حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب الاستسقاء في الخطبة يوم الجمعة

حدثنا إبراهيم بن المنذر قال : حدثنا الوليد بن مسلم قال : حدثنا أبو عمرو قال : حدثني إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك قال : أصابت الناس سنة على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - فبينا النبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب في يوم جمعة قام أعرابي ، فقال : يا رسول الله هلك المال ، وجاع العيال ، فادع الله لنا فرفع يديه ، وما نرى في السماء قزعة ، فوالذي نفسي بيده وما وضعهما حتى ثار السحاب أمثال الجبال ، ثم لم ينزل عن منبره حتى رأيت المطر يتحادر على لحيته - صلى الله عليه وسلم - فمطرنا يومنا ذلك ، ومن الغد ، وبعد الغد ، والذي يليه حتى الجمعة الأخرى ، وقام ذلك الأعرابي أو قال غيره ، فقال : يا رسول الله تهدم البناء ، وغرق المال ، فادع الله لنا فرفع يديه ، فقال : اللهم حوالينا ولا علينا ، فما يشير بيده إلى ناحية من السحاب إلا انفرجت ، وصارت المدينة مثل الجوبة ، وسال الوادي قناة شهرا ، ولم يجئ أحد من ناحية إلا حدث بالجود . مطابقته للترجمة في قوله : فرفع يديه لأنه إنما رفعهما لكونه استسقى فببركته وبركة دعائه أنزل الله المطر حتى سال الوادي قناة شهرا . ( ذكر رجاله ) ، وهم خمسة ، والأوزاعي اسمه عبد الرحمن بن عمرو ، ونسبته إلى الأوزاع ، وهي من قبائل شتى .

وقال ابن الأثير : نسبته إلى الأوزاع بطن من ذي الكلاع من اليمن ، وقيل : نسبته إلى الأوزاع قرية بدمشق . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع ، وبصيغة الإفراد في موضع ، وفيه العنعنة في موضع ، وفيه القول في ثلاثة مواضع ، وفيه أن شيخه من أفراده ، وفيه أحد الرواة مذكور بكنيته ونسبته ، وفيه أن شيخه مدني ، واثنان بعده دمشقيان ، والذي بعدهما مدني أيضا . ( ذكر تعدد موضعه ، ومن أخرجه غيره ) : أخرجه البخاري أيضا في الاستسقاء عن الحسن بن بشر ، وفي الاستئذان عن محمد بن مقاتل ، وأخرجه مسلم في الصلاة عن داود بن رشيد ، وأخرجه النسائي فيه عن محمود بن خالد كلاهما عن الوليد به .

( ذكر معناه ) ، قوله : سنة بفتح السين ، أي : شدة وجهد من الجدوبة ، وهو من قوله تعالى : وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وأصل السنة سنهة بوزن جبهة فحذفت لامها ، ونقلت حركتها إلى النون فبقيت سنة ؛ لأنها من سنهت النخل ، وتسنهت إذا أتى عليها السنون ، وقيل : إن أصلها سنوة بالواو فحذفت ، كما حذفت الهاء لقولهم : تسنيت عنده ، إذا أقمت عنده سنة ، فلهذا يقال على الوجهين استأجرته مسانهة ومساناة . وأما السنة التي هي أول النوم فبكسر السين ، وأصله وسن ؛ لأنه من الوسن بفتحتين . يقال : وسن يوسن كعلم يعلم سنة فحذفت الواو ، وعوضت منها الهاء ، كما في عدة ، قوله : على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - أي : على زمنه ، قوله : فبينا قد مر الكلام فيه في الباب الذي قبله ، قوله : قام أعرابي الأعرابي نسبة إلى الأعراب ؛ لأنه لا واحد له ، وليس هو جمعا لعرب ، وإنما الأعراب سكان البادية خاصة ، والعرب جيل من الناس ، والنسبة إليه عربي بين العروبة ، وهم أهل الأمصار .

وقال ابن الأثير : الأعراب ساكنو البادية من العرب الذين لا يقيمون في الأمصار ، ولا يدخلونها إلا لحاجة ، والعرب اسم لهذا الجيل المعروف من الناس ، ولا واحد له من لفظه ، وسواء أقام بالبادية أو المدن ، والنسبة إليها أعرابي ، وعربي ، قوله : هلك المال المراد بالمال هنا وما بعده : الحيوان ، كذا فسره في حديث الموطأ ، ومعنى هلك المال يعني الحيوانات هلكت إذ لم تجد ما ترعى ، قوله : والعيال قال الجوهري : عيال الرجل من يعوله ، وواحد العيال عيل ، والجمع عيايل مثل جيد وجياد ، وجيايد ، وأعال الرجل ، أي : كثر عياله فهو معيل ، وامرأة معيلة قال الأخفش ، أي : صار ذا عيال ، وذكر الجوهري هذه المادة في عيل في الياء آخر الحروف ، وذكره ابن الأثير في عول في الواو ، ثم قال : يقال عال الرجل عياله يعولهم ، إذا قام بما يحتاجون إليه من قوت وكسوة وغيرهما . وقال الكسائي : يقال عال الرجل يعول إذا كثر عياله ، واللغة الجيدة أعال يعيل ، قوله : قزعة بالقاف والزاي والعين المهملة المفتوحات ، وهي القطعة من السحاب ، وفي المحكم : القزع قطع من السحاب رقاق كأنها ظل إذا مرت من تحت السحاب الكثيرة ، قال أبو عبيدة : وأكثر ما يكون ذلك في الخريف . وقال يعقوب عن الباهلي : يقال ما على السماء قزعة ، أي : شيء من غيم ، وفي تهذيب الأزهري : كل شيء متفرق فهو قزع ، قوله : حتى ثار السحاب بالثاء المثلثة ، أي : هاج ، يقال ثار الشيء يثور إذا ارتفع وانتشر ، قوله : كأمثال الجبال أي : لكثرتها وإطباقها وجه السماء ، قوله : يتحادر أي : ينزل ويقطر ، وهو يتفاعل من الحدور ، وهو ضد الصعود ، ويقال : حدر في قراءته إذا أسرع ، وكذلك في أذانه ، وهو يتعدى ولا يتعدى ، وأصل باب التفاعل للمشاركة بين قوم ، وهاهنا ليس كذلك ؛ لأن تفاعل قد تجيء بمعنى فعل مثل توانيت ، أي : ونيت ، وهذا كذلك ، ومعناه يحدر ، قوله : فمطرنا يومنا ذلك بضم الميم ، وكسر الطاء معناه : حصل لنا المطر ، يقال : مطرت السماء تمطر ومطرتهم تمطرهم مطرا ، وأمطرتهم أصابتهم بالمطر ، وأمطرهم الله بالعذاب خاصة ذكره ابن سيده .

وقال الفراء : قطرت السماء ، وأقطرت مثل مطرت السماء وأمطرت ، وفي الجامع : مطرت السماء تمطر مطرا فالمطر بالسكون المصدر ، والمصدر بالحركة الاسم ، وفيه لغة أخرى مطرت تمطر مطرا ، وكذا أمطرت السماء تمطر ، وفي الصحاح مطرت السماء ، وأمطرها الله ، وناس يقولون : مطرت السماء وأمطرت بمعنى ، قوله : يومنا منصوب على الظرفية يعني في يومنا ذلك ، قوله : ومن الغد كلمة من إما بمعنى في ، أي : في الغد ، وإما تبعيضية ، قوله : حتى الجمعة الأخرى مثل أكلت السمكة حتى رأسها في جواز الحركات الثلاث في مدخولها ، أما النصب فعلى أن حتى عاطفة على المنصوب قبله . وأما الرفع فعلى أن مدخولها مبتدأ ، وخبره محذوف . وأما الجر فعلى أن حتى جارة .

قوله : حوالينا بفتح اللام ، وفي مسلم حولنا ، وكلاهما صحيح ، يقال : قعدوا حوله وحواله وحواليه ، أي : مطيفين به من جوانبه ، وهو ظرف متعلق بمحذوف تقديره : اللهم أنزل أو أمطر حوالينا ، ولا تنزل علينا . فإن قلت : إذا مطرت حول المدينة فالطريق ممتنعة ، فإذا لم يزل شكواهم . قلت : أراد بحوالينا الآكام والضراب وشبههما ، كما في الحديث فتبقى الطرق على هذا مسلوكة كما سألوا ، قوله : ولا علينا أي : ولا تمطر علينا ، أراد به الأبنية ، قوله : إلا انفرجت أي : إلا انكشفت .

وقال ابن القاسم : معناه تدورت ، كما يدور جيب القميص . وقال ابن وهب : معناه انقطعت عن المدينة ، كما ينقطع الثوب . وقال ابن شعبان : خرجت عن المدينة ، كما يخرج الجيب عن الثوب .

قوله : مثل الجوبة بفتح الجيم وسكون الواو وفتح الباء الموحدة ، قال الداودي : أي : صارت مستديرة كالحوض المستدير ، وأحاطت بها المياه ، ومنه قوله تعالى : وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وقال ابن التين : هذا عندي وهم ؛ لأن اشتقاق الجابية من جبا العين بكسر الجيم مقصور ، وهو ما جمع فيها من الماء ، فيكون اسم الفعلة منه جبوة ، وإنما هو من باب جاب يجوب إذا قطع من قوله تعالى : جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ فالعين منه واو ، فتكون الفعلة منه جوبة ، كما في الحديث . وقال الجوهري : الجوبة الفرجة من السحاب والجبال . وقال ابن فارس : الجوبة كالغائط من الأرض .

وقال الخطابي : هي الترس ، وفي حديث آخر فبقيت المدينة كالترس . وقال : والجوبة أيضا الوهدة المنقطعة عما علا عن الأرض ، وجاء في حديث آخر مثل الإكليل ، أي : دار بها السحاب ، قوله : الوادي قناة بفتح القاف وتخفيف النون ، وهو علم لبقعة غير منصرف مرفوع ؛ لأنه بدل عن الوادي ، والوادي مرفوع ؛ لأنه فاعل سال ، والقناة اسم واد من أودية المدينة ، قال الكرماني : وفي بعض الروايات قناة بالنصب والتنوين فهو بمعنى البئر المحفور ، أي : سال الوادي مثل القناة ، وفي بعض الروايات قناة بالجر بإضافة الوادي إليها . قوله : بالجودة بفتح الجيم وسكون الواو ، وفي آخره دال مهملة ، وهو المطر الغزير الواسع ، يقال : جادهم المطر يجودهم جودا .

( ذكر ما يستفاد منه ) فيه معجزة ظاهرة للنبي - صلى الله عليه وسلم - في إجابة دعائه متصلا به في الدعاء فإنه لم يسأل رفع المطر من أصله ؛ بل سأل دفع ضرره ، وكشفه عن البيوت والمرافق والطرق بحيث لا يتضرر به ساكن ، ولا ابن سبيل ، وسأل بقاءه في مواضع الحاجة ، بحيث يبقى نفعه وخصبه في بطون الأودية ونحوها ، وفيه استحباب طلب انقطاع المطر عن المنازل إذا كثر وتضرروا به ، وفيه رفع اليدين في الخطبة ، واختلف العلماء في رفع اليدين عند الدعاء فكرهه مالك في رواية ، وأجازه غيره في كل الدعاء ، وبعض العلماء جوزوه في الاستسقاء فقط . وقال جماعة من العلماء : السنة في دعاء رفع البلاء أن يرفع يديه ، ويجعل ظهرهما إلى السماء ، وفي دعاء سؤال شيء وتحصيله يجعل بطنهما إلى السماء ، وعن مالك بن يسار أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا سألتم الله فاسألوه ببطون أكفكم ، ولا تسألوه بظهورها ، وقال - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه سلمان الفارسي من عند الترمذي محسنا إن الله حيي كريم يستحيي أن يرفع الرجل إليه يديه أن يردهما صفرا قال الترمذي : رواه بعضهم ، فلم يرفعه ، وعن أبي يوسف إن شاء رفع يديه في الدعاء ، وإن شاء أشار بإصبعيه ، وفي المحيط بإصبعه السبابة ، وفي التجريد من يده اليمنى . وقال ابن بطال : رفع اليدين في الخطبة في معنى الضراعة إلى الجليل ، والتذلل له .

وقال الزهري : رفع الأيدي يوم الجمعة محدث . وقال ابن سيرين : أول من رفع يديه في الجمعة عبيد الله بن عبد الله بن معمر . وفيه الاستسقاء بالدعاء بدون صلاة ، وهو مذهب أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه ، وبه احتج على ذلك ، وفيه قيام الواحد بأمر العامة ، وفيه إتمام الخطبة في المطر ، وفيه قال ابن شعبان في قوله : إلا انفرجت خرجت عن المدينة ، كما يخرج الجيب عن الثوب .

وقال ابن التين : فيه دليل على أن من أودع وديعة فجعلها في جيب قميصه أنه يضمن . قال : وقيل : لا يضمن . قال : والأول أحوط لهذا الحديث .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث