باب انتقام الرب عز وجل من خلقه بالقحط إذا انتهك محارمه وباب الاستسقاء في المسجد الجامع
حدثنا محمد ، قال : أخبرنا أبو ضمرة أنس بن عياض ، قال : حدثنا شريك بن عبد الله بن أبي نمر - أنه سمع أنس بن مالك يذكر أن رجلا دخل يوم الجمعة من باب كان وجاه المنبر ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يخطب ، فاستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم قائما ، فقال : يا رسول الله ، هلكت المواشي ، وانقطعت السبل ؛ فادع الله يغيثنا ! قال : فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه ، فقال : اللهم اسقنا ! اللهم اسقنا ! اللهم اسقنا ! قال أنس : ولا والله ما نرى في السماء من سحاب ، ولا قزعة ، ولا شيئا ، وما بيننا وبين سلع من بيت ، ولا دار . قال : فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس ، فلما توسطت السماء انتشرت ، ثم أمطرت . قال : والله ما رأينا الشمس ستا .
ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يخطب ، فاستقبله قائما ، فقال : يا رسول الله ، هلكت الأموال وانقطعت السبل ؛ فادع الله يمسكها ! قال : فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه ، ثم قال : اللهم حوالينا ، ولا علينا ! اللهم على الآكام ، والجبال ، والآجام ، والظراب ، والأودية ، ومنابت الشجر ! قال : فانقطعت ، وخرجنا نمشي في الشمس . قال شريك : فسألت أنسا : أهو الرجل الأول ؟ قال : لا أدري . مطابقته للترجمة في قوله : أن رجلا دخل يوم الجمعة من باب كان وجاه المنبر ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يخطب .
وفي قوله : فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه ، فقال : اللهم اسقنا ! ، ففي الأول ذكر الجامع ، وفي الثاني استسقاء النبي صلى الله عليه وسلم فيه وهو على المنبر . ( ذكر رجاله ) : وهم أربعة : الأول : محمد بن سلام البخاري البيكندي . الثاني : أبو ضمرة ، بفتح الضاد المعجمة ، وسكون الميم ، وبالراء ، وهو أنس بن عياض بكسر العين المهملة ، مر في باب التبرز في البيوت .
الثالث : شريك بن عبد الله بن أبي نمر ، بفتح النون ، وكسر الميم ، مر في باب القراءة على المحدث . الرابع : أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، والإخبار كذلك في موضع ، وفيه السماع ، وفيه القول في موضعين ، وفيه أن شيخه من أفراده ، وفيه أنه مذكور بغير نسبة ، وفيه من هو مذكور بكنيته ، وباسمه ، وهو من الرباعيات .
( ذكر تعدد موضعه ، ومن أخرجه غيره ) : أخرجه البخاري أيضا في الاستسقاء عن قتيبة ، عن إسماعيل بن جعفر ، وعن القعنبي ، وإسماعيل بن أبي أويس ، وعبد الله بن يوسف ، فرقهم ثلاثتهم عن مالك . وأخرجه مسلم في الاستسقاء عن يحيى بن يحيى ، ويحيى بن أيوب ، وقتيبة ، وعلي بن حجر ، أربعتهم عن إسماعيل بن جعفر . وأخرجه أبو داود فيه عن عيسى بن حماد عن الليث ، عن سعيد .
وأخرجه النسائي فيه أيضا عن عيسى بن حماد ، وعن علي بن حجر به ، وعن قتيبة ، عن مالك به . ( ذكر معناه ) : قوله : أن رجلا ، لم يدر اسمه ؛ قيل : روى الإمام أحمد من حديث كعب بن مرة ما يمكن أن يفسر هذا المبهم بأنه كعب المذكور . ( قلت ) : حديث كعب بن مرة رواه ابن ماجه ، وقد ذكرناه عن قريب ، فانظر فيه هل ترى ما قاله مما يمكن من حيث التركيب ؟ فإن أراد الإمكان العقلي ، فلا دخل له هاهنا ، وقيل : إنه أبو سفيان بن حرب .
( قلت ) : هذا غير صحيح ؛ لأن قوله في الحديث : فقال : يا رسول الله - يدل على أن السائل كان مسلما ، وأبو سفيان إذ ذاك لم يكن مسلما . قوله : وجاه المنبر بكسر الواو ، وضمها أي مواجهه ، وقال صاحب التلويح ناقلا عن ابن التين : وجاه المنبر ، يعني : مستدبر القبلة ، ثم قال : إن كان يريد بالمستدبر المنبر فصحيح ، ولكن لا معنى لذكره . وإن كان أراد الباب ، فلا يتجه لباب يواجه المنبر أن يستدبر القبلة .
ووقع في رواية إسماعيل بن جعفر من باب كان نحو دار القضاء ، وهي دار عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه . وسميت دار القضاء ؛ لأنها بيعت في قضاء دينه ، فكان يقال لها : دار قضاء دين عمر . ثم لما طال ذلك قيل لها : دار القضاء .
وقد صارت إلى مروان بعد ذلك ، وهو أمير المدينة ، وقال عياض : كان أمير المؤمنين أنفق من بيت المال ، وكتبه على نفسه ، وأوصى ابنه عبد الله أن يباع فيه ماله ، فإن عجز ماله استعان ببني عدي ، ثم بقريش . فباع عبد الله هذه الدار لمعاوية رضي الله تعالى عنه ، وقضى دينه ، وكان ثمانية وعشرين ألفا . انتهى .
وفي قوله : ثمانية وعشرين ألفا - غرابة ، والذي في الصحيح ، وغيره من كتب المؤرخين كان ستة وثمانين ألفا . قوله : ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم - جملة اسمية وقعت حالا . وقوله : يخطب - جملة فعلية حالية أيضا إما حال مترادفة ، أو متداخلة .
قوله : هلكت المواشي ، هكذا هو في رواية كريمة ، وأبي ذر جميعا عن الكشميهني ، وفي رواية غيرهم هلكت الأموال . والمراد بالأموال المواشي أيضا لا الصامت ، وتقدم في كتاب الجمعة بلفظ قام أعرابي ، فقال : يا رسول الله ، هلك المال وجاع العيال ! قيل : وقد تقدم في كتاب الجمعة بلفظ هلك الكراع ، وهو بضم الكاف يطلق على الخيل ، وغيرها . وفي رواية يحيى بن سعيد الآتية هلكت المواشي ، هلك العيال ، هلك الناس ! ، وهو من قبيل ذكر العام بعد الخاص ، والمراد بهلاكهم عدم وجود ما يعيشون به من الأقوات المفقودة بحبس المطر .
قوله : وانقطعت السبل ، وفي رواية الأصيلي ، وتقطعت بالتاء المثناة من فوق ، وتشديد الطاء ؛ فالأول من باب الانفعال ، والثاني من باب التفعل . والمراد من السبل الطرق ، وهو بضم السين ، والباء جمع سبيل . واختلف في معناه ؛ فقيل : ضعفت الإبل لقلة الكلأ أن يسافر بها ، وقيل : إنها لا تجد في سفرها من الكلأ ما يبلغها ، وقيل : إن الناس أمسكوا ما عندهم من الطعام ، ولم يجلبوه إلى الأسواق ، وقيل : نفاد ما عندهم من الطعام ، أو قلته ، فلا يجدون ما يحملونه إلى الأسواق .
ووقع في رواية قتادة الآتية عن أنس قحط المطر ، أي قل ، أو لم ينزل أصلا . وفي رواية ثابت الآتية عن أنس ، واحمرت الشجر ، واحمرارها كناية عن يبس ورقها لعدم شربها الماء ، أو لانتشاره فيصير الشجر أعوادا بغير ورق . وقال أحمد في رواية قتادة : وانحلت الأرض .
( فإن قلت ) : ما وجه هذا الاختلاف ؟ ( قلت ) : يحتمل أن يكون السائل قال ذلك كله ، ويحتمل أن يكون بعض الرواة روى شيئا مما قاله بالمعنى ؛ فإنها متقاربة . قوله : فادع الله أن يغيثنا هكذا هو في رواية أبي ذر ، وفي رواية الأكثرين فادع الله يغيثنا ، ووجهه أن كلمة أن مقدرة قبل ، أي فهو يغيثنا ، وفيه بعد . وفي رواية إسماعيل بن جعفر الآتية للكشميهني يغثنا بالجزم ، وهذا هو الأوجه ؛ لأنه جواب الأمر .
ثم اعلم أن لفظ يغيثنا ، بضم الياء في جميع النسخ ، واللهم أغثنا ! بالألف - من باب أغاث يغيث إغاثة ، من مزيد الثلاثي ، والمشهور في كتب اللغة أنه يقال في المطر : غاث الله الناس ، والأرض يغيثهم ، بفتح الياء . قال عياض : قال بعضهم : هذا المذكور في الحديث من الإغاثة بمعنى المعونة ، وليس من طلب الغيث . إنما يقال في طلب الغيث : اللهم غثنا .
قال أبو الفهل : ويحتمل أن يكون من طلب الغيث ، أي هب لنا غيثا ، أو ارزقنا غيثا كما يقال : سقاه ، وأسقاه ، أي جعل له سقيا على لغة من فرق بينهما . وقيل : يحتمل أن يكون معنى قوله : اللهم أغثنا أي فرج عنا ، وأدركنا ، فعلى هذا يجوز ما وقع في عامة النسخ . وقال أبو المعاني في المنتهى : يقال : أغاثه الله يغيثه ، والغياث ما أغاثك الله به ، اسم من أغاث ، واستغاثني ، فأغثته .
وقال القزاز : غاثه يغوثه غوثا ، وأغاثه يغيثه إغاثة ، فأميت غاث ، واستعمل أغاث . ويقول الواقع في بلية : اللهم أغثني ! أي فرج عني . وقال الفراء : الغيث ، والغوث متقاربان في المعنى ، والأصل .
وفي كتاب النبات لأبي حنيفة : وقد غيثت الأرض ، فهي مغيثة ، ومغيوثة ، وقال أبو الحسن اللحياني : أرض مغيثة ، ومغيوثة أي مسقية . ومغيرة ، ومغيورة ، والاسم الغيرة ، والغيث ، وقال الفراء : الغيث يغورنا ، ويغيرنا ، وقد غارنا الله بخير : أغاثنا . قوله : فرفع يديه ، وفي رواية النسائي عن شريك فرفع يديه حذاء وجهه ، وتقدم في الجمعة بلفظ فمد يديه ودعا .
وزاد في رواية قتادة في الأدب ، فنظر إلى السماء . قوله : فقال : اللهم اسقنا ! ثلاث مرات ، ووقع في هذه الرواية اللهم اسقنا ! ثلاث مرات ، ووقع في رواية ثابت الآتية عن أنس اللهم اسقنا ! مرتين . قوله : فلا والله بالفاء في رواية أبي ذر ، وفي رواية غيره ، ولا والله بالواو ، وفي رواية ثابت الآتية ، وايم الله .
والتقدير : فلا نرى والله ، فحذف الفعل منه لدلالة المذكور عليه . قوله : من سحاب أي من سحاب مجتمع . ، ولا قزعة أي من سحاب متفرق ، وهو بفتح القاف ، والزاي ، والعين المهملة .
وفي التلويح : القزعة مثال شجرة : قطعة من السحاب رقيقة كأنها ظل ، إذا مرت من تحت السحاب الكثير . وقال أبو حاتم : القزع السحاب المتفرق ، وقال يعقوب عن الباهلي : يقال : ما على السحاب قزعة ، أي شيء من غيم . ذكره في الموعب ، وفي تهذيب الأزهري : كل شيء متفرق ، فهو قزع .
وفي المحكم : أكثر ما يكون ذلك في الخريف . قوله : ولا شيئا بالنصب - تقديره : أي ولا نرى شيئا من الكدورة التي تكون مظنة للمطر . قوله : وبين سلع ، بفتح السين المهملة ، وسكون اللام ، وفي آخره عين مهملة ، وهو جبل معروف بالمدينة .
ووقع عند ابن سهل ، بفتح اللام ، وسكونها ، وقيل : بغين معجمة . وكله خطأ ، وفي المحكم ، والجامع : سلع موضع ، وقيل : جبل . وقال البكري : هو جبل متصل بالمدينة .
وزعم الهروي أن سلعا معرفة ، لا يجوز إدخال اللام عليه . ( قلت ) : وفي دلائل النبوة للبيهقي ، وكتاب أبي نعيم الأصبهاني ، وأبي سعيد الواعظ ، والإكليل للحاكم فطلعت سحابة من وراء السلع . قوله : من بيت ، ولا دار أي تحجبنا عن رؤيته ، وأراد بذلك أن السحاب كان مفقودا لا مستترا ببيت ، ولا غيره .
ووقع في رواية ثابت في علامات النبوة ، وإن السماء لفي مثل الزجاجة أي لشدة صفائها ، وذلك أيضا مشعر بعدم السحاب أصلا . قوله : فطلعت أي ظهرت من ورائه أي من وراء سلع . قوله : مثل الترس أي مستديرة ، والتشبيه في الاستدارة لا في القدر ، يدل عليه ما وقع في رواية أبي عوانة ، فنشأت سحابة مثل رجل الطائر ، وأنا أنظر إليها ، فهذا يشعر بأنها كانت صغيرة .
وفي رواية ثابت ، فهاجت ريح أنشأت سحابا ، ثم اجتمع . وفي رواية قتادة في الأدب ، فنشأ السحاب بعضه إلى بعض ، وفي رواية إسحاق الآتية حتى ثار السحاب أمثال الجبال أي لكثرته . وفيه ثم ينزل عن منبره حتى رأينا المطر يتحادر على لحيته .
وهذا يدل على أن السقف وكف لكونه كان من جريد النخل . قوله : فلما توسطت السماء أي بلغت إلى وسط السماء ، وهي على هيئة مستديرة ، ثم انتشرت . قوله : ثم أمطرت - قد مضى الكلام فيه في باب الاستسقاء في الخطبة يوم الجمعة .
قوله : ما رأينا الشمس سبتا ، بفتح السين المهملة ، وسكون الباء الموحدة ، وأراد به اليوم الذي بعد الجمعة ، ولكن المراد به الأسبوع . وهو من تسمية الشيء باسم بعضه ، كما يقال : جمعة ، وهكذا وقع في رواية الأكثرين . ( فإن قلت ) : كيف عبر أنس بالسبت ؟ ( قلت ) : لأنه كان من الأنصار ، وكانوا قد جاوروا اليهود ، فأخذوا بكثير من اصطلاحهم .
وإنما سموا الأسبوع سبتا ؛ لأنه أعظم الأيام عندهم كما أن الجمعة أعظم الأيام عند المسلمين . ووقع في رواية الداودي ستا بكسر السين ، وتشديد التاء المثناة من فوق ، وأراد به ستة أيام . قال النووي : وهو تصحيف .
ورد عليه بأن الداودي لم ينفرد به ، فقد وقع في رواية الحموي ، والمستملي كذا ، يعني : ستا ، وكذا رواه سعيد بن منصور ، عن الدراوردي عن شريك ، ووافقه أحمد من رواية ثابت ، عن أنس . ( فإن قلت ) : وجه التصحيف أنه مستبعد لرواية إسماعيل بن جعفر الآتية سبعا - ( قلت ) : لا استبعاد في ذلك ؛ لأن من روى سبعا أضاف إلى السبت يوما ملفقا من الجمعتين ، ووقع في رواية إسحاق الآتية فمطرنا يومنا ذلك ، ومن الغد ، ومن بعد الغد ، والذي يليه حتى الجمعة الأخرى ، ووقع في رواية مالك ، عن شريك فمطرنا من جمعة إلى جمعة . وفي رواية قتادة الآتية فمطرنا فما كدنا نصل إلى منازلنا أي من كثرة المطر .
وقد تقدم في كتاب الجمعة من وجه آخر فخرجنا نخوض الماء حتى أتينا منازلنا . ولمسلم في رواية ثابت ، فأمطرنا حتى رأيت الرجل تهمه نفسه أن يأتي أهله ، ولابن خزيمة في رواية حميد حتى أهم الشباب القريب الدار الرجوع إلى أهله ، وللبخاري في الأدب من طريق قتادة حتى سالت مثاعب المدينة المثاعب جمع مثعب بالثاء المثلثة ، وفي آخره باء موحدة : مسيل الماء . قوله : ثم دخل رجل من ذلك الباب - الظاهر أن هذا غير ذاك الرجل الأول ؛ لأن النكرة إذا أعيدت نكرة تكون غيره .
وفي رواية إسحاق ، عن أنس ، فقام ذلك الرجل ، أو غيره ، وهذا يقتضي أن يكون هذا هو الرجل الأول ، ولكنه شك فيه بقوله : أو غيره أي أو غير ذلك الرجل ، وسيأتي في رواية يحيى بن سعيد ، فأتى الرجل ، فقال : يا رسول الله ، وهذا يقتضي أن هذا هو الأول . وفي رواية أبي عوانة من طريق حفص عن أنس بلفظ فما زلنا نمطر حتى جاء ذلك الأعرابي في الجمعة الأخرى ، وهذا أيضا كذلك . قوله : ورسول الله قائم - جملة اسمية حالية .
قوله : فاستقبله قائما ، انتصاب قائما على أنه حال من الضمير المرفوع الذي في استقبل لا من الضمير المنصوب . قوله : هلكت الأموال ، وانقطعت السبل ، يعني : بسبب كثرة المياه ؛ لأنه انقطع المرعى ، فهلكت المواشي من عدم الرعي ، أو لعدم ما يكنها من المطر . ويدل على ذلك قوله في رواية سعيد ، عن شريك أخرجها النسائي من كثرة الماء .
وفي رواية حميد عند ابن خزيمة ، واحتبس الركبان ، وفي رواية مالك ، عن شريك تهدمت البيوت . وفي رواية إسحاق الآتية هدم البناء ، وغرق المال . قوله : فادع الله أن يمسكها ، هذه رواية الكشميهني .
وفي رواية غيره فادع الله يمسكها - بدون كلمة أن ، ويجوز فيه الرفع ، والنصب ، والجزم ؛ أما الرفع فعلى أنه خبر مبتدأ محذوف ، وأما النصب فبكلمة أن المقدرة ، وأما الجزم فعلى أنه جواب الأمر ، والضمير المنصوب فيه يرجع إلى الأمطار التي يدل عليه قوله : ثم أمطرت ، أو إلى السحابة . ووقع في رواية سعيد ، عن شريك أن يمسك عنا الماء ، وفي رواية أحمد من طريق ثابت أن يرفعها عنا ، وفي رواية قتادة في الأدب فادع ربك أن يحبسها عنا فضحك ، وفي رواية ثابت فتبسم ، وزاد حميد لسرعة ملال ابن آدم . قوله : حوالينا .
وفي رواية مسلم حولنا ، وكلاهما صحيح ، والحول ، والحوال بمعنى الجانب . والذي في رواية البخاري تثنية حوال ، وهو ظرف يتعلق بمحذوف تقديره : اللهم أنزل ، أو أمطر حوالينا ، ولا تنزل علينا ! ( فإن قلت ) : إذا أمطرت حول المدينة ، فالطريق تكون ممتنعة ، وإذن لم يزل شكواهم - ( قلت ) : أراد بقوله : حوالينا الآكام ، والظراب ، وشبههما كما في الحديث ، فتبقى الطريق على هذا مسلوكة كما سألوا . وأيضا أخرج الطرق بقوله : ، ولا علينا .
وقال الطيبي : في إدخال الواو هاهنا معنى لطيف ، وذلك أنه لو أسقطها لكان مستسقيا للآكام ، وما معها فقط ، ودخول الواو يقتضي أن طلب المطر على المذكورات ليس مقصودا لعينه ، ولكن ليكون وقاية من أذى المطر ، فليست الواو مخلصة للعطف ، ولكنها للتعليل . وهو كقولهم : تجوع الحرة ، ولا تأكل بثدييها ؛ فإن الجوع ليس مقصودا لعينه ، ولكن لكونه مانعا من الرضاع بأجرة ؛ إذ كانوا يكرهون ذلك . قوله : على الآكام - فيه بيان للمراد بقوله : حوالينا .
روي الإكام بكسر الهمزة ، وفتحها ممدودة ، وهو جمع أكمة ، بفتحات . قال ابن البرقي : هو التراب المجتمع ، وقال الداودي : أكبر من الكدية ، وقال القزاز : هي التي من حجر واحد ، وقال الخطابي : هي الهضبة الضخمة ، وقيل : الجبل الصغير ، وقيل : ما ارتفع من الأرض . قوله : والظراب بكسر الظاء المعجمة ، وفي آخره باء موحدة ، جمع ظرب بسكون الراء ، قاله القزاز ، وقال : هو جبل منبسط على الأرض ، وقيل : بكسر الراء .
ويقال : ظراب وظرب كما يقال : كتاب ، وكتب ، ويقال : ظرب بتسكين الراء . قالوا : أصل الظراب ما كان من الحجارة أصله ثابت في جبل ، أو أرض حزنة ، وكان أصله الثاني محدودا . وإذا كانت خلقة الجبل كذلك سمي ظربا ، وفي المحكم : الظرب كل ما كان نتأ من الحجارة وحد طرفه ، وقيل : هو الجبل الصغير .
وفي المنتهى للبرمكي : الظراب الروابي الصغار دون الجبل ، وفي الغريبين : الأظرب جمع ظرب . قوله : والأودية - جمع ، واد ، وفي رواية مالك بطون الأودية ، والمراد بها ما يتحصل فيه الماء لينتفع به . قالوا : ولم يسمع أفعلة جمع فاعل إلا أودية جمع واد ، وزاد مالك في روايته ، ورؤوس الجبال .
قوله : ومنابت الشجر أراد بالشجر المرعى ، ومنابته التي تنبت الزرع والكلأ . قوله : فانقطعت أي السماء ، ويروى ، فأقلعت ، ويروى ، فانقلعت ، والكل بمعنى واحد . وفي رواية مالك ، فانجابت عن المدينة انجياب الثوب أي خرجت عنها كما يخرج الثوب عن لابسه .
وفي رواية سعيد ، عن شريك فما هو إلا أن تكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك تمزق السحاب حتى ما نرى منه شيئا . والمراد بقوله : ما نرى شيئا أي في المدينة . ولمسلم من رواية حفص فلقد رأيت السحاب يتمزق كأنه الملا حين يطوى ، والملا ، بضم مقصور ، وقد يمد جمع ملاءة ، وهو ثوب معروف .
وفي رواية قتادة عند البخاري فلقد رأيت السحاب يتقطع يمينا وشمالا يمطرون أي أهل النواحي ، ولا يمطرون أهل المدينة . وله في الأدب فجعل الله السحاب يتصدع عن المدينة ، وزاد فيه يريهم الله كرامة نبيه ، وإجابة دعوته . وله في رواية ثابت ، عن أنس فتكشطت أي تكشفت فجعلت تمطر حول المدينة ، ولا تمطر بالمدينة قطرة .
فنظرت إلى المدينة وإنها لفي مثل الإكليل . وفي مسند أحمد من هذا الوجه فتقور ما فوق رءوسنا من السحاب حتى كأنا في إكليل ، وهو بكسر الهمزة التاج . وفي رواية إسحاق ، عن أنس فما يشير بيده إلى ناحية من السماء إلا تفرجت حتى صارت المدينة في مثل الجوبة ، والجوبة ، بفتح الجيم ، وسكون الواو ، وفتح الباء الموحدة هي الحفرة المستديرة الواسعة ، والمراد بها هاهنا الفرجة في السحاب .
وقال الخطابي : الجوبة هنا الترس . وضبط بعضهم الجونة بالنون ، ثم ، فسره بالشمس إذا ظهرت في خلل السحاب . وقال عياض : فقد صحف من قال بالنون .
وفي رواية إسحاق من الزيادة أيضا وسال الوادي ، وادي قناة شهرا ، وقد فسرنا هذا في كتاب الجمعة في باب الاستسقاء في الخطبة في الجمعة ، وأكثر ما ذكرنا هنا ذكرناه هناك ، وإن كان مكررا ؛ لزيادة الإيضاح ، ولسرعة وقوف الطالب للمعاني . قوله : فسألت أنسا أهو الرجل الأول ؟ قال : لا أدري ، وفي موضع آخر ، فأتى الرجل ، فقال : يا رسول الله ، وفي لفظ جاء رجل ، فقال : ادع الله يغثنا ، ثم جاء ، فقال . وفي لفظ في الأول قام أعرابي .
ثم قال في آخره : فقام ذلك الأعرابي . قال ابن التين : لعل أنسا تذكر بعد ، أو نسي بعد ذكره إن كان هذا الحديث قبل قوله : لا أدري أهو الأول ؟ أم لا ؟ ( ذكر ما يستفاد منه ) : فيه جواز مكالمة الإمام في الخطبة للحاجة ، وفيه القيام للخطبة ، وأنها لا تنقطع بالكلام ، ولا تقطع بالمطر ، وفيه قيام الواحد بأمر الجماعة ، وفيه سؤال الدعاء من أهل الخير ، ومن يرجى منه القبول ، وإجابتهم لذلك ، وفيه تكرار الدعاء ثلاثا ، وفيه إدخال دعاء الاستسقاء في خطبة الجمعة ، والدعاء على المنبر ، وفيه لا تحويل ، ولا استقبال ، وفيه الاجتزاء بصلاة الجمعة عن صلاة الاستسقاء ، وفيه امتثال الصحابة بمجرد الإشارة . وفيه الأدب في الدعاء حيث لم يدع برفع المطر مطلقا لاحتمال الاحتياج إلى استمراره ، فاحترز فيه بما يقتضي رفع الضرر ، وإبقاء النفع .
وفيه أن الدعاء بدفع الضرر لا ينافي التوكل ، وفيه اليمين لتأكيد الكلام ، وفيه أن الدعاء برفع الضرر لا ينافي التوكل ، وإن كان مقام الأفضل التفويض . وقال ابن بطال : استدل به على الاكتفاء بدعاء الإمام في الاستسقاء . قيل : فيه نظر ؛ لأنه جاء في رواية يحيى بن سعيد ورفع الناس أيديهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعون ، وفيه حجة واضحة لأبي حنيفة أن الاستسقاء دعاء ، واستغفار ، ولا صلاة فيه .
قيل : مجرد الدعاء لا ينافي مشروعية الصلاة فيه . ( قلت ) : أبو حنيفة لم يقل : إن الصلاة فيه غير مشروعة ، بل يقول : إنها ليست بسنة ، وما ورد في أحاديث الصلاة ، فلبيان الجواز ، وقد مر الكلام فيه مستوفى .