحديث ، وفيه أن يزيد بن محمد من أفراد البخاري ، وفيه أن الليث في الرواية الثانية يروي عن شيخين ، كلاهما عن محمد بن عمرو بن حلحلة .

( ذكر من أخرجه غيره ) أخرجه أبو داود أيضا في الصلاة ، عن أحمد بن حنبل . وعن مسدد . وعن قتيبة ، عن ابن لهيعة .

وعن عيسى بن إبراهيم المصري . وأخرجه الترمذي فيه عن ابن المثنى وابن بشار . وعن ابن بشار والحسن بن علي الخلال .

وأخرجه النسائي فيه عن ابن بشار ، عن يحيى به . وعن يعقوب بن إبراهيم . وأخرجه ابن ماجه ، عن بندار ، عن أبي بكر ابن أبي شيبة وعلي بن محمد .

( ذكر معناه ) : قوله : قال : وحدثنا قائله هو يحيى بن بكير المذكور . قوله : في نفر وفي رواية كريمة مع نفر بفتحتين ، وهو اسم جمع يقع على جماعة من الرجال ، خاصة ما بين الثلاثة إلى العشرة ، ولا واحد له من لفظه ، وقال ابن الأثير : النفر رهط الإنسان وعشيرته . قوله : من أصحاب رسول الله كلمة من في محل الحال من نفر أي حال كونهم من أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ولفظ النفر يدل على أنهم كانوا عشرة ، يدل عليه أيضا رواية أبي داود وغيره عن محمد بن عمرو بن عطاء قال : سمعت أبا حميد الساعدي في عشرة من أصحاب النبي - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .

( فإن قلت ) : أبو حميد من العشرة أو خارج منهم ؟ ( قلت ) : يحتمل الوجهين بالنظر إلى رواية في عشرة وإلى رواية مع عشرة ، وكان من جملة العشرة أبو قتادة الحارث بن ربعي في رواية أبي داود والترمذي ، وسهل بن سعد ، وأبو أسيد الساعدي محمد بن سلمة في رواية أحمد وغيره ، وأبو هريرة في رواية أبي داود . قوله : أنا كنت أحفظكم لصلاة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وفي رواية أبي داود قالوا : فلم ؟ فوالله ما كنت بأكثرنا له تبعة ، ولا أقدمنا له صحبة ، وفي رواية الترمذي إتيانا ، ولا أقدمنا له صحبة ، وفي رواية الطحاوي من حديث العباس بن سهل ، عن أبي حميد الساعدي أنه كان يقول لأصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أنا أعلمكم بصلاة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قالوا : من أين ؟ قال : رقبت ذلك منه ، حتى حفظت صلاته ، وفي رواية أخرى له أنا أعلمكم بصلاة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقالوا : وكيف ؟ فقال : اتبعت ذلك من رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قالوا : أرنا قال : فقام يصلي وهم ينظرون وزاد عبد الحميد بن جعفر في روايته قالوا : فأعرض ، وفي روايته عند ابن حبان استقبل القبلة ، ثم قال : الله أكبر وزاد فليح بن سليمان في روايته عند ابن خزيمة فيه ذكر الوضوء . قوله : فجعل يديه حذو منكبيه زاد ابن إسحاق ، ثم قرأ بعض القرآن .

قوله : ثم هصر ظهره بفتح الهاء والصاد المهملة ، أي أماله في استواء من غير تقويس ، وأصل الهصر أن تأخذ رأس العود ، فتثنيه إليك وتعطفه ، وفي ( الصحاح ) : الهصر الكسر ، وقد هصره وأهصره واهتصره بمعنى ، وهصرت الغصن وبالغصن إذا أخذت برأسه وأملته ، والأسد هيصر وهيصار ، وفي رواية أبي داود ثم هصر ظهره غير مقنع رأسه ، ولا صافح بخده . قوله : غير مقنع من الإقناع يعني لا يرفع رأسه حتى يكون أعلى من ظهره ، وقال ابن عرفة : يقال : أقنع رأسه إذا نصبه لا يلتفت يمينا ولا شمالا ، وجعل طرفه موازيا لما بين يديه . قوله : ولا صافح بخده أي غير مبرز بصفحة خده ولا مائل في أحد الشقين .

قوله : فإذا رفع رأسه استوى زاد عيسى عند أبي داود فقال : سمع الله لمن حمده ، اللهم ربنا لك الحمد ورفع يديه ونحوه لعبد الحميد ، وزاد حتى يحاذي بهما منكبيه معتدلا . قوله : حتى يعود كل فقار بفتح الفاء والقاف وبعد الألف راء جمع فقارة ، وهي عظام الظهر ، وقال ابن قرقول : جاء عند الأصيلي هنا فقار بفتح الفاء وكسرها ، ولا أعلم لذلك معنى ، وعند ابن السكن فقار بكسر الفاء ولغيره فقار وهو الصواب ، وقال ابن التين : هو الصحيح ، وهو الذي رويناه ، وروينا في رواية أبي صالح عن الليث قفار بتقديم القاف وكسرها ، وليس ببين ؛ لأنه جمع قفر وهي المفازة ، وفي ( الجامع ) للقزاز : الفقرة بكسر الفاء والفقارة بفتحها إحدى فقار الظهر وهي العظام المنتظمة التي يقال لها : خرز الظهر ، فجمع الفقارة فقار ، وجمع الفقرة فقر ، وقالوا : أفقرة يريدون جمع فقار ، كما تقول : قذال وأقذلة ، وفي ( المحكم ) : الفقر والفقرة ما انتضد من عظام الصلب من لدن الكاهل إلى العجب ، والجمع فقر وفقار ، وقال ابن الأعرابي : أقل فقر البعير ثمان عشرة ، وأكثرها إحدى وعشرون ، وفقار الإنسان سبع ، وفي ( نوادر ) ابن الأعرابي رواية عن ثعلب : فقار الإنسان سبع عشرة ، وأكثر فقر البعير ثلاث وعشرون ، وفي ( المخصص ) : الفقر ما بين كل مفصلين ، وقيل : الفقار أطراف رؤوس الفقر ، وكل فقرة خرزة ، وفي ( أمالي أبي إسحاق الزجاجي ) : هن سبع أمهات غير الصغار التوابع ، وفي ( كتاب الفصوص ) لصاعد : هن أربع وعشرون ؛ سبع منها في العنق ، وخمس منها في الصلب ، واثنتى عشرة وهي الأضلاع ، وقال الأصمعي : هن خمس وعشرون فقرة . قوله : غير مفترش أي غير مفترش يديه ، وفي رواية ابن حبان من رواية عتبة بن أبي الحكم ، عن عباس بن سهل غير مفترش ذراعيه ، وفي رواية الطحاوي وإذا سجد فرج بين فخذيه غير حامل بطنه على شيء من فخذيه ، ولا مفترش ذراعيه .

قوله : ولا قابضهما أي ولا قابض يديه ، وهو أن يضمهما إليه ، وفي رواية فليح بن سليمان ونحى يديه عن جنبيه ، ووضع يديه حذو منكبيه ، وفي رواية ابن إسحاق فاعلولى على جنبيه وراحتيه وركبتيه وصدور قدميه ، حتى رأيت بياض إبطيه وما تحت منكبيه ، ثم ثبت حتى اطمأن كل عظم منه ، ثم رفع رأسه فاعتدل . قوله : فإذا جلس في الركعتين أي الركعتين الأوليين ليتشهد ، وفي رواية الطحاوي ثم جلس فافترش رجله اليسرى ، وأقبل بصدر اليمنى على قبلته ووضع كفه اليمنى على ركبته اليمنى ، وكفه اليسرى على ركبته اليسرى ، وأشار بأصبعه ، وفي رواية عيسى بن عبد الله ثم جلس بعد الركعتين ، حتى إذا هو أراد أن ينتهض إلى القيام قام بتكبيرة . ( فإن قلت ) : هذا يخالف في الظاهر رواية عبد الحميد حيث قال : ثم إذا قام من الركعتين كبر ورفع يديه كما كبر عند افتتاح الصلاة .

( قلت ) : التوفيق بينهما بأن يقول معنى قوله : إذا قام أي إذا أراد القيام أو شرع فيه . قوله : فإذا جلس في الركعة الآخرة إلى آخره في رواية عبد الحميد حتى إذا كانت السجدة التي يكون فيها التسليم ، وفي رواية عند ابن حبان التي تكون عند خاتمة الصلاة أخر رجله اليسرى ، وقعد متوركا على شقه الأيسر زاد ابن إسحاق في روايته ثم سلم ، وفي رواية عيسى عند الطحاوي فلما سلم سلم عن يمينه : سلام عليكم ورحمة الله . وعن شماله أيضا السلام عليكم ورحمة الله ، وفي رواية أبي عاصم عن عبد الحميد عند أبي داود وغيره قالوا - أي الصحابة المذكورون - صدقت ، هكذا كان يصلي .

( ذكر ما يستفاد منه ) : احتج الشافعي رضي الله تعالى عنه ، ومن قال بقوله أن هيئة الجلوس في التشهد الأول مغايرة لهيئة الجلوس في التشهد الأخير ، وقد ذكرنا عن قريب اختلاف العلماء فيه ، وقال الطحاوي : القعود في الصلاة كلها سواء ، وهو أن ينصب رجله اليمنى ويفترش رجله اليسرى فيقعد عليها ، ثم ذكر الاحتجاج في هذا بحديث وائل بن حجر الحضرمي قال : صليت خلف النبي - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقلت : لأحفظن صلاة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال : فلما قعد للتشهد فرش رجله اليسرى ، ثم قعد عليها ووضع كفه اليسرى على فخذه اليسرى ، ووضع مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى ، ثم عقد أصابعه ، وجعل حلقة بالإبهام والوسطى ، ثم جعل يدعو بالأخرى . وأخرجه الطبراني أيضا . ( قلت ) : هذا الذي ذكره هو مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد .

وبه قال الثوري وعبد الله بن المبارك وأحمد في رواية . ( فإن قلت ) : لا يتم الاستدلال للحنفية بالحديث المذكور ؛ لأنه لم يذكر فيه إلا أنه فرش رجله اليسرى فقط . قلت : كثر الخلاف فيه فاكتفى بهذا المقدار ، وأما نصب رجله اليمنى فقد ذكره ابن أبي شيبة في ( مصنفه ) : حدثنا ابن إدريس ، عن عاصم بن كليب ، عن أبيه عن وائل بن حجر أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جلس ، فثنى اليسرى ونصب اليمنى يعني في الصلاة وحديث عائشة أيضا ، وقد تقدم عن قريب .

( فإن قلت ) : من أين علم أن المراد من قوله فلما قعد للتشهد افترش رجله اليسرى ، ثم قعد عليها وهي القعدة الأخيرة ؟ قلت : علم من قوله : ثم جعل يدعو أن الدعاء في التشهد لا يكون إلا في آخر الصلاة ، ثم أجاب الطحاوي عن حديث أبي حميد الذي احتج به الشافعي وغيره بما ملخصه : أن محمد بن عمرو بن عطاء لم يسمع هذا الحديث من أبي حميد ، ولا من أحد ذكر مع أبي حميد ، وبينهما رجل مجهول . ومحمد بن عمرو ذكر في الحديث أنه حضر أبو قتادة وسنه لا يحتمل ذلك ، فإن أبا قتادة قتل قبل ذلك بدهر طويل ؛ لأنه قتل مع علي رضي الله تعالى عنه ، وصلى عليه علي ، وقد رواه عطاف بن خالد ، عن محمد بن عمرو فجعل بينهما رجلا ، ثم أخرجه عن يحيى بن سعيد بن أبي مريم ، حدثنا عطاف بن خالد ، حدثني محمد بن عمرو بن عطاء حدثني رجل أنه وجد عشرة من أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جلوسا فذكر نحو حديث أبي عاصم سواء ، فإن ذكروا تضعيف عطاف قيل لهم : وأنتم تضعفون عبد الحميد بن جعفر أكثر من تضعيفكم لعطاف ، مع أنكم لا تطرحون حديث عطاف كله ، إنما تصححون قديمه وتتركون حديثه . هكذا ذكره ابن معين في كتابه ، وابن أبي مريم سماعه من عطاف قديم جدا ، وليس أحد يجعل هذا الحديث سماعا لمحمد بن عمرو من أبي حميد إلا عبد الحميد ، وهو عندكم أضعف ، وقد اعترض بعضهم بأنه لا يضر الثقة المصرح بسماعه أن يدخل بينه وبين شيخه واسطة إما لزيادة في الحديث ، وإما لتثبيت فيه ، وقد صرح محمد بن عمرو بسماعه .

وإن أبا قتادة اختلف في وقت موته فقيل : مات سنة أربع وخمسين ، وعلى هذا فلقاء محمد له ممكن . انتهى . قلت : هذا القائل أخذ كلامه هذا من كلام البيهقي ؛ فإنه ذكره في ( كتاب المعرفة ) والجواب عن هذا أن إدخال الواسطة إنما يصح إذا وجد السماع ، وقد نفى الشعبي سماعه ، وهو إمام في هذا الفن ، فنفيه نفي وإثباته إثبات ، ومبنى نفيه من جهة تاريخ وفاته أنه قال : قتل مع علي رضي الله تعالى عنه ، كما ذكرناه ، وكذا قال الهيثم بن عدي ، وقال ابن عبد البر : هو الصحيح .

وفيه رفع اليدين إلى المنكبين وإليه ذهب الشافعي وأحمد ، وقد قلنا : إنه كان للعذر ، وفيه أن سنة الهيئة في الركوع أن لا يرفع رأسه إلى فوق ، ولا ينكسه ، ومن هذا قال صاحب ( الهداية ) : ويبسط ظهره ؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان إذا ركع بسط ظهره ، ولا يرفع رأسه ولا ينكسه ؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان إذا ركع لا يصوب رأسه ، ولا يقنعه . وفيه أن السنة أن يجافي بطنه عن فخذيه ، ويديه عن جنبيه . وفيه بيان هيئة الجلوس ، وقد بيناها مع الخلاف فيها مستوفى ، وفيه بيان توجيه أصابع رجليه نحو القبلة .

وفيه جواز وصف الرجل نفسه بكونه أعلم من غيره إذا أمن الإعجاب ، وأراد بيان ذلك عند غيره ممن سمعه ؛ لما في التعليم والأخذ عن الأعلم . وفيه أنه كان يخفى على الكثير من الصحابة بعض الأحكام المتلقاة عن النبي - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ - وربما يذكره بعضهم إذا ذكر . ( وسمع الليث يزيد بن أبي حبيب ويزيد بن محمد بن عمرو بن حلحلة ، وابن حلحلة من ابن عطاء ) .

أشار بهذا إلى أن الليث بن سعد المذكور في سند الحديث المذكور الذي روي بالعنعنة ، عن يزيد بن أبي حبيب ويزيد بن محمد ، وقد سمع منهما ، وأن عنعنته سماع . قال الكرماني : وسمع الليث ، أي قال يحيى بن بكير شيخ البخاري : سمع الليث إلى آخره . ورد عليه بعضهم بقوله : وهو كلام المصنف ، ووهم من جزم بأنه كلام يحيى بن بكير .

( قلت ) : الكرماني لم يجزم بهذا قطعا ، وإنما كلامه يقتضي الاحتمال ، وفي قوله أيضا وهو كلام المصنف احتمال لا يخفى . قوله : وابن حلحلة من ابن عطاء أي سمع محمد بن عمرو بن حلحلة ، عن محمد بن عمرو بن عطاء . ( وقال أبو صالح ، عن الليث : كل قفار ) .

أبو صالح هذا هو عبد الله بن صالح كاتب الليث بن سعد ، وقد وهم الكرماني فيه حيث قال : أبو صالح هو عبد الغفار البكري ، تقدم في كتاب الوحي وأشار بهذا إلى أن أبا صالح قال في روايته ، عن الليث بإسناده الثاني ، عن اليزيدين المذكورين كل قفار بدون الإضافة إلى الضمير وبتقديم القاف على الفاء ، كما في رواية الأصيلي ، وقد وصل هذا التعليق الطبراني ، عن مطلب بن شعيب وابن عبد البر من طريق القاسم بن أصبغ ، كلاهما عن أبي صالح المذكور . ( وقال ابن المبارك ، عن يحيى بن أيوب : قال : حدثني يزيد بن أبي حبيب أن محمد بن عمرو حدثه : كل فقار ) . أي قال عبد الله المبارك إلى آخره .

ووصل هذا التعليق الجوزقي في ( جمعه ) وإبراهيم الحربي في ( غريبه ) وجعفر الفريابي في ( صفة الصلاة ) كلهم من طريق ابن المبارك بهذا الإسناد ، ووقع عندهم بلفظ حتى يعود كل فقار منه بتقديم الفاء على القاف وهي نحو رواية يحيى بن بكير شيخ البخاري بتقديم الفاء ، ووقع في رواية الكشميهني وحده كل فقاره ، وقد بينا وجه الاختلاف فيه في شرح حديث الباب ، وقال الكرماني : يعني وافق أبو صالح يحيى عن الليث في رواية كل فقار بدون الضمير ، وقال عبد الله بن المبارك رضي الله تعالى عنه : كل فقاره بالإضافة إلى الضمير أو بتاء التأنيث على اختلاف ، والأصوب الأوجه ما ذكرناه .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث