حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب الذكر بعد الصلاة

‎ - حدثنا محمد بن يوسف قال : حدثنا سفيان عن عبد الملك بن عمير عن وراد كاتب المغيرة بن شعبة قال : أملى علي المغيرة بن شعبة في كتاب إلى معاوية : إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في دبر كل صلاة مكتوبة : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ، اللهم لا مانع لما أعطيت ، ولا معطي لما منعت ، ولا ينفع ذا الجد منك الجد . مطابقته للترجمة ظاهرة . ذكر رجاله ، وهم خمسة ؛ الأول : محمد بن يوسف الفريابي .

الثاني : سفيان الثوري . الثالث : عبد الملك بن عمير - بضم العين - تقدم في باب : أهل العلم أحق بالإمامة . الرابع : وراد - بفتح الواو وتشديد الراء ، وفي آخره دال مهملة .

الخامس : المغيرة بن شعبة . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه العنعنة في موضعين ، وفيه القول في موضعين ، وفيه أن رجال إسناده كلهم كوفيون ما خلا محمد بن يوسف ، وفيه عن وراد ، وفي رواية معتمر بن سليمان عن سفيان عند الإسماعيلي : حدثني وراد . ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره أخرجه البخاري أيضا في الاعتصام عن موسى عن أبي عوانة ، وفي الرقاق عن علي بن مسلم ، وفي القدر عن محمد بن سنان ، وفي الدعوات عن قتيبة ، وفي الصلاة وقال الحاكم عن القاسم .

وأخرجه مسلم في الصلاة عن إسحاق بن إبراهيم ، وعن أبي بكر ، وأبي كريب ، وأحمد بن سنان ، وعن محمد بن حاتم ، وعن ابن أبي عمرو عن حامد بن عمرو عن محمد بن المثنى . وأخرجه أبو داود فيه عن مسدد . وأخرجه النسائي فيه عن محمد بن منصور ، وعن يعقوب بن إبراهيم ، وفي اليوم والليلة عن محمد بن قدامة ، وعن الحسن بن إسماعيل .

ذكر معناه قوله : أملى علي المغيرة ، وكان المغيرة إذ ذاك أميرا على الكوفة من قبل معاوية ، وعند أبي داود : كتب معاوية إلى المغيرة : أي شيء كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا سلم من الصلاة ؟ فكتب إليه المغيرة . وعند ابن خزيمة : يقول عند انصرافه من الصلاة : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير ، ثلاث مرات . وعند السراج : حدثنا زياد بن أيوب ، حدثنا محمد بن فضيل ، عن عثمان بن حكيم ، سمعت محمد بن كعب القرظي ، سمعت معاوية يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في دبر كل صلاة إذا انصرف : اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ، ولا ينفع ذا الجد منك الجد .

وفي لفظ : إن الله لا مؤخر لما قدم ولا مقدم لما أخر ، ولا معطي لما منع ولا مانع لما أعطى ، ولا ينفع ذا الجد منك الجد ، ومن يرد الله به خيرا يفقهه في الدين . وفي لفظ : إنه لا مؤخر لما قدمت ، ولا مقدم لما أخرت . الحديث ، كله بتاء الخطاب .

( فإن قلت ) : إن معاوية إذا كان قد سمع هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فكيف يسأل عنه ؟ ( قلت ) : أراد أن يستثبت ذلك وينظر هل رواه غيره أو نسي بعض حروفه أو ما أشبه ذلك ، كما جرى لجابر بن عبد الله في سؤاله عقبة بن عامر عن حديث سمعه وأراد أن ينظر هل رواه غيره . قوله : في دبر كل صلاة ، بضم الدال المهملة وضم الباء الموحدة وسكونها ، أي : عقيب كل صلاة مكتوبة ، أي : فريضة ، وفي رواية أخرى للبخاري : كان يقولها في دبر كل صلاة ، ولم يقل مكتوبة . قوله : لا إله إلا الله ، إلى آخره ، كلمة توحيد بالإجماع ، وهي مشتملة على النفي والإثبات ، فقوله : لا إله ، نفي الألوهية عن غير الله ، وقوله : إلا الله ، إثبات الألوهية لله تعالى ، وبهاتين الصفتين صار هذا كلمة التوحيد والشهادة ، وقد قيل : إن الاستثناء من النفي إثبات ومن الإثبات نفي ، وأبو حنيفة يقول : الاستثناء من النفي ليس بإثبات ، واستدل بقوله صلى الله عليه وسلم : لا نكاح إلا بولي ، ولا صلاة إلا بطهور ، فإنه لا يجب تحقق النكاح عند الولي ولا يجب تحقق الصلاة عند الطهور لتوقفه على شرائط أخر ، وأوردوا عليه بأنه على هذا التقدير لا يكون كلمة التوحيد تاما ، لأنه يكون المراد منها نفي الألوهية عن غير الله تعالى ، ولا يلزم منه إثبات الألوهية لله تعالى ، وهذا ليس بتوحيد ، والجواب عن هذا أن معظم الكفار كانوا أشركوا وفي عقولهم وجود الإله ثابت ، فسيق لنفي الغير ، ثم يلزم منه وجوده تعالى .

ثم اعلم أن إلا هاهنا بمعنى غير ، وخبر لا التي لنفي الجنس محذوف ، تقديره : لا إله موجود غير الله ، ولهذا لم ينتصب إلا الله لأن المستثنى إنما ينتصب إما وجوبا وإما جوازا في مواضع مخصوصة ، وقد عرف في موضعه ، وأما إذا كانت إلا للصفة ، لم يجب النصب ، فيتبع الموصوف ، والموصوف هاهنا مرفوع وهو موجود ، فيتبع المستثنى موصوفه . قوله : وحده ، نصب على الحال ، تقديره : ينفرد وحده . ( فإن قلت ) : شرط الحال أن تكون نكرة وهذا معرفة ؟ ( قلت ) : لأجل ذلك أول بما ذكرنا ، وذلك كما في قوله : وأرسلها العراك ، أي : أرسل الحمار تعترك العراك .

قوله : لا شريك له ، تأكيد لقوله : وحده ، لأن المتصف بالوحدانية لا شريك له . قوله : له الملك ، بضم الميم يعم وبكسرها يخص ، فلذلك قيل : الملك من الملك بالضم ، والمالك من الملك بالكسر . وقيل : المالك أبلغ في الوصف ؛ لأنه يقال : مالك الدار ومالك الدابة ، ولا يقال ملك إلا لملك من الملوك .

وقيل : ملك أبلغ في الوصف ؛ لأنك إذا قلت : فلان ملك هذه البلدة ، يكون كناية عن الولاية دون الملك ، وإذا قلت : فلان مالك هذه البلدة ، كان ذلك عبارة عن الملك الحقيقي . وقال قطرب : الفرق بينهما أن ملكا الملك من الملوك ، وأما مالك فهو مالك الملوك . وقد فسر الملك في القرآن على معان مختلفة ، والمعنى هاهنا له جميع أصناف المخلوقات .

قوله : وله الحمد ، أي : جميع حمد أهل السماوات والأرض ، وجميع أصناف المحامد التي بالأعيان والأعراض ، بناء على أن الألف واللام لاستغراق الجنس عندنا ، ولما كان الله مالك الملك كله ، استحق أن تكون جميع المحامد له دون غيره ، فلا يجوز أن يحمد غيره ، وأما قولهم : حمدت فلانا على صنيعه كذا ، أو حمدت الجوهرة على صفائها ، فذاك حمد للخالق في الحقيقة ، لأن حمد المخلوق على فعل أو صفة حمد للخالق في الحقيقة . قوله : وهو على كل شيء قدير ، من باب التتميم والتكميل ، لأن الله تعالى لما كانت الوحدانية له والملك له والحمد له ، فبالضرورة يكون قادرا على كل شيء وذكره يكون للتتميم والتكميل والقدير ، اسم من أسماء الله تعالى كالقادر والمقتدر ، وله القدرة الكاملة الباهرة في السماوات والأرض . قوله : لما أعطيت ، أي : الذي أعطيته ، وكذلك التقدير في قوله : لما منعت ، أي : الذي منعته .

قوله : ولا ينفع ذا الجد ، الجد بالفتح الغنى كما فسره الحسن البصري على ما يأتي ذكره عن قريب ، وكذا قال الخطابي ، ويقال : هو الحظ والبخت والعظمة وكلمة من بمعنى البدل ، كقول الشاعر : فليت لنا من ماء زمزم شربة مبردة باتت على الطهيان يريد : ليت لنا بدل ماء زمزم ، والطهيان اسم لبرادة . قلت : الطهيان بفتح الطاء المهملة والهاء والياء آخر الحروف : خشبة يبرد عليها الماء ويروى . فليت لنا من ماء وحمنان شربة وحمنان ، بفتح الحاء المهملة وسكون الميم وبالنونين بينهما ألف : اسم موضع .

وقال الجوهري : معنى منك هنا عندك ، أي : لا ينفع ذا الغنى عندك غناه ، إنما ينفعه العمل الصالح . وقال ابن التين : الصحيح عندي أنها ليست للبدل ، ولا بمعنى عند ، بل هو كما يقول : لا ينفعك مني شيء إن أنا أردتك بسوء . وقال الزمخشري في الفائق : من فيه كما في قولهم : هو من ذاك ، أي : بدل ذاك ، ومنه قوله تعالى : نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلائِكَةً أي : المحفوظ لا ينفعه حظه بدلك ، أي : بدل طاعتك .

وقال التوربشتي : لا ينفع ذا الغنى منك غناه ، وإنما ينفعه العمل بطاعتك ، فمعنى منك عندك . وقال ابن هشام : من تأتي على خمسة عشر معنى ، فذكر الأول والثاني والثالث والرابع ، ثم قال : الخامس البدل ، نحو : أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الأَرْضِ يَخْلُفُونَ لأن الملائكة لا تكون من الأنس ، ثم قال : ولا ينفع ذا الجد منك الجد أي : ولا ينفع ذا الحظ حظه من الدنيا بدلك ، أي : بدل طاعتك ، أو بدل حظك ، أي : بدل حظه منك . وقيل : ضمن ينفع بمعنى يمنع ، ومتى علقت من بالجد انعكس المعنى .

وقال ابن دقيق العيد : قوله : منك ، يجب أن يتعلق بـ ينفع ، وينبغي أن يكون ينفع قد ضمن معنى يمنع وما قاربه ، ولا يجوز أن يتعلق منك بالجد كما يقال : حظي منك كثير ، لأن ذلك نافع ، ثم الجد بفتح الجيم في جميع الروايات ومعناه الغنى - كما ذكرناه . وحكى الراغب : قيل : إن المراد بالجد أب الأب ، وأب الأم ، أي : لا ينفع أحدا نسبه ، كقوله تعالى : فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ وقال القرطبي : حكي عن ابن عمر والشيباني أنه رواه بالكسر ، وقال : معناه لا ينفع ذا الاجتهاد اجتهاده ، وأنكره الطبري ، وقال القزاز في توجيه إنكاره : الاجتهاد في العمل نافع ، لأن الله قد دعا الخلق إلى ذلك ، فكيف لا ينفع عنده . قال : فيحتمل أن يكون المراد الاجتهاد في طلب الدنيا وتضييع أمر الآخرة .

وقال غيره : لعل المراد إنه لا ينفع بمجرده ما لم يقارنه القبول ، وذلك لا يكون إلا بفضل الله ورحمته . وقال النووي : المشهور الذي عليه الجمهور فتح الجيم ، ومعناه : لا ينفع ذا الغنى منك غناه ، أو لا ينجيه حظك منه ، وإنما ينفعه العمل الصالح . ( ذكر ما يستفاد منه ) فيه استحباب هذا الذكر عقيب الصلوات لما اشتمل عليه من ألفاظ التوحيد ونسبة الأفعال إلى الله تعالى والمنع والعطاء وتمام القدرة ، وروى ابن خزيمة من حديث أبي بكرة أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم كان يقول في دبر الصلوات : اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر وعذاب القبر .

وروى أيضا عن عقبة بن عامر قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : اقرأ المعوذات في دبر كل صلاة . وعند النسائي : اقرأ بالمعوذتين . وفي كتاب اليوم والليلة لأبي نعيم الأصبهاني : من قال حين ينصرف من صلاة الغداة قبل أن يتكلم : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ، عشر مرات ، أعطي بهن سبع خصال ، وكتب له عشر حسنات ، ومحي عنه بهن عشر سيئات ، ورفع له بهن عشر درجات ، وكن له عدل عشر نسمات ، وكن له عصمة من الشيطان ، وحرزا من المكروه ، ولا يلحقه في يومه ذلك ذنب إلا الشرك بالله ، ومن قالهن حين ينصرف من صلاة المغرب أعطي مثل ذلك .

وفي لفظ : من قال بعد الفجر ثلاث مرات وبعد العصر : أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو وأتوب إليه ، كفرت ذنوبه وإن كانت مثل زبد البحر . وعن أبي أمامة : من قرأ آية الكرسي و﴿قل هو الله أحد دبر كل صلاة مكتوبة ، لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت . رواه ابن السني من حديث إسماعيل بن عياش عن داود بن إبراهيم الذهلي عن أبي أمامة .

وفي كتاب عمل اليوم والليلة لأبي نعيم الحافظ من حديث القاسم عنه : ما يفوت النبي صلى الله عليه وسلم في دبر صلاة مكتوبة ولا تطوع ، إلا سمعته يقول : اللهم اغفر لي خطاياي كلها ، اللهم اهدني لصالح الأعمال والأخلاق إنه لا يهدي لصالحها ولا يصرف بسيئها إلا أنت . وروى الثعلبي في تفسيره من حديث أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أوحى الله تعالى إلى موسى عليه الصلاة والسلام : من داوم على قراءة آية الكرسي دبر كل صلاة أعطيته أجر المتقين وأعمال الصديقين . فائدة قد دارت على ألسن الناس زيادة لفظ في حديث الباب ، وهو : ولا راد لما قضيت ، وهذه الزيادة في مسند عبد بن حميد من رواية معمر عن عبد الملك بن عمير ، لكن حذف قوله : ولا معطي لما منعت .

( وقال شعبة عن عبد الملك بهذا ) أشار بهذا التعليق إلى أن شعبة أيضا روى الحديث المذكور عن عبد الملك بن عمير كما رواه سفيان عنه ووصله السراج في مسنده : حدثنا معاذ بن المثنى ، حدثني أبي ، عن شعبة ، عن عبد الملك بن عمير ، قال : سمعت ورادا ، إلى آخره . ( وعن الحكم عن القاسم بن مخيمرة عن وراد بهذا ) هذا التعليق وصله السراج والطبراني وابن حبان عن شعبة ، قال : حدثني الحكم بن عتيبة ، عن القاسم بن مخيمرة ، عن وراد ، إلى آخره ، كلفظ عبد الملك بن عمير ، إلا أنهم قالوا فيه : إذا قضى صلاته وسلم ، قال : إلى آخره ، وهذا التعليق وقع هكذا مؤخرا عن أثر الحسن في رواية أبي ذر وفي رواية كريمة بالعكس ، لأن قوله : عن الحكم ، معطوف على قوله : عن عبد الملك ، وقوله : قال الحسن الجد غنى ، معترض بين المعطوف والمعطوف عليه .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث