باب الخطبة قائما
حدثنا عبيد الله بن عمر القواريري قال : حدثنا خالد بن الحارث قال : حدثنا عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب قائما ، ثم يقعد ، ثم يقوم ، كما تفعلون الآن . مطابقته للترجمة ظاهرة . ذكر رجاله ، وهم خمسة : الأول : عبيد الله بتصغير العبد ابن عمر بن ميسرة البصري أبو سعيد القواريري ، والقواريري بالقاف نسبة لمن يعمل القوارير أو يبيعها ، الثاني : خالد بن الحارث بن سليم الهجيمي البصري مات سنة ست وثمانين ومائة ، ومر ذكره في باب استقبال القبلة ، الثالث : عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب القرشي ، الرابع : نافع مولى ابن عمر ، الخامس : عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه .
ذكر لطائف إسناده : فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع ، وفيه العنعنة في موضعين ، وفيه القول في ثلاثة مواضع ، وفيه أن نصف رواته بصري ، والنصف الآخر مدني . ذكر من أخرجه غيره : أخرجه مسلم في الصلاة عن القواريري ، وأبي كامل فضيل بن الحسين الجحدري ، وأخرجه الترمذي فيه عن حميد بن مسعدة عن خالد بن الحارث ، وروى أحمد ، والبزار ، وأبو يعلى ، والطبراني من رواية الحجاج بن أرطاة عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يخطب يوم الجمعة قائما ، ثم يقعد ، ثم يقوم ، ثم يخطب اللفظ لأحمد ، وأبي يعلى ، قوله : ثم يقعد أي : بعد الخطبة الأولى ، ثم يقوم للخطبة الثانية . ذكر ما يستفاد منه : فيه الإخبار عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يخطب قائما ، قال شيخنا في ( شرح الترمذي ) : فيه اشتراط القيام في الخطبتين إلا عند العجز ، وإليه ذهب الشافعي ، وأحمد في رواية ، انتهى .
قلت : لا يدل الحديث على الاشتراط ، غاية ما في الباب أنه يدل على السنية ، وفي ( التوضيح ) القيام للقادر شرط لصحتها ، وكذا الجلوس بينهما عند الشافعي رضي الله تعالى عنه وأصحابه ، فإن عجز عنه استخلف ، فإن خطب قاعدا أو مضطجعا للعجز جاز قطعا كالصلاة ، ويصح الاقتداء به حينئذ ، وعندنا وجه أنها تصح قاعدا للقادر ، وهو شاذ ، نعم ، هو مذهب أبي حنيفة ، ومالك وأحمد كما حكاه النووي عنهم ، قاسوه على الأذان . وحكى ابن بطال عن مالك كالشافعي ، وعن ابن القصار كأبي حنيفة ، ونقل ابن التين عن القاضي أبي محمد أنه مسيء ، ولا يبطل حجة الشافعي حديث الباب . قلت : حديث الباب لا يدل على الاشتراط ، واستدل بعضهم للشافعي رضي الله تعالى عنه بما في ( صحيح مسلم ) أن كعب بن عجرة دخل المسجد ، وعبد الرحمن بن أبي الحكم يخطب قاعدا ، فقال : انظروا إلى هذا الخطيب يخطب قاعدا ، وقال تعالى : وَتَرَكُوكَ قَائِمًا وفي ( صحيح ابن خزيمة ) قال كعب : ما رأيت كاليوم قط ، إمام يؤم المسلمين يخطب وهو جالس ! يقول ذلك مرتين ، وأجيب عنه بأن إنكار كعب عليه إنما هو لتركه السنة ، ولو كان القيام شرطا لما صلوا معه مع ترك الفرض .
فإن قلت : روى مسلم ، وأبو داود ، والنسائي ، وابن ماجه من رواية سماك بن حرب عن جابر بن سمرة قال : كانت للنبي - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - خطبتان يجلس بينهما يقرأ القرآن ، ويذكر الناس ، وفي رواية كان يخطب قائما ، ثم يجلس ، ثم يقوم فيخطب قائما ، فمن نبأك أنه كان يخطب جالسا فقد كذب ، فقد والله صليت معه أكثر من ألفي صلاة . قلت : هذا محمول على المبالغة ؛ لأن هذا القدر من الجمع إنما يكمل في نيف وأربعين سنة ، وهذا القدر لم يصله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فإن قلت : قال النووي : المراد الصلوات الخمس لا الجمع ؛ لأنه غير ممكن . قلت : سياق الكلام ينافي هذا التأويل ؛ لأن الكلام في الجمع لا في الصلوات الخمس ، واحتجوا أيضا بما ذكره ابن أبي شيبة عن طاوس قال : خطب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر وعمر وعثمان قياما ، وأول من جلس على المنبر معاوية ، قال الشعبي : حين كثر شحم بطنه ولحمه ، ورواه ابن حزم عن علي رضي الله تعالى عنه أيضا ، والجواب عنه وعن كل حديث ورد فيه القيام في خطبة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وعن قوله : وَتَرَكُوكَ قَائِمًا بأن ذلك إخبار عن حالته التي كان عليها عند انفضاضهم ، وبأنه - صلى الله عليه وسلم - كان يواظب على الشيء الفاضل مع جواز غيره ، ونحن نقول به ، ومن أقوى الحجج لأصحابنا ما رواه البخاري عن أبي سعيد الخدري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جلس ذات يوم على المنبر وجلسنا حوله ، على ما سيأتي إن شاء الله تعالى ، وحديث سهل مري غلامك يعمل لي أعوادا أجلس عليهن إذا كلمت الناس .