باب من قال في الخطبة بعد الثناء أما بعد
حدثنا إسماعيل بن أبان قال : حدثنا ابن الغسيل قال : حدثنا عكرمة ، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : صعد النبي - صلى الله عليه وسلم - المنبر ، وكان آخر مجلس جلسه متعطفا ملحفة على منكبه ، قد عصب رأسه بعصابة دسمة ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أيها الناس إلي ، فثابوا إليه ، ثم قال : أما بعد ، فإن هذا الحي من الأنصار يقلون ويكثر الناس فمن ولي شيئا من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - فاستطاع أن يضر فيه أحدا أو ينفع فيه أحدا ، فليقبل من محسنهم ، ويتجاوز عن مسيئهم . مطابقته للترجمة ظاهرة . ذكر رجاله ، وهم أربعة ؛ الأول : إسماعيل بن أبان بفتح الهمزة وتخفيف الباء الموحدة ، وبعد الألف نون أبو إسحاق الوراق الأزدي الكوفي ، الثاني : عبد الرحمن بن الغسيل هو عبد الرحمن بن سليمان بن عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر الراهب المعروف بابن الغسيل الأنصاري المدني ، مات سنة إحدى وسبعين ومائة ، وحنظلة هو غسيل الملائكة استشهد بأحد ، وغسلته الملائكة ، فسألوا امرأته فقالت : سمع الهيعة وهو جنب فلم يتأخر للاغتسال ، الثالث : عكرمة مولى ابن عباس ، الرابع : عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما .
ذكر لطائف إسناده : فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع ، وفيه العنعنة في موضع واحد ، وفيه القول في ثلاثة مواضع ، وفيه أن شيخ البخاري من أفراده ، وفيه أن شيخه كوفي ، والبقية مدنيون . والحديث أخرجه البخاري أيضا في علامات النبوة عن أبي نعيم ، وفي فضائل الأنصار عن أحمد بن يعقوب ، وأخرجه الترمذي في الشمائل عن يوسف بن عيسى عن وكيع عنه مختصرا . ذكر معناه ، قوله : متعطفا أي : مرتديا يقال : تعطفت بالعطاف ، أي : ارتديت بالرداء ، والتعطف التردي بالرداء ، وسمي الرداء عطافا لوقوعه على عطف الرجل ، وهما ناحيتا عنقه ، ومنكب الرجل عطفه ، وكذلك العطف ، وقد اعتطف به وتعطف ، ذكره الهروي ، وفي ( المحكم ) الجمع العطف ، وقيل : المعاطف الأردية لا واحد لها ، قوله : ملحفة بكسر الميم ، وهو الإزار الكبير ، قوله : على منكبه ويروى منكبيه بالتثنية ، قوله : بعصابة دسمة وفي رواية دسما ذكرها في اللباس ، وضبط صاحب ( المطالع ) دسمة بكسر السين ، وقال : الدسماء السوداء ، وقيل : لونه لون الدسم كالزيت ، وشبهه من غير أن يخالطها شيء من الدسم ، وقيل : متغيرة اللون من الطيب والغالية ، وزعم الداودي أنها على ظاهرها من عرقه - صلى الله عليه وسلم - في المرض .
وقال ابن دريد : الدسمة غبرة فيها سواد ، والعصابة العمامة ، سميت عصابة ؛ لأنها تعصب الرأس ، أي : تربطه ، ومنه الحديث أمرنا أن نمسح على العصائب ، قوله : إلي بتشديد الياء متعلق بمحذوف تقديره تقربوا إلي ، قوله : فثابوا إليه أي : اجتمعوا إليه من ثاب بالثاء المثلثة يثوب إذا رجع ، وهو رجوع إلى الأمر بالمبادرة ، ومنه قوله تعالى : وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ أي : مرجعا ، ومجتمعا ، قوله : ثم قال أما بعد أي : بعد الحمد لله والثناء عليه ، قوله : هذا الحي من الأنصار وهم الذين نصروا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أهل المدينة ، قوله : يقلون وفي رواية حتى يكونوا في الناس بمنزلة الملح في الطعام هو من معجزاته وإخباره عن المغيبات ، فإنهم الآن فيهم القلة ، قوله : فليقبل من محسنهم أي : الحسنة ، ويتجاوز أي : يعف ، وذلك في غير الحدود . ذكر ما يستفاد منه : فيه أنه - صلى الله تعالى عليه وسلم - كان إذا أراد المبالغة في الموعظة طلع المنبر فيتأسى به ، وفيه الخطبة بالوصية ، وفيه فضيلة الأنصار ، وفيه البداءة بالحمد والثناء ، وفيه الإخبار بالغيب ؛ لأن الأنصار قلوا ، وكثر الناس ، وفيه دليل على أن الخلافة ليست في الأنصار ؛ إذ لو كانت فيهم لأوصاهم ولم يوص بهم ، وفيه من جوامع الكلم ؛ لأن الحال منحصر في الضر أو النفع ، والشخص في المحسن والمسيئ .