باب الاستماع إلى الخطبة
حدثنا آدم قال : حدثنا ابن أبي ذئب ، عن الزهري ، عن أبي عبد الله الأغر ، عن أبي هريرة قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا كان يوم الجمعة ، وقفت الملائكة على باب المسجد يكتبون الأول فالأول ، ومثل المهجر كمثل الذي يهدي بدنة ، ثم كالذي يهدي بقرة ، ثم كبشا ، ثم دجاجة ، ثم بيضة ، فإذا خرج الإمام طووا صحفهم ، ويستمعون الذكر . مطابقته للترجمة في قوله : ويستمعون الذكر أي : الخطبة . ذكر رجاله ، وهم خمسة : الأول : آدم بن أبي إياس ، الثاني : محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب ، الثالث : محمد بن مسلم الزهري ، الرابع : أبو عبد الله ، واسمه سلمان الجهني مولاهم معدود في أهل المدينة ، وأصله من أصفهان ، ولقبه الأغر بفتح الهمزة ، والغين المعجمة ، وتشديد الراء ، الخامس : أبو هريرة رضي الله عنه .
ذكر لطائف إسناده : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع ، وفيه القول في ثلاثة مواضع ، وفيه أحد الرواة مذكور بكنيته ولقبه ، والآخر بنسبته إلى جده ، والآخر بنسبته إلى قبيلته ، وفيه أن شيخ البخاري من أفراده ، وفيه أنه خراساني سكن عسقلان ، والبقية مدنيون . ذكر تعدد موضعه ، ومن أخرجه غيره : أخرجه البخاري أيضا في بدء الخلق عن أحمد بن يونس ، وأخرجه مسلم في الجمعة عن أبي الطاهر بن السرح ، وحرملة بن يحيى ، وعمرو بن سواد ، وأخرجه النسائي في الصلاة عن نصر بن علي ، وفي الملائكة عن أحمد بن عمرو والحارث بن مسكين ، وعمرو بن سواد ، وعن سويد بن نصر ، وعن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ، وأخرج أيضا فيهما عن محمد بن خالد . ذكر معناه : قوله : المهجر أي : المبكر إلى المسجد ، قوله : يهدي أي : يقرب .
وقد استوفينا معناه في باب فضل الجمعة ؛ لأنه روي عن أبي هريرة قريبا من هذا الحديث عن عبد الله بن يوسف ، عن مالك ، عن سمي ، عن أبي صالح السمان ، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه . ذكر ما يستفاد منه : فيه الإنصات إلى الخطبة ، وهو مطلوب بالاتفاق ، وفي ( التوضيح ) : والجديد الصحيح من مذهب الشافعي أنه لا يحرم الكلام ، ويسن الإنصات ، وبه قال عروة بن الزبير ، وسعيد بن جبير ، والشعبي ، والنخعي والثوري ، وداود ، والقديم أنه يحرم ، وبه قال مالك ، والأوزاعي ، وأبو حنيفة ، وأحمد رحمهم الله . وقال ابن بطال : استماع الخطبة واجب وجوب سنة عند أكثر العلماء ، ومنهم من جعله فريضة ، وروي عن مجاهد أنه قال : لا يجب الإنصات للقرآن إلا في موضعين في الصلاة والخطبة ، ثم نقل عن أكثر العلماء أن الإنصات واجب على من سمعها ومن لم يسمعها ، وأنه قول مالك ، وقد قال عثمان : للمنصت الذي لا يسمع من الأجر مثل ما للمنصت الذي يسمع ، وكان عروة لا يرى بأسا بالكلام إذا لم يسمع الخطبة .
وقال أحمد : لا بأس أن يذكر الله ويقرأ من لم يسمع الخطبة . وقال ابن عبد البر : لا خلاف علمته بين فقهاء الأمصار في وجوب الإنصات لها على من سمعها . واختلف فيمن لم يسمعها .
قال : وجاء في هذا المعنى خلاف عن بعض التابعين فروي عن الشعبي ، وسعيد بن جبير ، والنخعي ، وابن بردة أنهم كانوا لا يتكلمون والإمام يخطب إلا في قراءة القرآن في الخطبة خاصة لقوله تعالى : فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا وفعلهم مردود عند أهل العلم ، وأحسن أحوالهم أنهم لم يبلغهم الحديث في ذلك ، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم - : إذا قلت لصاحبك أنصت ، الحديث ؛ لأنه حديث انفرد به أهل المدينة ، ولا علم لمتقدمي أهل العراق به . وقال ابن قدامة : وكان سعيد بن جبير وإبراهيم بن مهاجر ، وأبو بردة ، والنخعي ، والشعبي يتكلمون والحجاج يخطب ، انتهى . وقال أصحابنا : إذا اشتغل الإمام بالخطبة ينبغي للمستمع أن يجتنب ما يجتبه في الصلاة ؛ لقوله عز وجل : فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا وقوله - صلى الله عليه وسلم - : إذا قلت لصاحبك أنصت ، الحديث ، فإذا كان كذلك يكره له رد السلام وتشميت العاطس ، إلا في قول جديد للشافعي : إنه يرد ويشمت .
وقال شيخ الإسلام : والأصح أنه يشمت ، وفي ( المجتبى ) قيل : وجوب الاستماع مخصوص بزمن الوحي ، وقيل : في الخطبة الأولى دون الثانية لما فيها من مدح الظلمة ، وعن أبي حنيفة إذا سلم عليه يرده بقلبه ، وعن أبي يوسف يرد السلام ، ويشمت العاطس فيها ، وعن محمد يرد ويشمت بعد الخطبة ، ويصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم - في قلبه . واختلف المتأخرون فيمن كان بعيدا لا يسمع الخطبة ، فقال محمد بن سلمة : المختار السكوت وهو الأفضل ، وبه قال بعض أصحاب الشافعي ، وقال نصر بن يحيى : يسبح ويقرأ القرآن ، وهو قول الشافعي ، وأجمعوا أنه لا يتكلم ، وقيل : الاشتغال بالذكر ، وقراءة القرآن أفضل من السكوت . وأما دراسة الفقه ، والنظر في كتب الفقه وكتابته فقيل : يكره ، وقيل : لا بأس به .
وقال شيخ الإسلام : الاستماع إلى خطبة النكاح والختم وسائر الخطب واجب ، وفي ( الكامل ) : ويقضي الفجر إذا ذكره في الخطبة ، ولو تغذى بعد الخطبة أو جامع فاغتسل يعيد الخطبة ، وفي الوضوء في بيته لا يعيد . ثم اختلف العلماء في وقت الإنصات ، فقال أبو حنيفة : خروج الإمام يقطع الكلام والصلاة جميعا ؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - : فإذا خرج الإمام طووا صحفهم ، ويستمعون الذكر ، وقالت طائفة : لا يجب الإنصات إلا عند ابتداء الخطبة ، ولا بأس بالكلام قبلها ، وهو قول مالك والثوري ، وأبي يوسف ، ومحمد ، والأوزاعي والشافعي . وقال بعضهم : وقالت الحنفية : يحرم الكلام من ابتداء خروج الإمام ، وورد فيه حديث ضعيف .
قلت : حديث الباب هو حجة للحنفية وحجة عليهم ، بالتأمل يدرى .