حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب لا يفرق بين اثنين يوم الجمعة

حدثنا عبدان قال : أخبرنا عبد الله قال : أخبرنا ابن أبي ذئب ، عن سعيد المقبري ، عن أبيه ، عن ابن وديعة ، عن سلمان الفارسي قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من اغتسل يوم الجمعة وتطهر بما استطاع من طهر ، ثم ادهن أو مس من طيب ، ثم راح فلم يفرق بين اثنين ، فصلى ما كتب له ، ثم إذا خرج الإمام أنصت غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى مطابقته للترجمة في قوله : فلم يفرق بين اثنين والحديث قد مضى في باب الدهن للجمعة أخرجه عن آدم بن أبي إياس ، عن ابن أبي ذئب إلى آخره ، وقد تكلمنا هناك على ما يتعلق به من سائر الوجوه ، لكن لم نمعن في الكلام في التفريق بين اثنين ، ونذكره هاهنا إن شاء الله تعالى . وعبدان بفتح العين المهملة وسكون الباء الموحدة ، وهو لقب عبد الله بن عثمان ، أبو عبد الرحمن المروزي ، وقد تكرر ذكره ، وعبد الله هو ابن المبارك ، وابن أبي ذئب هو محمد بن عبد الرحمن ، وقد تكرر ذكره ، وأبو سعيد اسمه كيسان ، وابن وديعة اسمه عبد الله ، ووديعة بفتح الواو ، وقد مر الكلام فيه هناك مستوفى . واختلفوا في التفرقة بين اثنين ، والأشبه بتأويله أن لا يتخطى رجلين أو يجلس بينهما على ضيق الموضع ، ويؤيده ما في ( الموطأ ) عن أبي هريرة : لأن يصلي أحدكم بظهر الحرة خير له من أن يقعد حتى إذا قام الإمام جاء يتخطى رقاب الناس ، ومعناه أن المأثم عنده في التخطي أكثر من المأثم في التخلف عن الجمعة ، كذا تأوله القاضي أبو الوليد .

وقال أبو عبد الملك : إن صلاته بالحرة ، وهي حجارة سود بموضع يبعد عن المسجد خير له ، ورواه ابن أبي شيبة بلفظ لأن أصلي بالحرة أحب إلي من أن أتخطى رقاب الناس يوم الجمعة ، وعن سعيد بن المسيب مثله . وقال كعب : لأن أدع الجمعة أحب إلي من أن أتخطى رقاب الناس يوم الجمعة . وقال سلمان : إياك والتخطي ، واجلس ، وهو قول عطاء والثوري ، وأحمد .

وقد ورد في هذا الباب أحاديث منها ما رواه الترمذي من حديث سهل بن معاذ بن أنس عن أبيه قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من تخطى رقاب الناس يوم الجمعة اتخذ جسرا إلى جهنم ، وقال : حديث سهل بن معاذ عن أبيه حديث غريب ، ومنها : حديث جابر بن عبد الله أن رجلا دخل المسجد يوم الجمعة ، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخطب ، فجعل يتخطى الناس ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : اجلس ؛ فقد آذيت وآنيت أخرجه ابن ماجه ، وفي سنده إسماعيل بن مسلم المكي ، وهو ضعيف ، ومنها : حديث عبد الله بن بسر رواه أبو داود والنسائي بإسناد جيد من رواية أبي الزاهرية ، واسمه صدير بن كريب ، قال : كنا مع عبد الله بن بسر صاحب النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم الجمعة فجاء رجل يتخطى رقاب الناس ، والنبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب ، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : اجلس فقد آذيت ، ومنها حديث عبد الله بن عمرو رواه أبو داود بإسناد حسن من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن عبد الله بن عمرو بن العاصي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : من اغتسل يوم الجمعة : إلى آخره ، وفيه ومن لغا وتخطى رقاب الناس كانت له ظهرا يعني : لا تكون له كفارة لما بينهما ، ومنها : حديث الأرقم أخرجه أحمد في مسنده ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : إن الذي يتخطى رقاب الناس ، ويفرق بين اثنين بعد خروج الإمام كالجار قصبه في النار ، ورواه الطبراني أيضا في ( المعجم الكبير ) ، وفي سنده هشام بن زياد ، ضعفه أحمد وأبو داود والنسائي ، ومنها : حديث عثمان بن الأزرق أخرجه الطبراني في ( الكبير ) ، ولفظه : من تخطى رقاب الناس بعد خروج الإمام ، وفرق بين اثنين كان كالجار قصبه في النار . وقال الذهبي : عثمان بن الأزرق له صحبة ، قاله في معجم الطبراني ، ومنها : حديث أبي الدرداء أخرجه الطبراني في ( الأوسط ) قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا تأكل متكئا ، ولا تخط رقاب الناس يوم الجمعة ، وفي سنده عبد الله بن رزيق ، قال الأزدي : لم يصح حديثه ، ومنها : حديث أنس رضي الله تعالى عنه ، أخرجه الطبراني أيضا ، قال : بينما النبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب إذ جاء رجل فتخطى رقاب الناس الحديث ، وفيه رأيتك تخطى رقاب الناس وتؤذيهم ، من آذى مسلما فقد آذاني ، ومن آذاني فقد آذى الله عز وجل ، قوله : اتخذ جسرا قال شيخنا في ( شرح الترمذي ) : المشهور اتخذ على بناء المجهول ، بمعنى : يجعل جسرا على طريق جهنم ليوطأ ، ويتخطى كما تخطى رقاب الناس ، فإن الجزاء من جنس العمل ، ويحتمل أن يكون على بناء الفاعل ، أي : اتخذ لنفسه جسرا يمشي عليه إلى جهنم بسبب ذلك ، قوله : وآنيت أي : أخرت المجيء وأبطأت ، قوله : قصبه القصب بضم القاف المعاء ، وجمعه أقصاب ، وقيل : القصب اسم للأمعاء كلها ، وقيل : هو ما كان أسفل البطن من الأمعاء ، قوله : متكئا أي : حال كونك متكئا . وقال صاحب التوضيح : وقد اختلف العلماء في التخطي ، فمذهبنا أنه مكروه إلا أن يكون قدامه فرجة لا يصلها إلا بالتخطي ، فلا يكره حينئذ ، وبه قال الأوزاعي وآخرون .

وقال ابن المنذر بكراهته مطلقا عن سلمان الفارسي ، وأبي هريرة ، وكعب ، وسعيد بن المسيب ، وعطاء ، وأحمد بن حنبل ، وعن مالك كراهته إذا جلس الإمام على المنبر ، ولا بأس به قبله . وقال قتادة : يتخطاهم إلى مجلسه . وقال الأوزاعي : يتخطاهم إلى السعة ، وهذا يشبه قول الحسن ، قال : لا بأس بالتخطي إذا كان في المسجد سعة .

وقال أبو بصرة : يتخطاهم بإذنهم . وقال ابن المنذر : لا يجوز شيء من ذلك عندي ؛ لأن الأذى يحرم قليله وكثيره . وقال صاحب التوضيح : وهو المختار ، وعند أصحابنا الحنفية : لا بأس بالتخطي ، والدنو من الإمام إذا لم يؤذ الناس ، وقيل : لا بأس به إذا لم يأخذ الإمام في الخطبة ، ويكره إن أخذ .

وقال الحلواني : الصحيح أن الدنو من الإمام أفضل لا التباعد منه ، ثم تقييد التخطي بالكراهة يوم الجمعة هو المذكور في الأحاديث ، وكذلك قيده الترمذي في حكايته عن أهل العلم ، وكذلك قيده الشافعية في كتب فقههم في أبواب الجمعة ، وكذا هو عبارة الشافعي في ( الأم ) : وأكره تخطي رقاب الناس يوم الجمعة لما فيه من الأذى وسوء الأدب ، انتهى . قلت : هذا التعليل يشمل يوم الجمعة وغيره من سائر الصلوات في المساجد وغيرها ، وسائر المجامع من حلق العلم ، وسماع الحديث ، ومجالس الوعظ ، وعلى هذا يحمل التقييد بيوم الجمعة على أنه خرج مخرج الغالب لاختصاص الجمعة بمكان الخطبة وكثرة الناس بخلاف غيره ، ويؤيد ذلك ما رآه أبو منصور الديلمي في ( مسند الفردوس ) من حديث أبي أمامة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من تخطى حلقة قوم بغير إذنهم فهو عاص ، ولكنه ضعيف ؛ لأنه من رواية جعفر بن الزبير ، فإنه كذبه شعبة وتركه الناس . ثم اختلفوا في كراهة ذلك : هل هو للتحريم أو لا ، فالمتقدمون يطلقون الكراهة ويريدون كراهة التحريم ، وحكى الشيخ أبو حامد في تعليقه عن نص الشافعي التصريح بتحريمه ، وحكى الرافعي في الشهادات عن صاحب ( العدة ) أنه عده من الصغائر ، ونازعه الرافعي وقال : إنه من المكروهات ، وقال في باب الجمعة : إن تركه من المندوبات ، وصرح النووي في ( شرح المهذب ) بأنه مكروه كراهة تنزيه ، وقال في ( زوائد الروضة ) : إن المختار تحريمه للأحاديث الصحيحة ، واقتصر أصحاب أحمد على الكراهة فقط .

وقال شارح الترمذي : ويستثنى من التحريم أو الكراهة الإمام أو من كان بين يديه فرجة لا يصل إليها إلا بالتخطي ، وأطلق النووي في ( الروضة ) استثناء الإمام ، ومن بين يديه فرجة ، ولم يقيد الإمام بالضرورة ، ولا الفرجة بكون التخطي إليها يزيد على صفين ، وقيد ذلك في ( شرح المهذب ) ، فقال : فإن كان إماما لم يجد طريقا إلى المنبر ، والمحراب إلا بالتخطي لم يكره ؛ لأنه ضرورة . وفي ( الأم ) : فإن كان الزحام دون الإمام لم أكره له من التخطي ما أكره للمأموم ؛ لأنه مضطر إلى أن يمضي إلى الخطبة . وقال في ( الأم ) أيضا : فإن كان دون مدخل الرجل زحام ، وأمامه فرجة ، وكان تخطيه إليها بواحد أو اثنين رجوت أن يسعه التخطي ، وإن كرهته ، إلا أن لا يجد السبيل إلى مصلى فيه الجمعة إلا أن يتخطى فيسعه التخطي إن شاء الله تعالى ، ونقل النووي عن الشافعي في ( الفروق ) أنه إذا وصل إليها بتخطي واحد أو اثنين فلا بأس به ، فإن كان أكثر من ذلك كرهت له أن يتخطى ، ثم لا فرق في كراهة التخطي أو تحريمه بين أن يكون المتخطي من ذوي الحشمة والأصالة أو رجلا صالحا أو ليس فيه وصف منهما ، ونقل صاحب ( البيان ) عن القفال أنه لو كان محتشما أو محترما لم يكره التخطي .

قلت : هذا ليس بشيء ، والأصل عدم التخصيص . وقال المتولي : إذا كان له موضع يألفه وهو معظم في نفوس الناس : لا يكره له التخطي . قلت : فيه نظر .

ورد في أحاديث11 حديثًا
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث