باب وضوء الصبيان ومتى يجب عليهم الغسل والطهور وحضورهم الجماعة والعيدين والجنائز وصفوفهم
( باب وضوء الصبيان ومتى يجب عليهم الغسل والطهور وحضورهم الجماعة والعيدين والجنائز وصفوفهم ) أي هذا باب في بيان وضوء الصبيان ، ولم يبين ما حكمه هل هو واجب أو ندب ، لأنه لو قال واجب لاقتضى أن يعاقب الصبي على تركه ، وليس كذلك ، ولو قال ندب لاقتضى صحة صلاته بغير وضوء ، وليس كذلك ، فأبهم ليسلم من ذلك . والصبيان جمع صبي ، قال الجوهري : الصبي الغلام ، والجمع صبية وصبيان ، وهو من الواوي ، ولم يقولوا أصبية استغناء بصبية ، كما لم يقولوا أغلمة استغناء بغلمة ، وقال في الغلام : الغلام معروف ، انتهى . قلت : ما دام الولد في بطن أمه فهو جنين ، فإذا ولدته سمي صبيا ما دام رضيعا ، فإذا فطم سمي غلاما إلى سبع سنين ، ثم يصير يافعا إلى عشر حجج ، ثم يصير حزورا إلى خمس عشرة سنة ، ثم يصير فمدا إلى خمس وعشرين سنة ، ثم يصير عنطنطا إلى ثلاثين سنة ، ثم يصير صملا إلى خمسين سنة ، ثم يصير شيخا إلى ثمانين سنة ، ثم يصير هما بعد ذلك فانيا كبيرا ، هكذا ذكر في كتاب خلق الإنسان عن الأصمعي وغيره .
( فإن قلت ) :
روى أبو داود والترمذي وصححه ابن خزيمة والحاكم من طريق عبد الملك بن الربيع بن صبرة عن أبيه عن جده مرفوعا " علموا الصبي الصلاة ابن سبع سنين ، واضربوه عليها ابن عشر "، فهذا يدل على أن الصبي يطلق على من سنه سبع سنين ، فكيف قيل المولود سمي صبيا ما دام رضيعا ؟ ( قلت ) : أفصح الفصحاء أطلق على ابن سبع سنين لفظ الصبي ، وهو الذي يقبل ، وعن هذا قال الجوهري : الصبي الغلام ، وقد ذكرنا الآن أن المولود من حين يفطم يسمى غلاما إلى سبع سنين . قوله : " ومتى يجب عليهم الغسل " ، وبين ذلك في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه الآتي عن قريب ، فإنه قال : " الغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم " ، فيفهم منه أن الاحتلام هو شرط لوجوب الغسل . ( فإن قلت ) : الحديث الذي ذكرته عن أبي داود وغيره يقتضي تعيين وقت الوضوء لتوقف الصلاة عليها وإن لم يحتلم .
( قلت ) : لم يقل الجمهور بظاهره ، فإنهم قالوا : لا تجب عليه إلا بالبلوغ ، وقالوا : إن التعليم بالصلاة والضرب عليها عند عشر سنين للتدريب . وقال بظاهره قوم حتى قالوا : تجب الصلاة على الصبي للأمر بضربه على تركها ، وهذه صفة الوجوب ، وبه قال أحمد في رواية والشافعي مال إليه ، وقال البيهقي : الحديث المذكور منسوخ بحديث " رفع القلم عن الصبي حتى يحتلم " . قوله : " والطهور " من عطف العام على الخاص .
قوله : " وحضورهم " بالجر عطفا على قوله : " وضوء الصبيان " . قوله : " الجماعة " منصوب بالمصدر المضاف إلى فاعله ، والعيدين عطف عليه ، والجنائز بالنصب ، كذلك عطف على ما قبله قوله " وصفوفهم " بالجر أيضا عطف على ما قبله ، أي : وصفوف الصبيان والترجمة المذكورة مركبة من ستة أجزاء . 238 - حدثنا محمد بن المثنى ، قال : حدثني غندر ، قال : حدثنا شعبة ، قال : سمعت سليمان الشيباني ، قال : سمعت الشعبي ، قال : أخبرني من مر مع النبي صلى الله عليه وسلم على قبر منبوذ فأمهم وصفوا عليه فقلت : يا أبا عمرو ، من حدثك ؟ فقال : ابن عباس رضي الله عنه .
مطابقته للجزء الأول من الترجمة وهو وضوء الصبيان ، وللجزء الثالث وهو قوله : " وحضورهم الجماعة " ، وللجزء السادس وهو ج٦ / ص١٥١قوله : " وصفوفهم " ، فإن ابن عباس كان في ذلك الوقت صغيرا طفلا وقد حضر الجماعة ودخل في صفهم وصلى معهم ، ولم يكن صلى إلا بوضوء . ذكر رجاله ، وهم ستة ؛ الأول : محمد بن المثنى ، هو محمد بن عبد الله بن المثنى بن عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاري البصري . الثاني : غندر ، بضم الغين المعجمة وسكون النون وفتح الدال المهملة وفي آخره راء ، وهو لقب محمد بن جعفر البصري .
الثالث : شعبة بن الحجاج . الرابع : سليمان ابن أبي سليمان ، واسمه فيروز ، أبو إسحاق الشيباني الكوفي . الخامس : عامر الشعبي .
السادس : صحابي لم يسم . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع ، وفيه السماع في موضعين ، وفيه الإخبار بصيغة الإفراد من الماضي ، وفيه القول في ستة مواضع . وفيه أن شيخه منسوب إلى جده .
وفيه أن أحد الرواة مذكور بلقبه . وفيه صحابي مجهول ولكن جهالة الصحابي لا تضر صحة الإسناد . وفيه أن الأولين من رواته بصريان والثالث واسطي والرابع كوفي والخامس كذلك كوفي ، وفيه سليمان مميز بنسبته ، وفيه أن أحدهم يذكر كذلك بنسبته إلى قبيلته .
وفيه رواية التابعي عن التابعي ، وهما سليمان والشعبي . ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره أخرجه البخاري أيضا في الجنائز عن مسلم بن إبراهيم وسليمان بن حرب وحجاج بن منهال ، فرقهم أربعتهم عن شعبة ، وفيه أيضا عن موسى بن إسماعيل . وأخرجه مسلم في الجنائز عن محمد بن المثنى به ، وعن الحسن بن الربيع وأبي كامل الجحدري ، وعن إسحاق بن إبراهيم ، وعن عبيد الله بن معاذ ، وعن الحسن بن الربيع ، ومحمد بن عبد الله بن نمير ، وعن يحيى بن يحيى ، وعن محمد بن حاتم ، وعن إسحاق بن إبراهيم ، وهارون بن عبد الله ، وعن أبي غسان محمد بن عمرو الرازي .
وأخرجه أبو داود فيه عن محمد بن العلاء به . وأخرجه الترمذي فيه عن أحمد بن منيع . وأخرجه النسائي فيه عن يعقوب بن إبراهيم ، وعن إسماعيل بن مسعود .
وأخرجه ابن ماجه فيه عن علي بن محمد . ذكر معناه قوله : " من مر مع النبي صلى الله عليه وسلم " وفي رواية الترمذي : حدثنا الشعبي " أخبرني من رأى النبي صلى الله عليه وسلم " . قوله : " على قبر منبوذ " بفتح الميم وسكون النون وضم الباء الموحدة وفي آخره ذال معجمة ، أي : على قبر منفرد عن القبور .
وقال ابن الجوزي : وقد رواه قوم " على قبر منبوذ " بإضافة قبر إلى منبوذ ، وفسروه باللقيط ، قال : وهذا ليس بشيء لأن في بعض الألفاظ : " أتى قبرا منبوذا " انتهى . قلت : يؤيد ما قاله رواية الترمذي " ورأى قبرا منتبذا فصف أصحابه " ، الحديث ، وفي رواية الصحيح " على قبر منبوذ " على أن المنبوذ صفة للقبر بمعنى منفرد ، كما ذكرنا . وقال الخطابي أيضا : إنه روي على وجهين ، يعني بالإضافة والصفة .
قال الحافظ الدمياطي : من رواه منونا فيهما على النعت ، أي : منتبذا عن القبور ناحية ، يقال : جلست نبذة ، بالفتح والضم ، أي : ناحية ، ويرجع إلى معنى الطرح ، فكأنه طرح في غير موضع قبور الناس ، ومن رواه بغير تنوين على الإضافة فمعناه : قبر لقيط وولد مطروح ، والرواية الأولى أصح ، لأنه جاء في بعض طرق البخاري عن ابن عباس في التي كانت تقم المسجد . ولما روى الترمذي حديث ابن عباس هذا قال : وفي الباب عن أنس وبريدة ويزيد بن ثابت وأبي هريرة وعامر بن ربيعة وأبي قتادة وسهل بن حنيف رضي الله تعالى عنهم . قلت : وفي الباب أيضا عن جابر وأبي سعيد وأبي أمامة بن سهل ؛ أما حديث أنس فرواه مسلم عنه " أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على قبر " ورواه ابن ماجه أيضا وزاد " بعدما دفن " .
وأما حديث بريدة فرواه ابن ماجه من رواية ابن بريدة عن أبيه " أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على ميت بعدما دفن " . وأما حديث يزيد بن ثابت فرواه النسائي وابن ماجه من رواية خارجة بن زيد بن ثابت عن عمه يزيد بن ثابت " أنهم خرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم فرأى قبرا حديثا ، قال : ما هذا ؟ قالوا : هذه فلانة ، مولاة أبي فلان " الحديث ، وفيه : " فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وصف الناس خلفه فكبر عليها أربعا " . وأما حديث أبي هريرة فمتفق عليه على ما يجيء إن شاء الله تعالى .
وأما حديث عامر بن ربيعة فرواه ابن ماجه عنه " أن امرأة سوداء ماتت " الحديث ، وفيه : " قال لأصحابه : صفوا عليها ، وصلى عليها " . وأما حديث أبي قتادة فرواه البيهقي عنه في وفاة البراء بن معرور وصلاة النبي صلى الله عليه وسلم على قبره . وأما حديث سهل بن حنيف فرواه ابن أبي شيبة في مصنفه عنه " أنه صلى الله عليه وسلم صلى على قبر امرأة فكبر أربعا " .
وأما حديث جابر فرواه النسائي عنه " أنه صلى الله عليه وسلم صلى على قبر امرأة بعدما دفنت " . وأما حديث أبي سعيد فراواه ابن ماجه عنه قال : " كانت سوداء تقم ج٦ / ص١٥٢المسجد " الحديث ، وفيه : " فخرج " أي : النبي صلى الله عليه وسلم " صلى بأصحابه فوقف على قبرها فكبر عليها والناس خلفه " . وأما
حديث أبي أمامة بن سهل فرواه النسائي عنه أنه قال : " مرضت امرأة من أهل العوالي " الحديث ، وفيه : " فأتى قبرها فصلى عليها فكبر أربعا " ، قال النووي في الخلاصة : وأبو أمامة له صحبة ، وقال شيخنا زين الدين العراقي : له رؤية ، وأما الصحبة فلا ، وقال الذهبي في كتاب تجريد الصحابة : أبو أمامة بن سهل بن حنيف اسمه أسعد ، سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حديثه مرسل.
قوله : " وصفوا عليه " أي : على القبر ، قوله : " فقلت يا با عمرو " أصله : يا أبا عمرو ، حذفت الهمزة للتخفيف ، وأبو عمرو كنية الشعبي رحمه الله . قوله : " قال ابن عباس " أي : قال : حدثني ابن عباس ، وفاعل قال هو الذي مر مع النبي صلى الله عليه وسلم . ( ذكر ما يستفاد منه ) فيه جواز الصلاة على القبر ، قال أصحابنا : وإن دفن الميت ولم يصل عليه صلي على قبره ولا يخرج منه ، ويصلي عليه ما لم يعلم أنه تفرق ، هكذا ذكر في المبسوط ، وهذا يشير إلى أنه إذا شك في تفرقه وتفسخه يصلى عليه ، وقد نص الأصحاب على أنه يصلى عليه مع الشك في ذلك ، ذكره في المفيد والمزيد وجوامع الفقه ، وبقولنا قال الشافعي وأحمد ، وهو قول ابن عمر وأبي موسى وعائشة وابن سيرين والأوزاعي .
ثم هل يشترط في جواز الصلاة على قبره كونه مدفونا بعد الغسل ؟ فالصحيح أنه يشترط ، ورواه ابن سماعة عن محمد أنه لا يشترط ، وهذا الذي ذكرنا إذا دفن بعد الغسل قبل الصلاة عليه وإذا دفنوه بعد الصلاة عليه ثم تذكروا أنهم لم يغسلوه ، فإن لم يهيلوا التراب عليه يخرج ويغسل ويصلى عليه ، وإن أهالوا التراب عليه لم يخرج . ثم هل يصلى عليه ثانيا في القبر ؟ ذكر الكرخي أنه يصلى عليه ، وفي النوادر عن محمد : القياس أن لا يصلى عليه ، وفي الاستحسان أن يصلى عليه ، وفي المحيط : لو صلى عليه من لا ولاية عليه يصلي على قبره ، والاعتبار في كونه قبل التفسخ غالب الظن ، فإن كان غالب الظن أنه تفسخ لا يصلى عليه ، وإلا يصلى عليه . وعن أبي يوسف : يصلي عليه إلى ثلاثة أيام .
وللشافعية ستة أوجه ؛ أولها : إلى ثلاثة أيام ، ثانيها : إلى شهر ، كقول أحمد ، ثالثها : ما لم يبل جسده ، رابعها : يصلي عليه من كان من أهل الصلاة عليه يوم موته ، خامسها : يصلي عليه من كان من أهل فرض الصلاة عليه يوم موته ، سادسها : يصلى عليه أبدا ، فعلى هذا تجوز الصلاة على قبور الصحابة ومن قبلهم اليوم ، واتفقوا على تضعيفة ، وممن صرح به الماوردي والمحاملي والفوراني والبغوي وإمام الحرمين والغزالي ، وقال إسحاق : يصلي القادم من السفر إلى شهر ، والحاضر إلى ثلاثة أيام . وقال سحنون ، من المالكية : لا يصلى على القبر . وقالت المالكية في جواب الحديث المذكور بأنه علل الصلاة على القبر في حديث أبي هريرة بأن هذه القبور ممتلئة على أهلها ظلمة وأن الله ينورها بصلاتي عليهم ، قالوا : فأثبت أن تنويرها بصلاته هو عليهم لا بصلاة غيره .
وقال ابن حبان : ولو كان خاصا لزجر أصحابه أن يصطفوا خلفه ويصلوا معه على القبر ، ففي ترك إنكاره أبين البيان أنه فعل مباح له ولأمته معا . ( فإن قلت ) : روى البخاري عن عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه أنه صلى الله عليه وسلم صلى على قتلى أحد بعد ثمان سنين ؟ ( قلت ) : أجاب السرخسي في المبسوط وغيره أن ذلك محمول على الدعاء ، ولكنه غير سديد ، لأن الطحاوي روى عن عقبة بن عامر أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يوما فصلى على قتلى أحد صلاته على الميت ، والجواب السديد أن أجسادهم لم تبل ، وفي الموطأ أن عمرو بن الجموح وعبد الله بن عمرو الأنصاريين كان السيل قد حفر قبرهما وهما من شهداء أحد فوجدا لم يتغيرا كأنهما ماتا بالأمس ولقتلهما ست وأربعون سنة . وفيه أن اللقيط إذا وجد في بلاد الإسلام كان حكمه حكم المسلمين في الصلاة عليه ونحوها من أحكام الدين ، واستدل به قوم على كراهة الصلاة إلى المقابر لأنه جعل انتباذ القبر عن القبور شرطا في جواز الصلاة ، وفيه نظر .