باب الخطبة على المنبر
حدثنا قتيبة بن سعيد قال : حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن عبد القاري القرشي الإسكندراني قال : حدثنا أبو حازم بن دينار ، أن رجالا أتوا سهل بن سعد الساعدي ، وقد امتروا في المنبر ؛ مم عوده ؟ فسألوه عن ذلك ، فقال : والله إني لأعرف مما هو ، ولقد رأيته أول يوم وضع ، وأول يوم جلس عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أرسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى فلانة ، امرأة قد سماها سهل ، مري غلامك النجار أن يعمل لي أعوادا أجلس عليهن إذا كلمت الناس ، فأمرته فعملها من طرفاء الغابة ، ثم جاء بها فأرسلت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأمر بها فوضعت هاهنا ، ثم رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى عليها ، وكبر وهو عليها ، ثم ركع وهو عليها ، ثم نزل القهقرى فسجد في أصل المنبر ، ثم عاد ، فلما فرغ أقبل على الناس ، فقال : أيها الناس إنما صنعت هذا لتأتموا بي ، ولتعلموا صلاتي . مطابقته للترجمة في قوله : إذا كلمت الناس إذ العادة أن الخطيب لا يتكلم على المنبر إلا بالخطبة . ذكر رجاله ، وهم أربعة : الأول : قتيبة بن سعيد ، وقد تكرر ذكره ، الثاني : يعقوب بن عبد الرحمن هو القاري بالقاف ، وبالراء المخففة ، وبياء النسبة إلى القارة ، وهي قبيلة ، وإنما قيل له القرشي ؛ لأنه حليف بني زهرة ، والمدني ؛ لأن أصله من المدينة ، والإسكندراني ؛ لأنه سكن فيها ، ومات بها سنة إحدى وثمانين ومائة ، الثالث : أبو حازم بالحاء المهملة ، وبالزاي ، واسمه سلمة بن دينار الأعرج ، الرابع : سهل بن سعد الساعدي رضي الله تعالى عنه .
ذكر لطائف إسناده : فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع ، وفيه القول في ثلاثة مواضع ، وفيه أن شيخ البخاري بلخي ، والاثنان بعده مدنيان ، والحديث أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي جميعهم عن قتيبة . ذكر معناه : قد مضى الكلام فيه مستوفى في باب الصلاة في المنبر والسطوح والخشب ، ولكن نذكر هاهنا ما لم نذكر هناك زيادة للبيان ، وإن وقع فيه بعض تكرار فنقول : قوله : إن رجالا لم يسموا من هم ، قوله : وقد امتروا جملة في محل النصب على الحال من الامتراء ، قال الكرماني : وهو الشك . وقال بعضهم : من المماراة ، وهي المجادلة ، والذي قاله الكرماني هو الأصوب ، قوله : والله إني لأعرف مما هو أي : من أي شيء هو ، أي : عوده ، وإنما أتى بالقسم مؤكدا بالجملة الاسمية ، وبكلمة إن التي للتحقيق وبلام التأكيد في الخبر لإرادة التأكيد فيما قاله للسامع ، قوله : ولقد رأيته أول يوم وضع أي : لقد رأيت المنبر في أول يوم وضع في موضعه ، وهو زيادة على السؤال ، وكذا قوله : وأول يوم جلس عليه أي : أول يوم جلس النبي - صلى الله عليه وسلم - على المنبر ، وفائدة هذه الزيادة المؤكدة باللام ، وكلمة قد للإعلام بقوة معرفته بما سألوه ، قوله : أرسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى آخره ، شرح جوابه لهم ، وبيانه ، فلذلك فصله عما قبله ، ولم يذكره بعطف ، قوله : إلى فلانة فلان للمذكر ، وفلانة للمؤنث ، كناية عن اسم سمي به المحدث عنه خاص غالب ، ويقال في غير الناس : الفلان والفلانة ، والمانع من صرفه وجود العلتين العلمية والتأنيث ، وقد ذكرنا في باب الصلاة على المنبر ما قالوا في اسمها ، وكذلك ذكرنا الاختلاف في صانع المنبر على أقوال كثيرة مستقصاة ، وفي حديث سهل المذكور هناك : عمله فلان مولى فلانة ، وهاهنا ، قوله : مري غلامك تقديره : أرسل إليها وقال لها : مري غلامك ، وهو أمر من أمر يأمر ، وأصله اؤمري على وزن افعلي ، فاجتمعت همزتان فنقلتا فحذفت الثانية ، واستغنيت عن همزة الوصل فصار مري على وزن علي ؛ لأن المحذوف فاء الفعل ، قوله : غلامك النجار بنصب النجار ؛ لأنه صفة للغلام ، وقد سماه عباس بن سهل بأن اسمه ميمون ، وقد ذكرنا هناك من رواه ، ويقال اسمه مينا ، ذكره إسماعيل بن أبي أويس عن أبيه قال : عمل المنبر غلام لامرأة من الأنصار من بني سلمة أو بني ساعدة أو امرأة لرجل منهم يقال له مينا ، وأشبه الأقوال التي ذكرت في صانع المنبر بالصواب قول من قال : هو ميمون ؛ لكون الإسناد فيه من طريق سهل بن سعد ، وبقية الأقوال بأسانيد ضعيفة ؛ بل فيها شيء واه .
فإن قلت : كيف يكون طريق الجمع بين هذه الأقوال وهي سبعة على ما ذكرنا في باب الصلاة على المنبر ؟ قلت : لا طريق في هذا إلا أن يحمل على واحد بعينه ما هو في صنعته ، والبقية أعوانه . فإن قلت : لم لا يجوز أن يكون الكل قد اشتركوا في العمل ؟ قلت : جاء في روايات كثيرة أنه لم يكن بالمدينة إلا نجار واحد ، فإن قلت : متى كان عمل هذا المنبر ؟ قلت : ذكر ابن سعد أنه كان في السنة السابعة ؛ لكن يرده ذكر العباس وتميم فيه ، وكان قدوم العباس بعد الفتح في آخر سنة ثمان ، وقدوم تميم سنة تسع ، وذكر ابن النجار بأنه كان في سنة ثمان ، ويرده أيضا ما ورد في حديث الإفك في الصحيحين عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : فثار الحيان الأوس والخزرج حتى كادوا أن يقتتلوا ، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - على المنبر فنزل فخفضهم حتى سكتوا ، وعن الطفيل بن أبي بن كعب عن أبيه قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي إلى جذع إذ كان المسجد عريشا ، وكان يخطب إلى ذلك الجذع ، فقال رجل من أصحابه : يا رسول الله هل لك أن نجعل لك منبرا تقوم عليه يوم الجمعة ، وتسمع الناس يوم الجمعة خطبتك ؟ قال : نعم ، فصنع له ثلاث درجات هي على المنبر ، فلما صنع المنبر وضع موضعه الذي وضعه فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وبدأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يقوم فيخطب عليه فمر إليه ، فلما جاز الجذع الذي كان يخطب إليه خار حتى تصدع ، وانشق ، فنزل النبي - صلى الله عليه وسلم - لما سمع صوت الجذع ، فمسحه بيده ، ثم رجع إلى المنبر ، وعن عائشة رضي الله تعالى عنها لما وضع النبي - صلى الله عليه وسلم - يده على الجذع وسكنه غار الجذع فذهب ، وقيل : لما سكن لم يزل على حاله ، فلما هدم المسجد أخذ ذلك أبي بن كعب ، فكان عنده إلى أن بلي وأكلته الأرضة ، فعاد رفاتا ، رواه الشافعي وأحمد وابن ماجه ، وفي رواية : لما وضع يده على الجذع سكن حنينه ، وجاء في رواية أخرى : لو لم أفعل ذلك لحن إلى قيام الساعة . فإن قلت : حكى بعض أهل السير أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يخطب على منبر من طين قبل أن يتخذ المنبر الذي من خشب ، قلت : يرده الحديث الذي ذكرناه والأحاديث الصحيحة أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يستند إلى الجذع إذا خطب .
ثم اعلم أن المنبر لم يزل على حاله ثلاث درجات حتى زاده مروان في خلافة معاوية ست درجات من أسفله ، وكان سبب ذلك ما حكاه الزبير بن بكار في أخبار المدينة بإسناده إلى حميد بن عبد الرحمن بن عوف قال : بعث معاوية إلى مروان ، وهو عامله على المدينة أن يحمل المنبر إليه ، فأمر به فقلع ، فأظلمت المدينة ، فخرج مروان فخطب ، فقال : إنما أمرني أمير المؤمنين أن أرفعه فدعا نجارا ، وكان ثلاث درجات فزاد فيه الزيادة التي هو عليها اليوم ، ورواه من وجه آخر ، قال : فكسفت الشمس حتى رأينا النجوم . قال : وزاد فيه ست درجات ، وقال : إنما زدت فيه حين كثر الناس . فإن قلت : روى أبو داود عن ابن عمر أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - لما بدن قال له تميم الداري : ألا أتخذ لك منبرا يا رسول الله يجمع أو يحمل عظامك ؟ قال : بلى ، فاتخذ له منبرا مرقاتين ، أي : اتخذ له منبرا درجتين ، فبينه وبين ما ثبت في الصحيح أنه ثلاث درجات منافاة قلت : الذي قال مرقاتين لم يعتبر الدرجة التي كان يجلس عليها - صلى الله عليه وسلم - .
وقال ابن النجار وغيره : استمر على ذلك إلا ما أصلح منه إلى أن احترق مسجد المدينة سنة أربع وخمسين وستمائة ، فاحترق ، ثم جدد المظفر صاحب اليمن سنة ست وخمسين منبرا ، ثم أرسل الظاهر بيبرس رحمه الله بعد عشر سنين منبرا ، فأزيل منبر المظفر ، فلم يزل ذلك إلى هذا العصر ، فأرسل الملك المؤيد شيخ رحمه الله في سنة عشرين وثمانمائة منبرا جديدا ، وكان أرسل في سنة ثماني عشرة منبرا جديدا إلى مكة أيضا . قوله : وأجلس بالرفع والجزم ، قاله الكرماني . قلت : أما الرفع فعلى تقدير : وأنا أجلس ، وأما الجزم فلأنه جواب الأمر ، قوله : من طرفاء الغابة وفي رواية سفيان عن أبي حازم من أثل الغابة الطرفاء بفتح الطاء وسكون الراء المهملتين ، وبعد الراء فاء ممدودة ، وهو شجر من شجر البادية ، واحدها طرفة بفتح الفاء ، مثل قصبة وقصباء .
وقال سيبويه : الطرفاء ، وأحمد وجمع ، والأثل بسكون الثاء المثلثة ، قال القزاز : هو ضرب من الشجر يشبه الطرفاء . وقال الخطابي : هو الشجرة الطرفاء ، قلت : فعلى هذا لا منافاة بين الروايتين ، والغابة بالغين المعجمة ، وبعد الألف باء موحدة ، وهي أرض على تسعة أميال من المدينة كانت إبل النبي - صلى الله عليه وسلم - مقيمة بها للمرعى ، وبها وقعت قصة العرنيين الذي أغاروا على سرحه . وقال ياقوت : بينها وبين المدينة أربعة أميال .
وقال الزمخشري : الغابة بريد من المدينة من طريق الشام ، وفي الجامع : كل شجر ملتف فهو غابة ، وفي المحكم : الغابة الأجمة التي طالت ولها أطراف مرتفعة باسقة . وقال أبو حنيفة : هي أجمة القصب ، قال : وقد جعلت جماعة الشجر غابا مأخوذا من الغيابة ، والجمع غابات ، وغاب ، قوله : فأرسلت أي : المرأة تعلم النبي - صلى الله عليه وسلم - بأنه فرغ ، قوله : فأمر بها فوضعت أنث الضمير في الموضعين باعتبار الأعواد والدرجات ، قوله : عليها أي : على الأعواد ، قوله : وهو عليها جملة حالية ، قوله : ثم نزل القهقرى وهو الرجوع إلى خلف قيل : يقال رجع القهقرى ، ولا يقال : نزل القهقرى ؛ لأنه نوع من الرجوع لا من النزول ، وأجيب بأنه لما كان النزول رجوعا من فوق إلى تحت صح ذلك ، وكان الحامل على ذلك المحافظة على استقبال القبلة ، ولم يذكر في هذه الرواية القيام بعد الركوع ، ولا القراءة بعد التكبير ، وقد بين ذلك في رواية سفيان عن أبي حازم ، ولفظه كبر فقرأ ، وركع ، ثم رفع رأسه ، ثم رجع القهقرى ، وفي رواية هشام بن سعد عن أبي حازم عند الطبراني : فخطب الناس عليه ، ثم أقيمت الصلاة فكبر وهو على المنبر ، قوله : في أصل المنبر أي : على الأرض إلى جنب الدرجة السفلى منه ، قوله : ثم عاد وزاد مسلم من رواية عبد العزيز : حتى فرغ من آخر صلاته ، قوله : ولتعلموا بكسر اللام وفتح التاء المثناة من فوق ، وتشديد اللام ، وأصله : لتتعلموا ، فحذفت إحدى التاءين ، وعرف منه أن الحكمة في صلاته في أعلى المنبر ليراه من قد يخفى عليه رؤيته إذا صلى على الأرض . وقال ابن حزم : وبكيفية هذه الصلاة قال أحمد والشافعي والليث وأهل الظاهر ، ومالك وأبو حنيفة لا يجيزانها .
وقال ابن التين : الأشبه أن ذلك كان له خاصة . ذكر ما يستفاد منه : فيه أن من فعل شيئا يخالف العادة بين حكمته لأصحابه ، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى هذه الصلاة بهذه الكيفية ، وكان ذلك لمصلحة بيناها فنقول : إذا كان مثل ذلك لمصلحة ينبغي أن لا تفسد صلاته ، ولا تكره أيضا ، كما في مسألة من انفرد خلف الصف وحده ، فإن له أن يجذب واحدا من الصف إليه ويصطفان ، فإن المجذوب لا تبطل صلاته ، ولو مشى خطوة أو خطوتين ، وبه صرح أصحابنا في الفقه ، وفيه دليل على أن الفعل الكثير بالخطوات وغيرها إذا تفرق لا يبطل الصلاة ؛ لأن النزول عن المنبر والصعود تكرر ، وجملته كثيرة ، ولكن أفراده المتفرقة كل واحد منها قليل ، وفيه استحباب اتخاذ المنبر لكونه أبلغ في مشاهدة الخطيب والسماع منه ، ويستحب أن يكون المنبر على يمين المحراب مستقبل القبلة ، فإن لم يكن منبر فموضع عال ، وإلا فإلى خشبة للاتباع ، فإنه - صلى الله عليه وسلم - كان يخطب إلى جذع قبل اتخاذ المنبر ، فلما صنع تحول إليه ، ويكره المنبر الكبير جدا الذي يضيق على المصلين إذا لم يكن المسجد متسعا ، وفيه استحباب الافتتاح بالصلاة في كل شيء جديد إما شكرا وإما تبركا .