باب يستقبل الإمام القوم واستقبال الناس الإمام إذا خطب
حدثنا معاذ بن فضالة قال : حدثنا هشام ، عن يحيى ، عن هلال بن أبي ميمونة قال : حدثنا عطاء بن يسار أنه سمع أبا سعيد الخدري قال : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - جلس ذات يوم على المنبر ، وجلسنا حوله . مطابقته للترجمة من حيث إن جلوسهم حول النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يكون إلا وهم ينظرون إليه ، وهو عين الاستقبال . ذكر رجاله ، وهم ستة : الأول : معاذ بن فضالة أبو زيد الزهراني البصري ، الثاني : هشام الدستوائي ، الثالث : يحيى بن أبي كثير ، الرابع : هلال ابن أبي ميمونة ، ويقال هلال بن هلال ، وهو هلال بن علي ، تقدم ذكره في أول كتاب العلم ، الخامس : عطاء بن يسار بفتح الياء آخر الحروف ، السادس : أبو سعيد الخدري ، واسمه سعد بن مالك مشهور باسمه وكنيته .
ذكر لطائف إسناده : فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع ، وفيه العنعنة في موضع واحد ، وفيه السماع ، وفيه القول في موضع واحد ، وفيه أن شيخه من أفراده ، وفيه أن الأول من الرواة بصري ، والثاني أهوازي ، والثالث يماني ، والرابع والخامس مدنيان . ذكر تعدد موضعه ، ومن أخرجه غيره : أخرجه البخاري في الجهاد أيضا عن محمد بن سنان عن فليح ، وفي الزكاة عن معاذ بن فضالة أيضا ، وفي الرقاق عن إسماعيل بن عبد الله عن مالك ، وأخرجه مسلم في الزكاة عن أبي الطاهر بن السرح ، وعن علي بن حجر ، وأخرجه النسائي فيه عن زياد بن أيوب عن ابن علية به ، وأخرجه الترمذي عن ابن مسعود ، وقد ذكرناه عن قريب ، وفي الباب عن ابن عمر رواه الطبراني في ( الأوسط ) ، والبيهقي في ( سننه ) من رواية عيسى بن عبد الله الأنصاري عن نافع عن ابن عمر قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا دنا من منبره يوم الجمعة سلم على من عنده ، فإذا صعده استقبل الناس بوجهه لفظ البيهقي وضعفه . وقال الطبراني : فإذا صعد المنبر توجه إلى الناس ، وسلم عليهم ، وعيسى بن عبد الله فيه مقال ، وعن عدي بن ثابت عن أبيه أخرجه ابن ماجه ، وقد ذكرناه عن قريب ، وعن مطيع أبي يحيى عن أبيه عن جده أخرجه الأثرم ، وقد ذكرناه عن قريب ، وعن البراء من طريق أبان ابن عبد الله البجلي أخرجه ابن خزيمة ، وقال : إنه معلول .
ذكر ما يستفاد منه : الحكمة في استقبالهم للخطيب أن يتفرغوا لسماع موعظته ، وتدبر كلامه ، ولا يشتغلوا بغيره ، قال الفقهاء : إنما استدبر القبلة ؛ لأنه إذا استقبلها ، فإن كان في صدر المسجد كان مستدبرا للقوم ، واستدبارهم وهم المخاطبون قبيح خارج عن عرف المخاطبات ، وإن كان في آخره فإما أن يستقبله القوم فيكونوا مستدبرين القبلة ، واستدبار واحد أهون من استدبار الجماعة ، وإما أن يستدبروه فتلزم الهيئة القبيحة ، ولو خالف الخطيب فاستدبرهم ، واستقبل القبلة كره ، وصحت خطبته ، وحكى الشاشي وجها شاذا أنه لا يصح . فإن قلت : ما المراد باستقبال الناس الخطيب ، هل المراد من يواجهه أو المراد جميع أهل المسجد حتى إن من هو في الصف الأول والثاني ، وإن طالت الصفوف ينحرفون بأبدانهم أو بوجوههم لسماع الخطبة ؟ قلت : الظاهر أن المراد بذلك من يسمع الخطبة دون من بعد فلم يسمع ، فاستقبال القبلة أولى به من توجهه لجهة الخطيب ، ثم إن الرافعي والنووي جزما باستحباب ذلك ، وصرح القاضي أبو الطيب بوجوب ذلك ، ثم بقي هنا استقبال الخطيب للناس ، فذكر الرافعي أنه من سنن الخطبة ، ولو خطب مستدبرا للناس جاز ، وإن خالف السنة ، وحكى في ( البيان ) وغيره وجه أنه لا يجزيه ، كما ذكرنا عن قريب عن الشاشي ، فإن قلت : حول النبي - صلى الله عليه وسلم - ظهره إلى الناس في خطبة الاستسقاء ، قلت : كان ذلك تفاؤلا بتغير الحال ، كما قلب رداءه فيها تفاؤلا بذلك ، فأما في الجمعة فلم ينقل ذلك مع كونه قد استسقى في خطبة الجمعة ، ولم يحول وجهه في الدعاء للقبلة ، وكل منهما أصل بنفسه لا يقاس عليه غيره . واستنبط الماوردي وغيره من الحديث المذكور أن الخطيب لا يلتفت يمينا ، ولا شمالا حالة الخطبة ، وفي ( شرح المهذب ) : اتفق العلماء على كراهة ذلك ، وهو معدود في البدع المنكرة خلافا لأبي حنيفة فإنه قال يلتفت يمنة ويسرة كالأذان نقله الشيخ أبو حامد .
قلت : في هذا النقل عن أبي حنيفة نظر ، ولا يصح ذلك عنه ، ومن السنة عندنا أن يترك الخطيب السلام من وقت خروجه إلى دخوله في الصلاة ، والكلام أيضا ، وبه قال مالك . وقال الشافعي وأحمد : السنة إذا صعد المنبر أن يسلم على القوم إذا أقبلهم بوجهه كذا روي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . قلت : هذا الحديث أورده ابن عدي من حديث ابن عمر في ترجمة عيسى بن عبد الله الأنصاري وضعفه ، وكذا ضعفه ابن حبان ، فإن قلت : روى ابن أبي شيبة حدثنا أبو أسامة عن مجالد عن الشعبي قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا صعد المنبر يوم الجمعة استقبل الناس فقال : السلام عليكم الحديث .
قلت : هذا مرسل ، فلا يحتج به عندهم . وقال عبد الحق في ( الأحكام الكبرى ) : هو مرسل ، وإن أسنده أحمد من حديث عبد الله بن لهيعة فهو معروف في الضعفاء ، فلا يحتج به . وقال البيهقي : الحديث ليس بقوي .