باب الدعاء قبل السلام
حدثنا قتيبة بن سعيد قال : حدثنا الليث عن يزيد بن أبي حبيب ، عن أبي الخير ، عن عبد الله بن عمرو ، عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : علمني دعاء أدعو به في صلاتي ، قال : قل : اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا ، ولا يغفر الذنوب إلا أنت ، فاغفر لي مغفرة من عندك ، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم . مطابقته للترجمة من حيث الوجه الذي ذكرناه في الحديث السابق . ورجاله قد ذكروا ، وأبو الخير مرثد بن عبد الله اليزني المصري ، ومرثد بفتح الميم وسكون الراء وفتح الثاء المثلثة ، وفي آخره دال مهملة ، ويزن - بفتح الياء آخر الحروف والزاي ، وفي آخره نون - بطن من حمير ، وتقدم ذكره في باب إطعام الطعام من الإسلام .
( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه العنعنة في أربعة مواضع ، وفيه القول في موضعين ، وفيه أن رجال إسناده كلهم سوى طرفيه مصريون ، وفيه رواية التابعي عن التابعي ، عن الصحابي ، فالتابعيان هما يزيد ابن أبي حبيب وأبو الخير ، وفيه رواية الصحابي عن الصحابي ، وهو عبد الله بن عمرو بن العاص ، عن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) : أخرجه البخاري أيضا في الدعوات ، عن عبد الله بن يوسف . وأخرجه مسلم في الدعوات عن محمد بن رمح وقتيبة .
وأخرجه الترمذي فيه عن قتيبة به . وأخرجه النسائي في الصلاة ، وفي القنوت ، عن قتيبة به . وأخرجه ابن ماجه في الدعاء ، عن محمد بن رمح به .
ورواه غير واحد ، فجعله من مسند عبد الله بن عمرو بن العاص ، منهم عمرو بن الحارث خالف الليث فجعله من مسند عبد الله بن عمرو ، ولفظه : عن أبي الخير أنه سمع عبد الله بن عمرو يقول : إن أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه قال للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هكذا رواه ابن وهب عن عمرو بن الحارث ، وأما مقتضى رواية الليث بن سعيد ، عن يزيد ابن أبي حبيب ، عن أبي الخير ، عن عبد الله بن عمرو ، عن أبي بكر إلى آخره أن الحديث من مسند أبي بكر رضي الله تعالى عنه ، وأوضح من ذلك رواية أبي الوليد الطيالسي عن الليث ، فإن لفظه عن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه قال : قلت : يا رسول الله أخرجه البزار من طريقه ، ولا يقدح هذا الاختلاف في صحة هذا الحديث ، وقد أخرج البخاري طريق عمرو معلقة في الدعوات وموصولة في التوحيد ، عن يحيى بن سلمان ، عن عمرو ، وكذا أخرج مسلم الطريقين طريق الليث وطريق ابن وهب ، وزاد مع عمرو بن الحارث رجلا مبهما ، وبين ابن خزيمة في روايته أنه عبد الله بن لهيعة . ( ذكر معناه ) : قوله : أدعو به جملة في محل النصب ؛ لأنها صفة لقوله : دعاه الذي هو منصوب على أنه مفعول ثان لقوله : علمني . قوله : في صلاتي ظاهره عموم جميع الصلاة ، ولكن المراد في حالة القعود بعد التشهد قبل السلام ، كما حققنا هكذا فيما مضى ، وقد قال الشيخ تقي الدين : لعله يترجح كونه فيما بعد التشهد لظهور العناية بتعليم دعاء مخصوص في هذا المحل ، ونازعه بعضهم فقال : الأولى الجمع بينهما في المحلين المذكورين ، أي السجود والتشهد .
( قلت ) : لا دليل له على دعوى الأولوية ، بل الدليل الصريح قام على أن محله في الجلسة ، وقد مضى بيانه في أول الباب الذي قبله . قوله : ظلمت نفسي يعني بإتيان ما يوجب العقوبة . قوله : ظلما كثيرا بالثاء المثلثة ويروى بالباء الموحدة ، وكذا هو في رواية مسلم ، وقال النووي : فينبغي أن يقول : ظلما كبيرا كثيرا .
قوله : ولا يغفر الذنوب إلا أنت جملة معترضة بين قوله : ظلمت نفسي ظلما كثيرا وبين قوله : فاغفر لي مغفرة . وفائدة هذه الجملة الإشارة إلى الإقرار بأن الله هو الذي يغفر الذنوب ، وليس ذلك لغيره ، وفي الحقيقة هو إقرار أيضا بالوحدانية ؛ لأن من صفته غفران الذنوب هو الموصوف بالوحدانية ، والتنوين في قوله : مغفرة يدل على أنه غفران لا يكتنه كنهه . قوله : من عندك إشارة إلى مزيد ذلك التعظيم ؛ لأن ما يكون من عنده لا يحيط به وصف الواصفين ، وقال ابن الجوزي : هو طلب مغفرة متفضل بها لا يقتضيها سبب من جهة العبد من عمل صالح وغيره ، وحاصله : هب لي المغفرة ، وإن لم أكن أهلا لها بعملي ، وكمل الكلام ، وختمه بقوله : وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم ، وفي هاتين الصفتين مقابلة حسنة ؛ لأن قوله : الغفور مقابل لقوله : اغفر لي وقوله : الرحيم مقابل لقوله : ارحمني ولنا أن نقول : فيه لف ونشر مرتب .
( ذكر ما يستفاد منه ) : فيه طلب التعليم من العالم في كل ما فيه خير ؛ خصوصا الدعوات التي فيها جوامع الكلم ، وفيه الاعتراف بالتقصير ونسبة الظلم إلى نفسه ، وفيه الاعتراف بأن الله سبحانه هو المتفضل المعطي من عنده رحمة على عباده من غير مقابلة عمل حسن ، وفيه استحباب قراءة الأدعية في آخر الصلاة من الدعوات المأثورة أو المشابهة لألفاظ القرآن ، وقال الكرماني : قالت الشافعية : يجوز الدعاء في الصلاة بما شاء من أمر الدنيا والآخرة ما لم يكن إثما ، قال ابن عمر : لأدعو في صلاتي حتى بشعير حماري وملح بيتي . انتهى ، وقد ذكرنا فيما مضى أنه لا يدعو إلا بالأدعية المأثورة أو بما يشبه ألفاظ القرآن لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس ؛ إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن ، وهو من أفراد مسلم .