باب دعاء النبي صلى الله عليه وسلم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف
حدثنا قتيبة ، قال : حدثنا مغيرة بن عبد الرحمن عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة - أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رفع رأسه من الركعة الآخرة يقول : اللهم أنج عياش بن أبي ربيعة ! اللهم أنج سلمة بن هشام ! اللهم أنج الوليد بن الوليد ! اللهم أنج المستضعفين من المؤمنين ! اللهم اشدد وطأتك على مضر ! اللهم اجعلها سنين كسني يوسف ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : غفار غفر الله لها ، وأسلم سالمها الله . مطابقته للترجمة ظاهرة ؛ لأنها صيغت من قوله صلى الله عليه وسلم : اللهم اجعلها سنين كسني يوسف ! ، وقد مضى حديث أبي هريرة هذا مطولا في باب يهوي بالتكبير حين يسجد . أخرجه البخاري هناك عن أبي اليمان ، عن شعيب ، عن الزهري ، عن أبي بكر بن عبد الرحمن وأبي سلمة - أن أبا هريرة كان يكثر .. .
الحديث . وفي آخره : قال أبو هريرة : ( وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يرفع رأسه يقول : سمع الله لمن حمده ، ربنا ولك الحمد ، ويدعو لرجال فيسميهم بأسمائهم ، فيقول : اللهم أنج الوليد بن الوليد ، وسلمة بن هشام ، وعياش ابن أبي ربيعة ، والمستضعفين من المؤمنين ! اللهم اشدد وطأتك على مضر ، واجعلها عليهم سنين كسني يوسف ) . وأهل المشرق يومئذ من مضر مخالفون له .
انتهى . وهاهنا أخرج بزيادة قوله : وأن النبي صلى الله عليه وسلم إلى آخره عن قتيبة بن سعيد ، عن المغيرة بن عبد الرحمن الحزامي بكسر الحاء المهملة ، وتخفيف الزاي ، المدني عن أبي الزناد بالزاي ، والنون عبد الله بن ذكوان ، عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج . وقد فسرنا هناك معنى الحديث مستوفى .
قوله : المستضعفين - عام بعد خاص ، والوطأة ، بفتح الواو ، وهو الدوس بالقدم . وسمي بها الإهلاك ؛ لأن من يطأ على شيء برجله ، فقد استقصى في إهلاكه . والمعنى : خذهم أخذا شديدا .
والضمير في ( اجعلها ) يرجع إلى الوطأة . قوله : كسني يوسف ، وجه الشبه غاية الشدة ، وأشار به إلى قوله تعالى : ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ وقوله : تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ وسنين جمع سنة بالفتح ، وهو القحط ، والجدب ، قال الله تعالى : وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ قوله : وأن النبي صلى الله عليه وسلم إلى آخره - حديث آخر ، وهو عند البخاري بالإسناد المذكور ، فكأنه سمعه هكذا ، فأورده كما سمعه . وقد أخرجه أحمد كما أخرجه البخاري .
وروى مسلم من حديث خيثم بن عراك عن أبيه ، عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أسلم سالمها الله ، وغفار غفر الله لها ! أما إني لم أقلها ، ولكن قالها الله . وروى أيضا عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : غفار غفر الله لها ، وأسلم سالمها الله ! وعصية عصت الله ، ورسوله . وروى أيضا عن خفاف بن إيماء الغفاري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة : ( اللهم العن بني لحيان ، ورعلا ، وذكوان ! وعصية عصوا الله ، ورسوله ، وغفار غفر الله لها ، وأسلم سالمها الله ) .
وروى عن جابر أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أسلم سالمها الله ، وغفار غفر الله لها ! وروى أبو داود الطيالسي : حدثنا شعبة ، عن علي بن يزيد ، عن المغيرة بن أبي برزة ، عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : غفار غفر الله لها ، وأسلم سالمها الله ! ، ورواه أبو يعلى الموصلي نحوه ، وزاد في آخره : ما أنا قلته ، ولكن الله عز وجل قاله ! وغفار بكسر الغين المعجمة ، وتخفيف الفاء ، وبالراء أبو قبيلة من كنانة ، وهي غفار بن مليك بن ضمرة بن بكر بن مناة بن كنانة . قال ابن دريد : هو من غفر إذا ستر ، منهم أبو ذر الغفاري . وأسلم بالهمزة ، واللام المفتوحتين قبيلة أيضا من خزاعة ، وهي أسلم بن أقصى ، وهو خزاعة بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد .
منهم سلمة الأكوع . وفي مذحج أسلم بن أوس الله بن سعد العشيرة ابن مذحج . وفي بجيلة أسلم بطن هو أسلم بن عمرو بن لؤي بن رهم بن معاوية بن أسلم بن أخمس بن الغوث بن بجيلة .
ذكره ابن الكلبي . وقال ابن الأثير : ( غفار غفر الله لها ! ) يحتمل أن يكون دعاء لها بالمغفرة ، أو إخبارا بأن الله تعالى قد غفر لها . وكذلك معنى ( أسلم سالمها الله ) يحتمل أن يكون دعاء لها أن يسالمها الله تعالى ، ولا يأمر بحربها ، أو يكون إخبارا بأن الله قد سالمها ، ومنع من حربها .
وإنما خصت هاتان القبيلتان بالدعاء ؛ لأن غفارا أسلموا قديما ، وأسلم سالموا النبي صلى الله عليه وسلم . وفيه الدعاء بما يشتق من الاسم ، كما يقال لأحمد : أحمد الله عاقبتك ! ولعلي : أعلاك الله ، وهو من جناس الاشتقاق . وفيه الدعاء على الظالم بالهلاك ، والدعاء للمؤمنين بالنجاة .
وقال بعضهم : إن كانوا منتهكين لحرمة الدين يدعى عليهم بالهلاك ، وإلا يدعى لهم بالتوبة كما قال صلى الله عليه وسلم : اللهم اهد دوسا ، وأت بهم ! وروي أن أبا بكر وزوجته رضي الله تعالى عنهما كانا يدعوان على عبد الرحمن ابنهما يوم بدر بالهلاك إذا حمل على المسلمين ، وإذا أدبر يدعوان له بالتوبة . قال ابن أبي الزناد ، عن أبيه : هذا كله في الصبح أي قال عبد الرحمن بن أبي الزناد عبد الله بن ذكوان : هذا الحديث كله في صلاة الصبح . يعني : أنه روى عن أبيه هذا الحديث بهذا الإسناد ، فبين أن الدعاء المذكور كان في صلاة الصبح .
ويدل على هذا قوله : في الركعة الآخرة من الصبح . وقيل : كان ذلك في العشاء ، وقيل : في الظهر ، والعشاء . وعلى كل حال قد بينا أنه منسوخ .