باب ما جاء في الثوم النيء والبصل والكراث
حدثنا سعيد بن عفير ، قال : حدثنا ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب ، زعم عطاء أن جابر بن عبد الله زعم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من أكل ثوما أو بصلا فليعتزلنا - أو قال : فليعتزل مسجدنا - وليقعد في بيته ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بقدر فيه خضرات من بقول فوجد لها ريحا فسأل فأخبر بما فيها من البقول ، فقال : قربوها إلى بعض أصحابه - كان معه - فلما رآه كره أكلها ، قال : كل فإني أناجي من لا تناجي . مطابقته للترجمة في الثوم والبصل . ذكر رجاله ، وهم ستة ؛ سعيد ، هو ابن كثير بن عفير ، أبو عثمان المصري .
وابن وهب هو عبد الله بن وهب المصري . ويونس بن يزيد . وابن شهاب هو محمد بن مسلم بن شهاب الزهري .
وعطاء ابن أبي رباح . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين . وفيه العنعنة في موضعين .
وفيه زعم في موضعين ، قال الخطابي : لم يقل زعم على وجه التهمة لكنه لما كان أمرا مختلفا فيه أتى بلفظ زعم لأن هذا اللفظ لا يكاد يستعمل إلا في أمر يرتاب فيه أو يختلف فيه . وقال الكرماني : زعم ، أي : قال ، لأن الزعم يستعمل للقول المحقق . وفي رواية الأصيلي : عن عطاء ، وفي رواية لمسلم من وجه آخر عن ابن وهب : حدثني عطاء ، وفي رواية أحمد بن صالح الآتية عن جابر ، لم يقل زعم .
قلت : دلت هذه الروايات أن زعم هاهنا بمعنى قال ، كما ذكره الكرماني . وفيه أن الاثنين الأولين من الرواة مصريان ، والثالث والرابع مدنيان ، والخامس مكي . ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره أخرجه البخاري أيضا في الاعتصام عن علي بن عبد الله وعن أحمد بن صالح .
وأخرجه مسلم في الصلاة عن أبي الطاهر وحرملة بن يحيى . وأخرجه أبو داود في الأطعمة عن أحمد بن صالح . وأخرجه النسائي في الوليمة عن يونس بن عبد الأعلى .
ذكر معناه : قوله : أو قال فليعتزل مسجدنا ، شك من الراوي ، وهو الزهري ، ولم تختلف الرواة عنه في ذلك . قوله : وليقعد ، بواو العطف ، وفي رواية أبي ذر : أو ليقعد ، بالشك ، وهو أخص من الاعتزال ، لأنه أعم من أن يكون في البيت أو غيره . قوله : وأن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، عطف على الإسناد المذكور ، والتقدير : وحدثنا سعيد بن عفير بإسناده أن النبي صلى الله عليه وسلم ، فيكون هذا حديثا آخر .
وقال بعضهم : وقد تردد البخاري فيه هل موصول أو مرسل . قلت : على التقدير الذي ذكرنا لا تردد فيه أنه موصول ، لأن المعطوف في حكم المعطوف عليه . قوله : أتي بقدر ، بكسر القاف وهو القدر الذي يطبخ فيه الطعام ، ويجوز فيه التذكير والتأنيث .
وقال : بعضهم : والتأنيث أشهر ، لكن الضمير في قوله : فيه خضرات يعود إلى الطعام الذي في القدر ، فالتقدير : أتي بقدر من طعام فيه خضرات ، ولهذا لما أعاد الضمير على القدر أعاده بالتأنيث حيث قال : فأخبر بما فيها ، وحيث قال : قربوها انتهى . قلت : هذا تصرف فيه تعسف فلا يحتاج إلى تطويل الكلام ، ولما جاز في القدر التذكير والتأنيث أعاد الضمير إليه تارة بالتذكير وتارة بالتأنيث نظرا إلى جواز الوجهين . قوله : خضرات ، بضم الخاء وفتح الضاد المعجمتين ، جمع خضرة ، كذا هو في رواية أبي ذر ، وفي رواية غيره بفتح أوله وكسر ثانيه ، وقال ابن التين : رويناه بفتح الخاء وكسر الضاد .
وقال ابن قرقول : ضبطه الأصيلي بضم الخاء وفتح الضاد ، والمعروف الأول . قوله : من يقول كلمة من فيه بيانية ، ويجوز أن تكون للتبعيض . قوله : فوجد أي : النبي صلى الله عليه وسلم .
قوله : فأخبر على صيغة المجهول ، أي : أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بما في القدر . قوله : قربوها الضمير فيه يجوز أن يرجع إلى الخضرات ويجوز أن يرجع إلى القدر ويجوز أن يرجع إلى البقول . قوله : إلى بعض أصحابه ، وقال الكرماني : هذا اللفظ نقل بالمعنى ، إذ الرسول عليه الصلاة والسلام لم يقل بهذه العبارة ، بل قال : قربوها إلى فلان مثلا ، أو فيه محذوف ، أي : قال قربوها مشيرا أو أشار إلى بعض أصحابه ، انتهى .
وقال بعضهم : والمراد بالبعض أبو أيوب الأنصاري ، ففي صحيح مسلم من حديث أبي أيوب في قصة نزول النبي صلى الله عليه وسلم قال : فكان يصنع للنبي صلى الله عليه وسلم طعاما ، فإذا جيء به إليه - أي : بعد أن يأكل النبي صلى الله عليه وسلم منه - سأل عن موضع أصابع النبي صلى الله عليه وسلم فصنع ذلك مرة فقيل له : لم تأكل ، وكان الطعام فيه ثوم ، فقال : أحرام هو يا رسول الله ، قال : لا ولكن أكرهه . قلت . ليس فيه دليل على أن المراد من البعض أبو أيوب لم لا يجوز أن يكون غيره من أصحابه ، بل الظاهر أنه غيره ، لأن رد طعامه إليه فيه ما فيه .
( فإن قلت ) : قوله : كل خطاب لأبي أيوب ، فذا يدل على أن المراد من البعض أبو أيوب . ( قلت ) : لا نسلم ذلك ، لأنه يجوز أن يأمر بالتقريب إلى غيره ويأمر بالأكل معه ، على أنه جاء في حديث أم أيوب قالت : نزل علينا النبي صلى الله عليه وسلم فتكلفنا له طعاما فيه بعض البقول . . فذكر الحديث نحوه ، وقال : وفيه فكلوا فإني لست كأحد منكم ، أخاف أن أوذي صاحبي .
فهاهنا أمر بالأكل للجماعة وأبو أيوب منهم وليس بمتعين . قوله : فإني أناجي من لا تناجي أي : الملائكة ، ويوضح ذلك ما رواه ابن خزيمة وابن حبان من وجه آخر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل إليه بطعام من خضرات فيه بصل أو كراث ، فلم ير فيه أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبى أن يأكل ، فقال له : ما منعك ؟ قال : لم أر أثر يدك . قال : أستحي من ملائكة الله ، وليس بمحرم .
( ذكر ما يستفاد منه ) من ذلك أن البعض استدل به على أن إقامة الفرض بالجماعة ليست بفرض ، لأن أكل الثوم ونحوه جائز ، ومن لوازمه الشرعية ترك الصلاة بالجماعة ، وترك الجماعة في حق آكله جائز ، ولازم الجائز جائز . ومنه ما يدل على أن أكل الثوم ونحوه من الأعذار المرخصة في ترك حضور الجماعة . ( فإن قلت ) : لم لا يجوز أن يكون النهي خرج مخرج الزجر عن أكل هذه الأشياء فلا يقتضي ذلك أن يكون عذرا في ترك الجماعة إلا أن تدعو إلى أكلها ضرورة ، وعن هذا قال الخطابي : توهم بعضهم أن أكل الثوم عذر في التخلف عن الجماعة ، وإنما هو عقوبة لا يحكم على فاعله إذا حرم فضل الجماعة .
( قلت ) : قوله صلى الله عليه وسلم : قربوها إلى بعض أصحابه ينفي الزجر . ( فإن قلت ) : الزجر متأخر عن الأمر بالتقريب بمدة كثيرة ، لأن الأمر بالتقريب كان حين قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ، ومن جملة أحاديث الزجر حديث ابن عمر ، وهو كان في غزوة خيبر في سنة ست . ( قلت ) : سلمنا ذلك ، ولكن قوله صلى الله عليه وسلم : وليقعد في بيته صريح على أن كل هذه الأشياء عذر في التخلف عن الجماعة ، وأيضا هاهنا علتان ؛ إحداهما : أذى المسلمين ، والثانية : أذى الملائكة ، فبالنظر إلى العلة الأولى يعذر في ترك الجماعة وحضور المسجد ، وبالنظر إلى الثانية يعذر في ترك حضور المسجد ولو كان وحده .
ومنه ما استدل به المهلب ، وهو قوله : فإني أناجي من لا تناجي على أن الملائكة أفضل من البشر ، وليس ذلك بصحيح ، لأنه لا يلزم من تفضيل بعض أفراد الشيء على بعضه تفضيل الجنس على الجنس ، وقد علم في موضعه . ومنه ما استدل به بعضهم على أن أكل الثوم ونحوه كان حراما على النبي صلى الله عليه وسلم ، وليس ذلك بصحيح ، لأن قوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي أيوب المذكور : وليس بمحرم يدل بعمومه على عدم التحريم مطلقا . ( وقال أحمد بن صالح عن ابن وهب : أتي ببدر ، قال ابن وهب : يعني طبقا فيه خضرات .
ولم يذكر الليث وأبو صفوان عن يونس قصة القدر ، فلا أدري هو من قول الزهري أو في الحديث . ) أشار بهذا إلى أن أحمد بن صالح المصري ، وهو أحد مشايخه ومن الأفراد ، قد خالف سعيد بن عفير شيخه الذي روى عنه الحديث المذكور ، في لفظه : قدر ، بالقاف ، حيث روى عن عبد الله بن وهب وقال : أتي ببدر ، بفتح الباء الموحدة وسكون الدال وفي آخره راء ، ومخالفته إياه في هذه اللفظة فقط ، ووافقه في بقية الحديث عن ابن وهب . وقد أخرجه البخاري في الاعتصام ، وقال : حدثنا أحمد بن صالح ، وذكر قول ابن وهب ، يعني : طبقا فيه خضرات ، وكذا أخرجه أبو داود ، لكن أخر تفسير ابن وهب فذكره بعد فراغ الحديث ، وقال : حدثنا أحمد بن صالح ، قال : حدثنا ابن وهب ، قال : أخبرني يونس عن ابن شهاب ، قال : حدثني عطاء بن أبي رباح أن جابر بن عبد الله قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من أكل ثوما أو بصلا فليعتزلنا أو فليعتزل مسجدنا أو ليقعد في بيته ، وأنه أتي ببدر فيه خضرات من البقول فوجد لها ريحا ، فسأل فأخبر بما فيها من البقول فقال : قربوها إلى بعض أصحابه كان معه ، فلما رآه كره أكلها قال : كل فإني أناجي من لا تناجي .
قال أحمد بن صالح : ببدر ، وفسره ابن وهب بطبق ، انتهى . ورجح جماعة من الشراح رواية أحمد بن صالح لكون عبد الله بن وهب فسر البدر بالطبق ، فدل على أنه حدث به كذلك ، وزعم بعضهم أن لفظة بقدر بالقاف تصحيف لأنها تشعر بالطبخ ، وقد ورد الإذن بأكل البقول مطبوخة بخلاف الطبق ، فظاهره أن البقول كانت فيه نية . قلت : أخرجه مسلم عن أبي الطاهر وحرملة كلاهما عن ابن وهب ، فقال : بقدر ، بالقاف ، والاستدلال على التصحيف بلفظ الطبق لا يتم لأنه يمكن أن ما كان فيه كان مطبوخا ، فإنه لا مانع من ذلك فافهم ، وسمي الطبق بالبدر لاستدارته ، تشبيها بالقمر عند كماله .
قوله : ولم يذكر الليث وأبو صفوان عن يونس قصة القدر ، أشار بهذا إلى أن الليث بن سعد وأبا صفوان عبد الله بن سعيد بن عبد الله بن مروان الأموي رويا هذا الحديث عن يونس بن يزيد عن عطاء عن جابر ، ولم يذكرا قصة القدر ، أما رواية الليث ، فإن الذهلي وصلها في الزهريات ، وأما رواية أبي صفوان فوصلها البخاري في الأطعمة عن علي بن المديني عنه ، واقتصرا على الحديث الأول . قوله : ولا أدري ، هو من قول الزهري أو في الحديث ، أشار بهذا الكلام إلى أن ذكر قصة القدر هل هو من قول الزهري بأن يكون مدرجا أو هو مروي في الحديث المذكور ، وقال الكرماني : لفظ لا أدري ، يحتمل أن يكون قول ابن وهب أو البخاري أو سعيد بن عفير شيخ البخاري . وقال بعضهم : هو كلام البخاري ، ووهم من زعم أنه كلام أحمد بن صالح .
قلت : إن كان مراده من هذا الزاعم هو الكرماني فليس كذلك ، فإن الكرماني ردد في القول بين الثلاثة المذكورين ، ولم يذكر أحمد بن صالح إلا عند قوله ، ولم يذكر قال ، ولعله قول أحمد وإن كان مراده غير الكرماني من الشراح ، فهو محل الاحتمال وليس محل الزعم وقال الكرماني . ( فإن قلت ) : ما معنى كونه قول الزهري أو كونه في الحديث ؟ ( قلت ) : معناه أن الزهري نقله مرسلا عن النبي صلى الله عليه وسلم ولهذا لم يروه يونس عن الليث وأبي صفوان ، أو مسندا كما في الحديث ولهذا نقله ابن وهب عن يونس عن الزهري .