حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب الصدقة في الكسوف

« باب الصدقة في الكسوف »

83 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ : خَسَفَتْ الشَّمْسُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالنَّاسِ ، فَقَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ ، ثُمَّ قَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ ، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ ، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ ، ثُمَّ سَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ ، ثُمَّ فَعَلَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ مَا فَعَلَ فِي الْأُولَى ، ثُمَّ انْصَرَفَ ، وَقَدْ انْجَلَتْ الشَّمْسُ ، فَخَطَبَ النَّاسَ ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ : إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ ، لَا يَنخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَادْعُوا اللَّهَ وَكَبِّرُوا ، وَصَلُّوا وَتَصَدَّقُوا" . ثُمَّ قَالَ : يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ، وَاللَّهِ مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرُ مِنْ اللَّهِ أَنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ ، أَوْ تَزْنِيَ أَمَتُهُ ، يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ، وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ ، لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلبَكَيْتُمْ كَثِيرًا .

مطابقته للترجمة في قوله « وتصدقوا » ، ورجاله قد ذكروا غير مرة . وأخرجه مسلم ، والنسائي جميعا في الصلاة ، عن قتيبة ، عن مالك . وأخرجه أبو داود ، عن القعنبي ، عن مالك مختصرا على قوله « الشمس والقمر لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته ، فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله عز وجل ، وكبروا ، وتصدقوا » .

واعلم أن صلاة الكسوف رويت على أوجه كثيرة ، ذكر أبو داود منها جملة ، وذكر البخاري ومسلم جملة . وأخرجه الترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه كذلك . وقال الخطابي : اختلفت الروايات في هذا الباب ، فروي : أنه ركع ركعتين في أربع ركوعات ، وأربع سجدات .

وروي : أنه ركعهما في ركعتين ، وأربع سجدات ، وروي : ج٧ / ص٧٠أنه ركع ركعتين في ست ركوعات ، وأربع سجدات . وروي : أنه ركع ركعتين في عشر ركوعات ، وأربع سجدات . وقد ذكر أبو داود أنواعا منها ، ويشبه أن يكون المعنى في ذلك أنه صلاها مرات وكرات ، وكان إذا طالت مدة الكسوف مد في صلاته ، وزاد في عدد الركوع ، وإذا قصرت نقص من ذلك وحذا بالصلاة حذوها ، وكل ذلك جائز يصلي على حسب الحال ومقدار الحاجة فيه .

ذكر ما فيه من المعنى ، واستنباط الأحكام : قوله « في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم » أي في زمنه . قوله « فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم » استدل به بعضهم على أنه صلى الله عليه وسلم كان يحافظ على الوضوء ، فلهذا لم يحتج إلى الوضوء في تلك الحال . وقال بعضهم : فيه نظر لأن في السياق حذفا ؛ لأن في رواية ابن شهاب : خسفت فخرج إلى المسجد ، فصف الناس وراءه .

وفي رواية عمرة : فخسفت ، فرجع ضحى ، فمر بين الحجر ، ثم قام يصلي . قلت : هذا الذي ذكره لا يدل على أنه صلى الله عليه وسلم كان على الوضوء أو لم يكن ، ولكن حاله يقتضي وجلالة قدره تستدعي كونه على محافظة الوضوء . قوله « فأطال القيام » أي يطول القراءة فيه ، والدليل عليه : رواية ابن شهاب : فاقترأ قراءة طويلة .

ومن وجه آخر عنه : فقرأ سورة طويلة . وفي حديث ابن عباس على ما سيأتي : فقرأ نحوا من سورة البقرة في الركعة الأولى . ونحوه لأبي داود من طريق سليمان بن يسار ، عن عروة ، وزاد : أنه قرأ في القيام الأول من الركعة الثانية نحوا من آل عمران .

وعند الشافعية : يستفتح القراءة في الركعة الأولى والثانية بأم القرآن ، وأما الثالثة والرابعة فيقرأ بها أيضا عندهم . وعند مالك : يقرأ السورة . وفي الفاتحة قولان ، قال مالك : نعم ، وقال ابن مسلمة : لا .

قوله « ثم قام فأطال القيام » وفي رواية ابن شهاب : ثم قال : سمع الله لمن حمده ، وزاد من وجه آخر : ربنا ولك الحمد ، وقيل : استدل به على استحباب الذكر المشروع في الاعتدال في أول القيام الثاني من الركعة الأولى . وقال بعضهم : واستشكله بعض متأخري الشافعية ، من جهة كونه قيام قراءة لا قيام اعتدال ، بدليل اتفاق العلماء ممن قال بزيادة الركوع في كل ركعة على قراءة الفاتحة فيه . قلت : هذا المستشكل هو صاحب المهمات ، وقوله « بدليل اتفاق العلماء » فيه نظر ؛ لأن محمد بن مسلمة من المالكية ممن قال بزيادة الركوع في كل ركعة ، ولم يقل بقراءة الفاتحة كما قلنا عن قريب ، وأجاب عن ذلك شيخنا الحافظ زين الدين العراقي رحمه الله بقوله : ففي استشكاله نظر لصحة الحديث فيه ، بل لو زاد الشارع عليه ذكرا آخر لما كان مستشكلا .

قوله « وهو دون القيام الأول » أراد به أن القيام الأول أطول من الثاني في الركعة الأولى ، وأراد أن القيام في الثانية دون القيام الأول في الأولى ، والركوع الأول فيها دون الركوع الأول في الأولى ، وأراد بقوله « في القيام الثاني في الثانية أنه دون القيام الأول فيها ، وكذلك ركوعه الثاني فيها دون ركوعه الأول فيها ، وقال النووي : اتفقوا على أن القيام الثاني والركوع الثاني من الأولى أقصر من القيام الأول والركوع ، وكذا القيام الثاني والركوع الثاني من الثانية أقصر من الأول منهما من الثانية ، واختلفوا في القيام الأول والركوع الأول من الثانية ، هل هما أقصر من القيام الثاني والركوع الثاني من الركعة الأولى ، ويكون هذا معنى قوله « وهو دون القيام الأول ودون الركوع الأول » أم يكونان سواء ، ويكون قوله « دون القيام أو الركوع الأول» أي أول قيام وأول ركوع . قوله « ثم ركع فأطال الركوع » يعني أنه خالف به عادته في سائر الصلوات كما في القيام ، وقال مالك : ويكون ركوعه نحوا من قيامه وقراءته . قوله « ثم سجد فأطال السجود » وهو ظاهر في تطويله ، قال أبو عمر ، عن مالك : لم أسمع أن السجود يطول في صلاة الكسوف .

وهو مذهب الشافعي ، ورأت فرقة من أهل الحديث تطويل السجود في ذلك . قلت : حكى الترمذي ، عن الشافعي : أنه يقيم في كل سجدة من الركعة الأولى نحوا مما قام في ركوعه ، وقال : في الركعة الثانية ، ثم سجد سجدتين ، ولم يصف مقدار إقامته فيهما ، فيحتمل أن يريد مثل ما تقدم في سجود الركعة الأولى ، ويحتمل أنه كسجود سائر الصلوات . وقال الرافعي : وهل يطول السجود في هذه الصلاة ؟ فيه قولان ، ويقال وجهان ، أظهرهما : لا ، كما لا يزيد في التشهد ، ولا يطول القعدة بين السجدتين ، والثاني ، وبه قال ابن شريح : نعم ، ويحكى عن البويطي ، وقد صحح النووي خلافه في « الروضة » ، فقال : الصحيح المختار أنه يطول ، وكذا صححه في « شرح المهذب » ، وفي « المنهاج » من زياداته ، واقتصر في « تصحيح التنبيه على المختار » .

قال شيخنا الحافظ زين الدين : إن قلنا بتطويل السجود في صلاة الكسوف ، فما مقدار الإقامة فيه ؟ فالذي ذكره الترمذي ، عن الشافعي أنه قال : ثم سجد سجدتين تامتين ، ويقيم في كل سجدة نحوا مما أقام في ركوعه . وهي رواية البويطي ، عن الشافعي أيضا إلا أنه زاد بعد قوله « تامتين ج٧ / ص٧١طويلتين » وهو الذي جزم به النووي في المنهاج . قوله « ثم انصرف » أي من الصلاة .

قوله « وقد تجلت الشمس » أي انكشفت . وفي رواية ابن شهاب : وقد انجلت الشمس قبل أن ينصرف . وفي رواية : ثم تشهد وسلم .

قوله « فخطب الناس » صريح في استحبابها ، وبه قال الشافعي ، وإسحاق ، وابن جرير ، وفقهاء أصحاب الحديث ، وتكون بعد الصلاة . وقال أبو حنيفة ، ومالك ، وأحمد : لا خطبة فيها ، قالوا : لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بالصلاة ، والتكبير ، والصدقة ، ولم يأمرهم بالخطبة ، ولو كانت سنة لأمرهم بها ، ولأنها صلاة كان يفعلها المنفرد في بيته فلم يشرع لها خطبة ، وإنما خطب صلى الله عليه وسلم بعد الصلاة ليعلمهم حكمها ، وكأنه مختص به ، وقيل : خطب بعدها لا لها ، بل ليردهم عن قولهم : إن الشمس كسفت لموت إبراهيم كما في الحديث . وقال بعضهم : والعجب أن مالكا روى حديث هشام هذا ، وفيه التصريح بالخطبة ، ولم يقل به أصحابه .

قلت : ليس بعجب ذلك ، فإن مالكا وإن كان قد رواها فيه وعللها بما قلنا ، فلم يقل بها ، وتبعه أصحابه فيها . قوله « فحمد الله وأثنى عليه » زاد النسائي في حديث سمرة : ويشهد أنه عبد الله ورسوله . قوله « فادعوا الله » رواية الكشميهني .

وفي رواية غيره : فاذكروا الله . قوله « أغير » أفعل التفضيل من الغيرة ، وهي تغير يحصل من الحمية والأنفة ، وأصلها في الزوجين والأهلين ، وكل ذلك محال على الله عز وجل ، وهو مجاز محمول على غاية إظهار غضبه على الزاني ، قيل : لما كانت ثمرة الغيرة صون الحريم ، ومنعهم ، وزجرهم من يقصدهم ، وزجر من يقصد إليهم - أطلق ذلك لكونه منع من فعل ذلك ، وزجر فاعله وتوعده ، فهو من باب تسمية الشيء بما يترتب عليه . وقال ابن فورك : المعنى ما أحد أكثر زجرا عن الفواحش من الله تعالى .

وقال ابن دقيق العيد : أهل التنزيه في مثل هذا على قولين : إما ساكت ، وإما مئول ، على أن المراد من الغيرة شدة المنع والحماية ، وقيل : معناه ليس أحد أمنع من المعاصي من الله ، ولا أشد كراهة لها منه . قلت : يجوز أن يكون هذا استعارة مصرحة تبعية ، قد شبه حال ما يفعل الله مع عبده الزاني من الانتقام وحلول العقاب بحالة ما يفعله العبد لعبده الزاني من الزجر والتعزير . فإن قلت : كيف إعراب "أغير" ؟ قلت : بالنصب خبر "ما" النافية ، ويجوز الرفع على أن يكون خبرا للمبتدأ ، أعني قوله « أحد » ، وكلمة "من" زائدة لتأكيد العموم ، وقوله « أن يزني » يتعلق بأغير ، وحذف الجار ، وهي "في" أو "على" .

فإن قلت : ما وجه تخصيص العبد والأمة بالذكر ؟ قلت : رعاية لحسن الأدب مع الله تعالى لتنزهه عن الزوجة ، والأهل ممن تعلق بهم الغيرة غالبا . فإن قلت : ما وجه اتصال هذا الكلام بما قبله من قوله « فاذكروا الله . . » إلى آخره .

قلت : قال الطيبي : المناسبة من جهة أنهم لما أمروا باستدفاع البلاء بالذكر ، والصلاة ، والصدقة - ناسب ردعهم عن المعاصي التي هي من أسباب جلب البلاء ، وخص منها الزنا ؛ لأنه أعظمها في ذلك . وقيل : لما كانت هذه المعصية من أقبح المعاصي ، وأشدها تأثيرا في إثارة النفوس ، وغلبة الغضب - ناسب ذلك تخويفهم في هذا المقام من مؤاخذة رب الغيرة ، وخالقها . قوله « يا أمة محمد » قيل : فيه معنى الإشفاق كما يخاطب الوالد ولده إذا أشفق عليه بقوله : يا بني .

قلت : ليس هذا مثل المثال الذي ذكره ، فلو كان قال يا أمتي بالنسبة إليه لكان من هذا الباب ، وإنما هذا يشبه أن يكون من باب التجريد كأنه أبعدهم عنه ، فخاطبهم بهذا الخطاب ؛ لأن المقام مقام التخويف والتحذير . قوله « والله لو تعلمون » أي من عظم انتقام الله من أهل الجرائم ، وشدة عقابه ، وأهوال القيامة وأحوالها ك ، ما علمته - لما ضحكتم أصلا ، إذ القليل بمعنى العديم على ما يقتضيه السياق . فإن قلت : لا يرتاب في صدق النبي صلى الله عليه وسلم ، فلم صدر كلامه بقوله « والله » في الموضعين ؟ قلت : لإرادة التأكيد لخبره ، وإن كان لا يشك فيه ؛ لأن المقام مقام الإنكار عما يليق فعله ، فيقتضي التأكيد ، وقيل : معنى هذا الكلام لو علمتم من سعة رحمة الله ، وحلمه ، ولطفه ، وكرمه ما أعلم لبكيتم على ما فاتكم من ذلك ، وقيل : إنما خص نفسه صلى الله عليه وسلم بعلم لا يعلمه غيره ؛ لأنه لعله أن يكون ما رآه في عرض الحائط من النار ، ورأى فيها منظرا شديدا ، لو علمت أمته من ذلك ما علم صلى الله عليه وسلم لكان ضحكهم قليلا وبكاؤهم كثيرا إشفاقا وخوفا .

وقد حكى ابن بطال ، عن المهلب : أن سبب ذلك ما كان عليه الأنصار من محبة اللهو والغناء ، وأطنب فيه ، ورد عليه ذلك بأنه قول بلا دليل ، ولا حجة في تخصيصهم بذلك ، والقضية كانت في أواخر زمنه صلى الله عليه وسلم مع كثرة الأصناف من الخلائق في المدينة يومئذ . ج٧ / ص٧٢وفي الحديث فوائد أخرى : فيه المبادرة بالصلاة ، والذكر ، والتكبير ، والصدقة عند وقوع كسوف وخسوف ونحوهما من زلزلة وظلمة شديدة وريح عاصف ، ونحو ذلك من الأهوال . وفيه الزجر عن كثرة الضحك ، والتحريض على كثرة البكاء .

وفيه الرد على من زعم أن للكواكب تأثيرا في حوادث الأرض على ما ذكرنا . وفيه اهتمام الصحابة رضي الله تعالى عنهم بنقل أفعال النبي صلى الله عليه وسلم ليقتدى به فيها . وفيه الأمر بالدعاء ، والتضرع في سؤاله .

وفيه التحريض على فعل الخيرات ، ولا سيما الصدقة التي نفعها متعد . وفيه عظة الإمام عند الآيات ، وأمرهم بأعمال البر . وفيه أن صلاة الكسوف ركعتان ، ولكن على هيئة مخصوصة من تطويل زائد في القيام وغيره على العادة من زيادة ركوع في كل ركعة .

وقال بعضهم : الأخذ بهذا أولى من إلغائها ، وبذلك قال جمهور أهل العلم من أهل الفتيا ، وقد وافق عائشة على ذلك عبد الله بن عباس ، وعبد الله بن عمر ، ومثله عن أسماء بنت أبي بكر ، وعن جابر عند مسلم ، وعن علي عند أحمد ، وعن أبي هريرة عند النسائي ، وعن ابن عمر عند البزار ، وعن أم سفيان عند الطبراني . قلت : لم سكت هذا القائل عن حديث أبي بكرة الذي صدره البخاري في هذا الباب ، ورواه النسائي ، وحديث ابن مسعود الذي رواه ابن خزيمة في « صحيحه » ، وحديث عبد الرحمن بن سمرة عند مسلم ، وحديث سمرة بن جندب عند الأربعة ، وحديث النعمان بن بشير عند الطحاوي ، وحديث عبد الله بن عمرو بن العاص عنده أيضا ، وعند أبي داود ، وأحمد ، وحديث قبيصة الهلالي عند أبي داود ، وقد ذكرنا جميع ذلك مستقصى ، فأحاديث هؤلاء كلها تدل على أن صلاة الكسوف ركعتان كهيئة النافلة من غير الزيادة على ركوعين . فإن قلت : أحاديث هؤلاء غاية ما في الباب أنها تدل على أن صلاة الكسوف ركعتان ، والخصم قائل به ، وليس فيها ما ينفي ما ذهب إليه الخصم من الزيادة .

قلت : في أحاديثهم نص على الركعتين مطلقا ، والمطلق ينصرف إلى الكامل ، وهي الصلاة المعهودة من غير الزيادة المذكورة مع أنهم لم يقولوا بإلغاء تلك الزيادة ، وإنما اختاروا ما ذهبوا إليه لموافقته القياس ، ويؤيد ذلك ما رواه الطحاوي ، عن علي رضي الله تعالى عنه أنه كان يقول : فرض النبي صلى الله عليه وسلم أربع صلوات : صلاة الحضر أربع ركعات ، وصلاة السفر ركعتين ، وصلاة الكسوف ركعتين ، وصلاة المناسك ركعتين ، وقد قرنت صلاة الكسوف بصلاة السفر وصلاة المناسك ، وفي ركعة كل واحدة منهما ركوع واحد بلا خلاف ، فكذلك صلاة الكسوف ، ولا سيما على قول من يقول : إن القرآن في النظم يوجب القرآن في الحكم ، فإن قالوا : الزيادة المذكورة ثبتت في رواية الحفاظ الثقات ، فوجب قبولها ، والعمل بها . قلنا : قد ثبت عند مسلم ، عن عائشة ، وجابر رضي الله تعالى عنهما : أن في كل ركعة ثلاث ركوعات ، وعنده ، عن ابن عباس : أن في كل ركعة ثلاث ركوعات . وعند أبي داود ، عن أبي بن كعب .

وعند البزار ، عن علي : أن في كل ركعة خمس ركوعات ، فما كان جوابهم في هذه فهو جوابنا في تلك ، ثم إن هذا القائل نقل عن صاحب « الهدى » أنه نقل ، عن الشافعي ، وأحمد ، والبخاري : أنهم كانوا يعدون الزيادة على الركوعين في كل ركعة غلطا من بعض الرواة . قلت : ينبغي أن لا يؤاخذ بهذا ؛ لأنه ثبت في « صحيح مسلم » : ثلاث ركوعات ، وأربع ركوعات ، كما ذكرناه الآن .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث