باب إذا استشفع المشركون بالمسلمين عند القحط أي هذا باب ترجمته إذا استشفع إلى آخره ، ولم يذكر جواب إذا اكتفاء بما وقع في الحديث ؛ لأن فيه أن أبا سفيان استشفع بالنبي صلى الله تعالى عليه وسلم وسأله أن يدعو الله ليرفع عنهم ما ابتلاهم به من القحط ، وأبو سفيان إذ ذاك كان كافرا . ( فإن قلت ) : ليس في الحديث التصريح بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم ، ولم يعلم منه حكم الباب ، فكيف الاكتفاء به . ( قلت ) : سيأتي هذا الحديث في تفسير سورة ( ص ) بلفظ : فاستسقى لهم فسقوا ، والحديث واحد ، وأيضا صرح بذلك في زيادة أسباط على ما يأتي الآن لا يقال : كان استشفاعه عقيب دعاء النبي صلى الله عليه وسلم عليهم ؛ لأنا نقول : هذا لا يضر بالمقصود ؛ لأن المراد منه استشفاع الكافر بالمؤمن مطلقا ، وقد وجد في الحديث ذلك على أنه لا فرق بين الوجهين ؛ لأن فيه إظهار التضرع ، والخضوع منهم ، ووقوعهم في الذلة ، وفيه عزة للمؤمنين ، وقال بعضهم : لا دلالة فيما وقع من النبي صلى الله عليه وسلم في هذه القضية على مشروعية ذلك لغير النبي صلى الله عليه وسلم ، إذ الظاهر أن ذلك من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم لاطلاعه على المصلحة في ذلك ، بخلاف من بعده من الأئمة . انتهى . ( قلت ) : لا دليل هنا على الخصوصية ، وهي لا تثبت بالاحتمال ، على أن ابن بطال قال : استشفاع المشركين بالمسلمين جائز إذا رجي رجوعهم إلى الحق ، وكانت هذه القضية بمكة قبل الهجرة . 62 - حدثنا محمد بن كثير ، عن سفيان ، قال : حدثنا منصور ، والأعمش ، عن أبي الضحى ، عن مسروق ، قال : أتيت ابن مسعود ، فقال : إن قريشا أبطؤوا عن الإسلام ، فدعا عليهم النبي صلى الله عليه وسلم ، فأخذتهم سنة حتى هلكوا فيها ، وأكلوا الميتة والعظام ، فجاءه أبو سفيان ، فقال : يا محمد ، جئت تأمر بصلة الرحم ، وإن قومك هلكوا ، فادع الله تعالى ، فقرأ : فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ ثم عادوا إلى كفرهم ، فذلك قوله تعالى : يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى يوم بدر . مطابقته للترجمة ظاهرة ، وقد سلف هذا الحديث في باب دعاء النبي صلى الله عليه وسلم : اجعلها سنين كسني يوسف ، فإنه أخرج هناك عن عثمان بن أبي شيبة ، عن جرير ، عن منصور ، عن أبي الضحى ، عن مسروق ، وهاهنا أخرجه عن محمد بن كثير العبدي البصري ، عن سفيان الثوري ، عن منصور ، والأعمش ، كلاهما عن أبي الضحى مسلم بن صبيح ، وقد ذكرنا هناك جميع ما يتعلق به من الأشياء . قوله : أتيت ابن مسعود ، أي عبد الله بن مسعود . قوله : أبطؤوا ، أي تأخروا عن الإسلام ، ولم يبادروا إليه . قوله : سنة ، بفتح السين ، أي جدب وقحط . قوله : فجاءه أبو سفيان ، يعني : والد معاوية ، واسم أبي سفيان صخر بن حرب الأموي ، وكان مجيئه قبل الهجرة لقول ابن مسعود : ثم عادوا ، فذلك قوله : يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى يوم بدر ، ولم ينقل أن أبا سفيان قدم المدينة قبل بدر . قوله : جئت تأمر بصلة الرحم ، يعني : الذين هلكوا بدعائك من ذوي رحمك ، فينبغي أن تصل رحمهم بالدعاء لهم ، ولم يقع دعاؤه لهم بالتصريح في هذا السياق . قوله : بِدُخَانٍ مُبِينٍ الآية ، ليس في رواية أبي ذر ذكر لفظ الآية . قوله : يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى زاد الأصيلي في روايته بقية الآية . قوله : ثم عادوا ، يعني : لما كشف الله تعالى عنهم عادوا إلى كفرهم ، فابتلاهم الله بيوم البطشة ، أي يوم بدر .
المصدر: عمدة القاري شرح صحيح البخاري
المصدر الرسمي: https://hdith.com/encyclopedia/book/b-43/h/393521
© hdith.com — الموسوعة الحديثيَّة