باب صلاة الكسوف جماعة
« باب صلاة الكسوف جماعة » أي هذا باب في بيان صلاة الكسوف بالجماعة ، أشار بهذا إلى أن صلاة الكسوف بالجماعة سنة ، وقال صاحب الذخيرة من أصحابنا : الجماعة فيها سنة ، ويصلي بهم الإمام الذي يصلي الجمعة والعيدين . وفي « المرغيناني » : يؤمهم فيها إمام حيهم بإذن السلطان ؛ لأن اجتماع الناس ربما أوجب فتنة وخللا ، ولا يصلون في مساجدهم ، بل يصلون جماعة واحدة ، ولو لم يقمها الإمام صلى الناس فرادى ، وفي « مبسوط » بكر ، عن أبي حنيفة في غير رواية الأصول : لكل إمام مسجد أن يصلي بجماعة في مسجده . وكذا في « المحيط » .
وقال الأسبيجابي : لكن بإذن الإمام الأعظم . وقال بعضهم : باب صلاة الكسوف جماعة ، أي : وإن لم يحضر الإمام . قلت : ج٧ / ص٨١إذا لم يكن الإمام حاضرا كيف يصلون جماعة ، ولا تكون الصلاة بالجماعة إلا إذا كان فيهم إمام ، فإن لم يكن إمام وصلوا فرادى لا يقال صلوا بجماعة ، وإن كانوا جماعات .
فإن قلت : بم انتصب جماعة ؟ قلت : يجوز أن يكون بنزع الخافض كما قدرناه . فإن قلت : هل يجوز أن يكون حالا ؟ قلت : يجوز إذا قدر هكذا باب صلاة القوم الكسوف حال كونهم جماعة ، فطوى ذكر الفاعل للعلم به . « وصلى ابن عباس لهم في صفة زمزم » أي صلى للقوم عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما في صفة زمزم ، والصفة بضم الصاد المهملة وتشديد الفاء ، قال ابن التين : صفة زمزم ، قيل : كانت أبنية يصلي فيها ابن عباس ، والصفة موضع مظلل يجعل في دار ، أو في حوش .
وقال ابن الأثير في ذكر أهل الصفة : هم فقراء المهاجرين ، ولم يكن لواحد منهم منزل يسكنه ، فكانوا يأوون إلى موضع مظلل في مسجد المدينة يسكنونه . وقال الكرماني : صفة بضم المهملة ، وفي بعضها بالمعجمة ، وهي بالكسر والفتح جانب الوادي ، وصفتاه جانباه . وهذا التعليق رواه ابن أبي شيبة ، عن غندر حدثنا ابن جريج ، عن سليمان الأحول ، عن طاوس : أن الشمس انكسفت على عهد ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، وصلى على صفة زمزم ركعتين في كل ركعة أربعة سجدات .
ورواه الشافعي ، وسعيد بن منصور جميعا ، عن سفيان بن عيينة ، عن سليمان الأحول ، سمعت طاوسا يقول : كسفت الشمس ، فصلى بنا ابن عباس في صفة زمزم ست ركوعات في أربع سجدات . وبين الروايتين مخالفة ، وقال البيهقي : روى عبد الله بن أبي بكر ، عن صفوان بن عبد الله بن صفوان قال : رأيت ابن عباس رضي الله تعالى عنه صلى على ظهر زمزم في كسوف الشمس ركعتين ، في كل ركعة ركوعان . وقال الشافعي : إذا كان عطاء ، وعمرو ، وصفوان ، والحسن ، يروون عن ابن عباس خلاف سليمان الأحول كانت رواية ثلاثة أولى أن تقبل ، ولو ثبت عن ابن عباس أشبه أن يكون ابن عباس فرق بين خسوف الشمس والقمر ، وبين الزلزلة .
فقد روي : أنه صلى في زلزلة ثلاث ركوعات في ركعة ، فقال : ما أدري أزلزلت الأرض أم بي أرض . أي رعدة . قال الجوهري : الأرض النفضة والرعدة ، ثم نقل قول ابن عباس هذا .
قال أبو عمر : لم يأت عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجه صحيح أن ، ولا صحت عنه فيها سنة ، وأول ما جاءت في الإسلام على عهد عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه. وفي
« المعرفة » للبيهقي : صلى علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه في زلزلة ست ركوعات في أربع سجدات ، وخمس ركعات وسجدتين في ركعة ، وركعة وسجدتين في ركعة . وقال الشافعي : لو ثبت هذا الخبر عن علي رضي الله تعالى عنه لقلنا به ، وهم يثبتونه ، ولا يقولون به.
« وجمع علي بن عبد الله بن عباس ، وصلى ابن عمر رضي الله عنهم » أي جمع الناس علي بن عبد الله لصلاة الكسوف ، وعلي بن عبد الله تابعي ثقة روى له مسلم والأربعة ، وروى له البخاري في « الأدب » ، وكان أصغر ولد أبيه سنا ، وكان يدعى السجاد ، وكان يسجد كل يوم ألف سجدة ، ولد ليلة قتل علي بن أبي طالب في شهر رمضان سنة أربعين ، فسمي باسمه ، وكني بكنيته أبا الحسن ، وفي ولده الخلافة ، مات سنة أربع عشرة ومائة ، وعن يحيى بن معين : مات سنة ثمان عشرة ومائة ، بالحميمة من أرض البلقاء في أرض الشام ، وهو ابن ثمان أو تسع وسبعين سنة . قوله « وصلى ابن عمر » يعني صلاة الكسوف بالناس ، وأخرج ابن أبي شيبة قريبا من معناه : حدثنا وكيع ، عن سفيان ، عن عاصم بن عبيد الله قال : رأيت ابن عمر يهرول إلى المسجد في كسوف ، ومعه نعلاه . يعني لأجل الجماعة .
وأشار البخاري بهذين الأثرين إلى أن صلاة الكسوف بالجماعة ، وهذا هو المطابقة بينهما وبين الترجمة . 90 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : انْخَسَفَتْ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا ، نَحْوًا مِنْ قِرَاءَةِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا ، ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا ، وَهُوَ ج٧ / ص٨٢دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا ، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ ، ثُمَّ سَجَدَ ، ثُمَّ قَامَ قِيَامًا طَوِيلًا ، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا ، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ ، ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا ، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا ، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ ، ثُمَّ سَجَدَ ، ثُمَّ انْصَرَفَ ، وَقَدْ تَجَلَّتْ الشَّمْسُ ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ ، لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ" . قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، رَأَيْنَاكَ تَنَاوَلْتَ شَيْئًا فِي مَقَامِكَ ، ثُمَّ رَأَيْنَاكَ كَعْكَعْتَ؟ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنِّي رَأَيْتُ الْجَنَّةَ ، فَتَنَاوَلْتُ عُنْقُودًا ، وَلَوْ أَصَبْتُهُ لَأَكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَتْ الدُّنْيَا ، وَأُرِيتُ النَّارَ ، فَلَمْ أَرَ مَنْظَرًا كَالْيَوْمِ قَطُّ أَفْظَعَ ، وَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ" .
قَالُوا : بِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ : بِكُفْرِهِنَّ" . قِيلَ : يَكْفُرْنَ بِاللَّهِ؟ قَالَ : يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ ، وَيَكْفُرْنَ الْإِحْسَانَ؛ لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ كُلَّهُ ، ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا ، قَالَتْ : مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ . مطابقته للترجمة تأتي بمحذوف مقدر في قوله « فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم » أي صلى بالجماعة ، وهذا لا يشك فيه ، ولكن الراوي طوى ذكره ، إما اختصارا وإما اعتمادا على القرينة الحالية ؛ لأنه لم ينقل عنه أنه صلى صلاة الكسوف وحده .
ورجاله تكرر ذكرهم . قوله « عن عطاء بن يسار ، عن ابن عباس » كذا في « الموطأ » ، وجميع من أخرجه من طريق مالك ، ووقع في رواية اللؤلؤي في « سنن أبي داود » ، عن أبي هريرة بدل ابن عباس ، قيل : هو غلط نبه عليه ابن عساكر ، وقال المزي : هو وهم . وأخرجه البخاري في الصلاة ، وفي صلاة الخسوف ، وفي الإيمان ، عن القعنبي ، وفي النكاح ، عن عبد الله بن يوسف ، وفي بدء الخلق ، عن إسماعيل بن أبي أويس .
وأخرجه مسلم في الصلاة ، عن محمد بن رافع ، وعن سويد بن سعيد . وأخرجه أبو داود فيه ، عن القعنبي . وأخرجه النسائي ، عن محمد بن سلمة .
ذكر معناه : قوله « نحوا من قراءة سورة البقرة » وفي لفظ : نحوا من قيام سورة البقرة . وعند مسلم : قدر سورة البقرة ، وهذا يدل على أن القراءة كانت سرا ، وكذا في بعض طرق حديث عائشة ، فحزرت قراءته ، فرأيت أنه قرأ سورة البقرة ، وقيل : إن ابن عباس كان صغيرا ، فمقامه آخر الصفوف ، فلم يسمع القراءة ، فحزر المدة ، ورد على هذا بأن في بعض طرقه : قمت إلى جانب النبي صلى الله عليه وسلم ، فما سمعت منه حرفا . ذكره أبو عمر .
قوله « رأيناك تناولت شيئا » كذا في رواية الأكثرين "تناولت" بصيغة الماضي . وفي رواية الكشميهني "تناول شيئا" بالخطاب من المضارع ، وأصله تتناول بتاءين ؛ لأنه من باب التفاعل ، فحذفت منه إحدى التاءين ، ويروى "تتناول" على الأصل . قوله « كعكعت » قد مر الكلام فيه في باب رفع البصر إلى الأمام ؛ لأنه أخرج هذا الحديث فيه مختصرا .
وفيه تكعكعت ، وهو رواية الكشميهني بزيادة التاء في أوله . وفي رواية غيره : كعكعت ، ومعناهما تأخرت ، وقال ابن عبد البر : معناه تقهقرت ، وهو الرجوع إلى ورائه ، وقال أبو عبيد : كعكعته فتكعكع . قلت : هذا يدل على أن كعكع متعد ، وتكعكع لازم .
فإن قلت : فعلى هذا قوله « كعكعت » يقتضي مفعولا ، فما هو ؟ قلت : على هذا معناه رأيناك كعكعت نفسك ، وأما رواية تكعكعت فظاهرة . فإن قلت : هذا من الرباعي الأصل ، أو من المزيد ؟ قلت : نقل أهل اللغة هذه المادة يدل على أنه جاء من البابين ، فقول أبي عبيد يدل على أنه رباعي مجرد ، وقول الجوهري وغيره يدل على أنه ثلاثي مزيد فيه ؛ لأنه نقل عن يونس كع يكع بالضم ، وقال سيبويه : يكع بالكسر أجود ، وأصله كعع ، فأسكنت العين الأولى ، وأدرجت في الثانية كمد وفر . وفي « الموعب » لابن التياني : كععت وكععت ، بالكسر والفتح ، أكع وأكع ، بالكسر والفتح ، كعا وكعاعة بالفتح .
وقال صاحب « العين » : كع كعوعا ، وهو الذي لا يمضي في عزم . وفي « المحكم » : كع كعوعا ج٧ / ص٨٣وكعاعة ، وكيعوعة ، وكعكعه عن الورد نحاه ، ويقال : أكعه الفرق إكعاعا إذا حبسه عن وجهه ، ويقال : أصل كعكعت كععت ، ففرق بينهما بحرف مكرر للاستثقال . قلت : هذا تصرف من غير التصريف ، ووقع في رواية مسلم : رأيناك كففت ، من الكف وهو المنع .
قوله « إني أريت الجنة » ظاهره من رؤية العين ، كشف الله تعالى الحجب التي بينه وبين الجنة ، وطوى المسافة التي بينهما حتى أمكنه أن يتناول منها عنقودا ، والذي يؤيد هذا حديث أسماء الذي مضى في أوائل صفة الصلاة بلفظ دنت مني الجنة حتى لو اجترأت عليها لجئتكم بقطاف من قطافها ، ومن العلماء من حمل هذا على أن الجنة مثلت له في الحائط كما ترى الصورة في المرآة ، فرأى جميع ما فيها ، واستدلوا على هذا بحديث أنس على ما سيأتي في التوحيد : لقد عرضت علي الجنة والنار آنفا في عرض هذا الحائط ، وأنا أصلي . وفي رواية : لقد مثلت . وفي رواية مسلم : لقد صورت .
فإن قلت : انطباع الصورة إنما يكون في الأجسام الصقيلة ؟ قلت : هذا من حيث العادة ، فلا يمتنع خرق العادة ، لا سيما في حق هذا النبي العظيم صلى الله عليه وسلم ، ومع هذا هذه قصة أخرى وقعت في صلاة الظهر ، وتلك في صلاة الكسوف ، ولا مانع أن ترى له الجنة والنار مرتين وأكثر على صور مختلفة . وقال القرطبي : ليس من المحال إبقاء هذه الأمور على ظواهرها ، لا سيما على مذهب أهل السنة في أن الجنة والنار قد خلقتا ، وهما موجودتان الآن ، فيرجع إلى أن الله تعالى خلق لنبيه صلى الله عليه وسلم إدراكا خاصا به أدرك به الجنة والنار على حقيقتهما . ومنهم من تأول الرؤية هنا بالعلم ، وقد أبعد لعدم المانع من الأخذ بالحقيقة ، والعدول عن الأصل من غير ضرورة .
قوله « عنقودا » بضم العين . قوله « ولو أصبته » في رواية مسلم : ولو أخذته . قوله « ما بقيت الدنيا » أي مدة بقاء الدنيا ؛ لأن طعام الجنة لا ينفد ، وثمار الجنة لا مقطوعة ولا ممنوعة ، وحكى ابن العربي عن بعض شيوخه : إن معنى قوله « لأكلتم منه ما بقيت الدنيا » أن يخلق في نفس الآكل مثل الذي أكل دائما بحيث لا يغيب عن ذوقه ، وقد رد عليه بأن هذا رأي فلسفي مبني على أن دار الآخرة لا حقائق لها ، وإنما هي أمثال .
والحق أن ثمار الجنة لا تقطع ولا تمنع ، فإذا قطعت خلقت في الحال ، فلا مانع أن يخلق الله مثل ذلك في الدنيا إذا شاء . وفيه بحث ؛ لأن كلام هذا القائل لا يستلزم نفي حقيقة دار الآخرة ؛ لأن ما قاله في حال الدنيا ، والفرق بين حال الدنيا وحال الآخرة ظاهر . فإن قلت : بين قوله : ولو أصبته ، أو لو أخذته ، وبين قوله : رأيناك تناولت شيئا - منافاة ظاهرا .
قلت : قيل : يحمل التناول على تكلف الأخذ لا حقيقة الأخذ . قلت : لا يحتاج إلى هذا التأويل بالتكلف لعدم ورود السؤال المذكور ؛ لأن قوله « تناولت » خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم منهم ، وقوله « ولو أصبته » إخبار النبي صلى الله عليه وسلم عن نفسه ، ولا منافاة بين الإخبارين ، فكأنهم تخيلوا التناول من النبي صلى الله عليه وسلم ، ولم يكن في نفس الأمر حقيقة التناول موجودة ، يدل عليه معنى قوله « وتناولت عنقودا » يعني تناولته حقيقة في الجنة ، ولكن لم يؤذن لي بقطفه ، وهو معنى قوله « ولو أصبته » يعني لو أذن لي بقطفه لأصبته وأخرجته منها إليكم ، ولكن لم يقدر لي ؛ لأنه من طعام الجنة ، وهو لا يفنى ، والدنيا فانية ، فلا يجوز أن يؤكل فيها ما لا يفنى ؛ لأنه يلزم من أكل ما لا يفنى أن لا يفنى آكله ، وهو محال في الدنيا . فإن قلت : كيف يقول معناه تناولته حقيقة في الجنة ، ولكن لم يؤذن لي بقطفه ، وقد وقع في حديث عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه ، عن ابن خزيمة : أهوى بيده ليتناول شيئا .
وفي رواية البخاري في حديث أسماء في أوائل صفة الصلاة : حتى لو اجترأت عليها ، وكأنه لم يؤذن له في ذلك ، فلم يجترئ عليه . وفي حديث جابر عند مسلم : ولقد مددت يدي وأنا أريد أن أتناول من ثمارها لتنظروا إليه ، ثم بدا لي أن لا أفعل . وفي حديث عائشة رضي الله تعالى عنها عند البخاري : لقد رأيت أن آخذ قطفا من الجنة حين رأيتموني جعلت أتقدم .
ووقع لعبد الرزاق من طريق مرسلة : أردت أن آخذ منها قطفا لأريكموه فلم يقدر . قلت : كل هذه الروايات لا تنافي ما قلنا ، أما في حديث عقبة ، فلا يلزم من قوله « أهوى بيده ليتناول شيئا » عدم تناوله حقيقة لرؤيتهم صورة التناول ، وعدم رؤيتهم حقيقته . وأما في حديث أسماء فلأن عدم اجترائه على إخراجه من الجنة ؛ لأنه لم يؤذن له بذلك ، فلا يمنع ذلك حقيقة التناول .
وأما في حديث جابر فلأن صورة التناول لأجل إخراجه إليهم ، لم يكن لأن نظرهم إليه وهو يتناول في الجنة لا يتصور في حقهم لعدم قدرتهم على ذلك ، فهذا لا ينافي حقيقة التناول في الجنة ، ولكن لم يؤذن له بالإخراج لما قلنا . وأما في حديث عائشة فلأنهم لو رأوه أخذ منها قطفا حقيقة لكان إيمانهم بالشهادة ، ولم يكن بالغيب ، والإيمان بالغيب هو المعتبر ، وهو أيضا لا ينافي حقيقة التناول في حقه صلى الله عليه وسلم . قوله « وأريت النار » أريت بضم الهمزة وكسر الراء ، على صيغة المجهول ، وأقيم المفعول الذي هو الرائي في ج٧ / ص٨٤الحقيقة مقام الفاعل ، وانتصاب النار على أنه مفعول ثان ؛ لأن أريت من الإراءة ، وهو يقتضي مفعولين ، وهذه رواية أبي ذر .
وفي رواية غيره : رأيت النار ، وكانت رؤية النار قبل رؤية الجنة لما وقع في رواية عبد الرزاق : عرضت على النبي صلى الله عليه وسلم النار ، فتأخر عن مصلاه حتى إن الناس ليركب بعضهم بعضا ، وإذ رجع عرضت عليه الجنة ، فذهب يمشي حتى وقف في مصلاه . وروى مسلم من حديث جابر قال : انكسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم . . الحديث بطوله .
وفيه : ما من شيء توعدونه إلا قد رأيته في صلاتي هذه ، لقد جيء بالنار ، وذلكم حين رأيتموني تأخرت مخافة أن يصيبني من لفحها . وفيه : ثم جيء بالجنة ، وذلكم حين رأيتموني تقدمت حتى قمت في مقامي . . الحديث ، وجاء من حديث سمرة أخرجه ابن خزيمة : لقد رأيت منذ قمت أصلي ما أنتم لاقون في دنياكم وآخرتكم .
فإن قلت : رؤياه النار ، من أي باب كان من أبواب النيران ؟ قلت : قيل : من الباب الذي يدخل منه العصاة من المسلمين . قلت : يحتاج هذا إلى دليل ، مع أن قوله صلى الله عليه وسلم « ولقد رأيت جهنم يحطم بعضها بعضا حتى رأيتموني تأخرت ، ورأيت فيها ابن لحي ، وهو الذي سيب السائبة » رواه مسلم ، فدل على أنه صلى الله عليه وسلم رأى النيران كلها ، وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم في رواية مسلم : وعرضت علي النار ، فرأيت فيها امرأة من بني إسرائيل تعذب في هرة لها ربطتها ، فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من حشاش الأرض ، ورأيت أبا ثمامة عمر بن مالك يجر قصبه في النار . قوله « فلم أر منظرا كاليوم قط أفظع » وفي رواية المستملي ، والحموي : فلم أنظر كاليوم أفظع .
قوله « منظرا » منصوب بقوله « لم أر » ، وأفظع أفعل التفضيل منصوب ؛ لأنه صفة المنظر ، وقوله « كاليوم قط » معترض بين الصفة والموصوف ، والكاف فيه بمعنى المثل ، والمراد من اليوم الوقت الذي فيه ، وتقدير الكلام : لم أر منظرا أفظع مثل اليوم ، وأدخل كاف التشبيه عليه لبشاعة ما رأى فيه ، ومعنى أفظع أبشع وأقبح ، وقال ابن سيده : فظع الأمر فظاعة ، وهو فظيع وأفظع ، أشد ، وأفظع إفظاعا وهو مفظع ، والاسم الفظاعة ، وأفظعني هذا الأمر ، وأفظعته ، وأفظع هو ، وفي « الصحاح » : أفظع الرجل على ما لم يسم فاعله ، إذا نزل به أمر عظيم . قوله « ورأيت أكثر أهلها » أي أهل النار النساء . فإن قلت : كيف يلتئم هذا مع ما رواه أبو هريرة : إن أدنى أهل الجنة منزلة من له زوجتان من الدنيا ، ومقتضاه أن النساء ثلثا أهل الجنة .
قلت : يحمل حديث أبي هريرة على ما بعد خروجهن من النار ، وقيل : خرج هذا مخرج التغليظ والتخويف . وفيه نظر ؛ لأنه أخبر بالرؤية الحاصلة ، وقيل : لعله مخصوص ببعض النساء دون بعض . قوله « بم يا رسول الله » أصله بما ؛ لأنها كلمة الاستفهام ، فحذفت الألف تخفيفا .
قوله « أيكفرن بالله ؟ » الهمزة فيه للاستفهام . قوله « قال يكفرن العشير » كذا وقع للجمهور عن مالك بدون الواو ، وقيل : ويكفرن ، وكذا وقع في رواية مسلم قال : حدثنا حفص بن ميسرة قال : حدثني زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن ابن عباس قال : انكسفت الشمس . . الحديث بطوله .
وفيه : ورأيت أكثر أهلها النساء ، قالوا : بم يا رسول الله ؟ قال : بكفرهن ، قيل : يكفرن بالله ؟ قال : يكفرن العشير . . الحديث . وروى يحيى بن يحيى ، عن مالك في « موطئه » قال : ويكفرن العشير ، بزيادة الواو ، قيل : زيادة الواو غلط .
قلت : ليس كذلك ؛ لأنه لا فساد فيه من جهة المعنى ؛ لأنه أجاب مطابقا للسؤال . وزاد : وقال بعضهم : إن كان المراد من تغليطه كونه خالف غيره من الرواة فهو كذلك . قلت : ليس كذلك ؛ لأن المخالفة للرواة إنما تعد غلطا إذا فسد المعنى ، ولا فساد كما ذكرنا .
فإن قلت : كفر يتعدى بالباء ، وقوله « أيكفرن بالله » على الأصل ، وقوله « يكفرن العشير » بلا باء ؟ قلت : لأن الذي تعدى بالباء يتضمن معنى الاعتراف ، وكفر العشير لا يتضمن ذلك . قوله « ويكفرن الإحسان » يحتمل أن يكون تفسيرا لقوله « يكفرن العشير » لأن المقصود كفر إحسان العشير لا كفر ذاته ، والعشير هو الزوج ، وقد مر الكلام فيه مستقصى في كتاب الإيمان ، والمراد من كفر الإحسان تغطيته وعدم الاعتراف به ، أو جحده وإنكاره ، كما يدل عليه آخر الحديث . قوله « لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله » بيان لمعنى كفر الإحسان ، وكلمة لو شرطية ، ويحتمل أن تكون امتناعية بأن يكون الحكم ثابتا على النقيضين ، ويكون الطرف المسكوت عنه أولى من المذكور ، والدهر منصوب على الظرفية ، ويجوز أن يكون المراد منه مدة عمر الرجل ، وأن يكون الزمان كله مبالغة ، وليس المراد من قوله « أحسنت » خطاب رجل بعينه ، بل كل من يتأتى منه أن يكون مخاطبا كما في قوله تعالى : وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ؛ لأن المراد منه ج٧ / ص٨٥كل من تتأتى منه الرؤية ، فهو خطاب خاص لفظا ، وعام معنى .
قوله « شيئا » التنوين فيه للتقليل ، أي شيئا قليلا لا يوافق غرضها من أي نوع كان . ومما يستفاد منه غير ما ذكر فيما مضى : المبادرة إلى طاعة الله عز وجل عند حصول ما يخاف منه وما يحذر عنه ، وطلب دفع البلاء بذكر الله تعالى وتمجيده وأنواع طاعته . وفيه معجزة ظاهرة للنبي صلى الله عليه وسلم ، وما كان عليه من نصح أمته ، وتعليمهم ما ينفعهم ، وتحذيرهم عما يضرهم .
وفيه مراجعة المتعلم للعالم فيما لا يدركه فهمه . وفيه جواز الاستفهام عن علة الحكم ، وبيان العالم ما يحتاج إليه تلميذه . وفيه تحريم كفران الإحسان .
وفيه وجوب شكر المنعم . وفيه إطلاق الكفر على جحود النعمة . وفيه بيان تعذيب أهل التوحيد لأجل المعاصي .
وفيه جواز العمل اليسير في الصلاة .