باب دعاء النبي صلى الله عليه وسلم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف
حدثنا عثمان بن أبي شيبة ، قال : حدثنا جرير ، عن منصور ، عن أبي الضحى ، عن مسروق ، قال : كنا عند عبد الله ، فقال : إن النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى من الناس إدبارا قال : اللهم سبعا كسبع يوسف ، فأخذتهم سنة حصت كل شيء حتى أكلوا الجلود ، والميتة ، والجيف ، وينظر أحدهم إلى السماء فيرى الدخان من الجوع . فأتاه أبو سفيان ، فقال : يا محمد ، إنك تأمر بطاعة الله ، وبصلة الرحم ، وإن قومك قد هلكوا ؛ فادع الله لهم ! قال الله تعالى : ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ ﴾إلى قوله : يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى فالبطشة يوم بدر . وقد مضت الدخان ، والبطشة ، واللزام وآية الروم .
مطابقته للترجمة في قوله : اللهم سبعا كسبع يوسف . ( ذكر رجاله ) : وهم ستة : الأول : عثمان بن أبي شيبة ، هو عثمان بن محمد بن إبراهيم بن عثمان بن خواستي العبسي ، مولاهم ، أبو الحسن الكوفي ، أخو أبي بكر بن أبي شيبة ، والقاسم بن أبي شيبة ، وكان أكبر من أبي بكر . مات سنة تسع وثلاثين ومائتين .
الثاني : جرير بن عبد الحميد ، وقد مر غير مرة . الثالث : منصور بن المعتمر ، أبو عباس الكوفي . الرابع : أبو الضحى ، بضم الضاد المعجمة ، واسمه مسلم بن صبيح ، بضم الصاد المهملة ، وفتح الباء الموحدة ، الهمداني الكوفي ، العطار .
الخامس : مسروق بن الأجدع الهمداني ، أبو عائشة الكوفي . السادس : عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع ، وفيه القول في ثلاثة مواضع ، وفيه أن رواته كوفيون ما خلا جريرا ، فإنه رازي .
( ذكر تعدد موضعه ، ومن أخرجه غيره ) : أخرجه البخاري في الاستسقاء أيضا عن الحميدي ، وعن سليمان بن حرب ، وعن يحيى ، عن أبي معاوية ، وعن يحيى ، عن وكيع ، وعن محمد بن كثير عن سفيان . وفي التفسير أيضا عن بشر بن خالد . وأخرجه مسلم في التوبة عن إسحاق ، عن جرير ، وعن أبي بكر بن أبي شيبة ، وعن أبي سعيد الأشج ، وعن عثمان ، عن جرير ، وعن يحيى بن يحيى ، وأبي كريب .
وأخرجه الترمذي في التفسير عن محمود بن غيلان ، وأخرجه النسائي عن بشر بن خالد به ، وعن أبي كريب به ، وعن محمود بن غيلان . ( ذكر معناه ) : قوله : عند عبد الله ، يعني : ابن مسعود . قوله : لما رأى من الناس أي قريش ، واللام للعهد .
قوله : إدبارا أي عن الإسلام . وفي تفسير الدخان ( أن قريشا لما أبطؤوا عن الإسلام . قوله : سبعا منصوب بفعل مقدر أي اجعل سنيهم سبعا ، أو ليكن سبعا .
ويروى سبع بالرفع ، وارتفاعه على أنه خبر مبتدأ محذوف ، أي البلاء المطلوب عليهم سبع سنين كالسنين السبع التي كانت في زمن يوسف ، وهي السبع الشداد التي أصابهم فيها القحط ، أو يكون المعنى المدعو عليهم قحط كقحط يوسف . ويجوز أن يكون ارتفاعه على أنه اسم كان التامة تقديره : ليكن سبع . وفي الوجه الأول كان ناقصة .
وجاء في رواية لما دعا قريشا كذبوه ، واستعصوا عليه ، فقال : اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف ! قوله : سنة بالفتح القحط ، والجدب ، قال الله تعالى : وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ قوله : حصت كل شيء بحاء وصاد مهملتين مشددة الصاد ، أي استأصلت ، وأذهبت النبات ، فانكشفت الأرض . وفي المحكم : سنة حصاء : جدبة قليلة النبات ، وقيل : هي التي لا نبات فيها . قوله : حتى أكلوا كذا هو في رواية المستملي ، والحموي ، وعند غيرهما : ( حتى أكلنا ) ، والأول أشبه .
قوله : والجيف بكسر الجيم ، وفتح الياء آخر الحروف - جمع الجيفة ، وهي جثة الميت ، وقد أراح ، فهي أخص من الميت ؛ لأنها ما لم تلحقه ذكاة . قوله : وينظر أحدكم ، ويروى أحدهم ، وهو الأوجه . قوله : فأتاه أبو سفيان ، يعني : صخر بن حرب ، ودل هذا على أن القصة كانت قبل الهجرة .
قوله : قال الله تعالى : فَارْتَقِبْ ، يعني : لما قال أبو سفيان : إن قومك قد هلكوا ؛ فادع الله لهم ! قرأ النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ ﴾وكذا في باب : إذا استشفع المشركون بالمسلمين عند القحط ؛ فإن البخاري أخرج حديث الباب أيضا هناك عن محمد بن كثير ، عن سفيان ، عن منصور ، عن الأعمش ، عن أبي الضحى ، عن مسروق قال : أتيت ابن مسعود .. . الحديث ، وفيه فجاء أبو سفيان ، فقال : يا محمد ، تأمر بصلة الرحم ، وإن قومك قد هلكوا ؟ فادع الله عز وجل ! فقرأ : ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ ﴾. وأخرج في تفسير سورة الدخان : حدثنا يحيى ، حدثنا وكيع ، عن الأعمش ، عن أبي الضحى عن مسروق قال : دخلت على عبد الله ، فقال : إن من العلم أن تقول لما لا تعلم : الله أعلم ؛ إن الله قال لنبيه صلى الله تعالى عليه وسلم : ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ ﴾إن قريشا لما غلبوا النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، واستعصوا عليه قال : اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف ، فأخذتهم سنة أكلوا فيها العظام ، والميتة من الجهد حتى جعل أحدهم يرى ما بينه ، وبين السماء كهيئة الدخان من الجوع .
﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ ﴾فقيل له : إن كشفنا عنهم عادوا ! . فدعا ربه ، فكشف عنهم ، فعادوا ، فانتقم الله منهم يوم بدر ، فذلك قوله تعالى : فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ إلى قوله جل ذكره : إِنَّا مُنْتَقِمُونَ . وأخرج مسلم عن مسروق قال : جاء إلى عبد الله رجل ، فقال : تركت في المسجد رجلا يفسر القرآن برأيه ، يفسر هذه الآية يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ قال : يأتي الناس دخان يوم القيامة ، فيأخذ بأنفاسهم حتى يأخذهم منه كهيئة الزكام ، فقال عبد الله : من علم علما ، فليقل به ، ومن لا يعلم ، فليقل : الله أعلم ؛ فإن من فقه الرجل أن يقول لما لا يعلم : الله أعلم ؛ إنما كان هذا أن قريشا لما استعصت على النبي صلى الله عليه وسلم دعا عليهم بسنين كسني يوسف .
فأصابهم قحط وجهد حتى جعل الرجل ينظر إلى السماء ، فيرى بينه وبينها كهيئة الدخان من الجهد حتى أكلوا العظام . فأتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل ، فقال : يا رسول الله ، استغفر الله لمضر ؛ فإنهم قد هلكوا ، فقال : لمضر ؟ إنك لجريء ! قال : فدعا الله لهم ، فأنزل الله : ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ ﴾قال : فمطروا . فلما أصابهم الرفاهية قال : عادوا إلى ما كانوا عليه ، فأنزل الله تعالى : ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ ١٠ يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ ﴾يعني : يوم بدر .
انتهى . وقد علمت أن الأحاديث يفسر بعضها بعضا ، وذلك أن أبا سفيان لما قال : ادع الله لهم - قرأ النبي صلى الله عليه وسلم قوله تعالى : ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ ﴾كما في رواية البخاري عن محمد بن كثير الذي ذكرناه . وصرح في رواية مسلم أنه لما دعا الله لها أنزل الله تعالى : ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ ﴾فقبل الله دعاءه صلى الله عليه وسلم ، فمطروا .
فلما أصابهم الرفاهية عادوا إلى ما كانوا عليه ، فأنزل الله تعالى : ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ ﴾المعني : فانتظر يا محمد عذابهم . ومفعول ارتقب محذوف ، وهو عذابهم . قوله : يغشى الناس صفة للدخان في محل الجر ، يعني : يشملهم ، ويلبسهم .
وقيل : يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ مفعول فَارْتَقِبْ قوله : هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ يعني : يملأ ما بين المشرق ، والمغرب ، يمكث أربعين يوما وليلة . أما المؤمن فيصيبه منه كهيئة الزكام ، وأما الكافر كمنزلة السكران يخرج من منخريه ، وأذنيه ودبره . وقوله : هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ ﴾كل ذلك منصوب المحل بفعل مضمر ، وهو يقولون ، ويقولون منصوب على الحال ، أي قائلين ذلك .
قوله : إنا مؤمنون موعدة بالإيمان إن كشف عنهم العذاب ، قال الله تعالى : أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى أي من أين لهم التذكر ، والاتعاظ بعد نزول البلاء وحلول العذاب . ( و ) الحال أنه قد جاءهم رسول بما هو أعظم من ذلك ، وأدخل في وجوب الإذكار من كشف الدخان ، وهو ما ظهر على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من الآيات البينات من الكتاب المعجز ، وغيره من المعجزات ، فلم يذكروا ، وتولوا عنه ، وبهتوه بأن عداسا غلاما أعجميا لبعض ثقيف هو الذي علمه ، ونسبوه إلى الجنون ، وهو معنى قوله : ﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ ﴾ثم قال : ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ ﴾إلى ( كفركم ) . ثم قال : يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى وهو يوم بدر كما في متن حديث الباب .
وعن الحسن : البطشة الكبرى يوم القيامة . قوله : فقد مضت إلى آخره - من كلام ابن مسعود رضي الله تعالى عنه ، ولم يسنده إلى النبي صلى الله عليه وسلم . وقال ابن دحية : الذي يقتضيه النظر الصحيح حمل أمر الدخان على قضيتين : إحداهما وقعت ، وكانت ، والأخرى ستقع .
( قلت ) : فعلى هذا هما دخانان : أحدهما : الذي يملأ ما بين السماء ، والأرض ، ولا يجد المؤمن منه إلا كالزكمة ، وهو كهيئة الدخان ، وهيئة الدخان غير الدخان الحقيقي . والآخر : هو الدخان الذي يكون عند ظهور الآيات ، والعلامات ، ويقال : هو من آثار جهنم يوم القيامة . ولا يمتنع إذا ظهرت تلك العلامات أن يقولوا : ﴿ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون ﴾.
قوله : واللزام - اختلف فيه ؛ فذكر ابن أبي حاتم في تفسيره أنه القتل الذي أصابهم ببدر . روي ذلك عن ابن مسعود ، وأبي بن كعب ، ومحمد بن كعب ، ومجاهد ، وقتادة ، والضحاك ، قال القرطبي : فعلى هذا تكون البطشة ، واللزام واحدا . وعن الحسن : اللزام يوم القيامة ، وعنه أنه الموت .
وقيل : يكون ذنبكم عذابا لازما لكم . وفي المحكم : اللزام الحساب . وفي الصحيح عن مسروق ، عن عبد الله قال : خمس قد مضين : الدخان ، واللزام ، والروم ، والبطشة ، والقمر .
قوله : وآية الروم ، وهو أن المسلمين حين اقتتلت فارس ، والروم كانوا يحبون ظهور الروم على فارس ؛ لأنهم أهل كتاب ، وكان كفار قريش يحبون ظهور فارس ؛ لأنهم مجوس ، وكفار قريش عبدة أوثان . فتخاطر أبو بكر ، وأبو جهل في ذلك ، أي أخرجا شيئا وجعلوا بينهم مدة بضع سنين . فقال صلى الله عليه وسلم : إن البضع قد يكون إلى تسع ، أو قال : إلى سبع ؛ فزده في المدة ، أو في الخطار .
ففعل ، فغلبت الروم ، فقال تعالى : الم غُلِبَتِ الرُّومُ يعني : المدة الأولى قبل الخطاب . ثم قال : وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ إلى قوله : يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يعني : بغلبة الروم فارسا ، وربما أخذوا من الخطار . وقال الشعبي : كان القمار في ذلك الوقت حلالا ، والله تعالى أعلم .