حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب سجود المسلمين مع المشركين والمشرك نجس ليس له وضوء

« وكان ابن عمر رضي الله عنهما يسجد على غير وضوء » هكذا وقع في رواية الأكثرين . وفي رواية الأصيلي بحذف غير ، وهذا هو اللائق بحاله ؛ لأنه لم يوافق ابن عمر أحد على جواز السجود بغير وضوء إلا الشعبي ، ولكن الأصح على غير وضوء ، لما روى ابن أبي شيبة من طريق عبيد بن الحسن ، عن رجل زعم أنه كنفسه ، عن سعيد بن جبير قال : كان ابن عمر ينزل عن راحلته فيهريق الماء ، ثم يركب فيقرأ السجدة فيسجد ، وما يتوضأ . وذكر ابن أبي شيبة ، عن وكيع ، عن زكريا ، عن الشعبي في الرجل يقرأ السجدة ، وهو على غير وضوء ، فكان يسجد .

وروى أيضا : حدثنا أبو خالد الأحمر ، عن الأعمش ، عن عطاء ، عن أبي عبد الرحمن قال : كان يقرأ السجدة وهو على غير وضوء ، وهو على غير القبلة ، وهو يمشي فيومئ برأسه إيماء ثم يسلم . فإن قلت :

روى البيهقي بإسناد صحيح ، عن الليث ، عن نافع ، عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال : لا يسجد الرجل إلا وهو طاهر .
قلت : وفق بينهما بأن حمل قوله « طاهر » على الطهارة الكبرى ، أو يكون هذا على حالة الاختيار ، وذلك على حالة الضرورة .

وقال ابن بطال معترضا على البخاري في هذه الترجمة : إن أراد الاحتجاج على قول ابن عمر بسجود المشركين ، فلا حجة فيه ؛ لأن سجودهم لم يكن على وجه العبادة لله تعالى ، وإنما كان لما ألقى الشيطان على لسانه صلى الله عليه وسلم "تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهم ترتجى" بعد قوله تعالى : أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى فسجدوا لما سمعوا من تعظيم آلهتهم ، فلما علم صلى الله عليه وسلم ما ألقي على لسانه حزن له ، فأنزل الله تسلية عما عرض له وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ أي إذا تلا ألقى الشيطان في تلاوته ، فلا يستنبط من سجودهم جواز السجود على غير الوضوء ؛ لأن المشرك نجس لا يصح له الوضوء ولا السجود إلا بعد عقد الإسلام ، وإن أراد الرد على ابن عمر بقوله « والمشرك نجس ليس له وضوء » فهو أشبه بالصواب ، وأجاب ابن رشيد بأن مقصود البخاري تأكيد مشروعية السجود بأن المشرك قد أقر على السجود ، وسمى الصحابي فعله ج٧ / ص١٠٠سجودا مع عدم أهليته ، فالمتأهل لذلك أحرى بأن يسجد على كل حالة ، ويؤيده ما في حديث ابن مسعود أن الذي ما سجد عوقب بأن قتل كافرا ، فلعل جميع من وفق للسجود يومئذ ختم له بالحسنى ، فأسلم ببركة السجود . انتهى . قلت : فيه بحث من وجوه : الأول :أن تقريرهم على السجود لم يكن لاعتبار سجودهم ، وإنما كان طمعا لإسلامهم .

الثاني : أن تسمية الصحابي فعلهم سجودا بالنظر إلى الصورة مع علمه بأن سجودهم كلا سجود ؛ لأن السجود طاعة ، والطاعة موقوفة على الإيمان . الثالث : أن قوله « ولعل جميع من وفق . . » إلى آخره - ظن وتخمين ، فلا يبتنى عليه حكم .

ثم الذي قاله ابن بطال : إنما كان لما ألقى الشيطان على لسانه صلى الله عليه وسلم . . إلى آخره - موجود في كثير من التفاسير ، ذكروا أنه لما قرأ سورة النجم ، ووقع في السورة ذكر آلهتهم في قوله تعالى : أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى وسمعوا ذكر آلهتهم في القرآن ، فربما ظنوه أو بعضهم أن ذلك مدح لها ، وقيل : إنهم سمعوا بعد ذكر آلهتهم تلك الغرانيق العلى ، وإن شفاعتها لترتجى ، فقيل : إن بعضهم هو القائل لها ، أي بعض المشركين لما ذكر آلهتهم خشوا أن يذمها ، فبدر بعضهم فقال ذلك ، سمعه من سمعه ، وظنوا أو بعضهم أن ذلك من قراءة النبي صلى الله عليه وسلم ، وقيل : إن إبليس لعنه الله هو الذي قال ذلك حين وصل النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذه الآية ، فظنوا أنه صلى الله عليه وسلم هو الذي قال ذلك ، وقيل : إن إبليس أجرى ذلك على لسانه صلى الله عليه وسلم ، وهذا باطل قطعا ، وما كان الله ليسلطه على نبيه ، وقد عصمه منه ومن غيره ، وكذلك كون إبليس قالها ، وشبه صوته بصوت النبي صلى الله عليه وسلم باطل أيضا ، وإذا كان لا يستطيع أن يتشبه به في النوم كما

أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك في الحديث الصحيح ، وهو قوله « من رآني في المنام فقد رآني ، فإن الشيطان لا يتشبه بي ولا يتمثل بي »
فإذا كان لا يقدر على التشبه به في المنام من الرائي له ، والنائم ليس في محل التكليف والضبط ، فكيف يتشبه به في حالة استيقاظ من يسمع قراءته هذا من المحال الذي لا يقبله قلب مؤمن ، وهذا الحديث الذي ذكر فيه ذكر ذلك أكثر طرقه منقطعة معلولة ، ولم يوجد لها إسناد صحيح ، ولا متصل إلا من ثلاثة طرق : أحدها ما رواه البزار في مسنده قال : حدثنا يوسف بن حماد حدثنا أمية بن خالد حدثنا شعبة ، عن أبي بشر ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، فيما أحسب أشك في الحديث أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كان بمكة ، فقرأ سورة النجم حتى انتهى إلى أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى فجرى على لسانه : تلك الغرانيق العلى الشفاعة منهم ترتجى ، قال : فسمع ذلك مشركو أهل مكة ، فسروا بذلك ، فاشتد على رسول الله ، فأنزل الله تعالى : وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ ، ثم قال البزار : ولا نعلمه يروى بإسناد متصل يجوز ذكره ، ولم يسنده عن شعبة إلا أمية بن خالد ، وغيره يرسله ، عن سعيد بن جبير قال : وإنما يعرف هذا من حديث الكلبي ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس ، وفي تفسير أبي بكر بن مردويه ، عن سعيد بن جبير لا أعلمه إلا عن ابن عباس : أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قرأ النجم ، فلما بلغ أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى ألقى الشيطان على لسانه : تلك الغرانيق العلى وشفاعتها ترتجى ، فلما بلغ آخرها سجد ، وسجد معه المسلمون والمشركون ، فأنزل الله تعالى : وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ إلى قوله : عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ قال : يوم بدر . والطريق الثاني : رواية محمد بن السائب الكلبي ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس .

والطريق الثالث : ما رواه ابن مردويه في « تفسيره » قال : حدثنا أحمد بن كامل حدثنا محمد بن سعيد ، حدثني أبي ، حدثنا عمي ، حدثنا أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس : قوله أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى قال : بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي أنزلت عليه آلهة العرب ، فسمع المشركون يتلوها ، وقالوا : إنه يذكر آلهتنا بخير ، فدنوا ، فبينما هو يتلوها ألقى الشيطان : تلك الغرانيق العلى منها الشفاعة ترتجى ، فعلق يتلوها ، فنزل جبريل عليه السلام فنسخها ، ثم قال : وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلا الآية ، وظاهر هذه الرواية الثالثة أن الآية أنزلت عليه في الصلاة ، وأنه تلا ما أنزل عليه ، وأن الشيطان ألقى عليه هذه الزيادة ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم علق يتلوها يظن أنها أنزلت ، وأنه اشتبه عليه ما ألقاه الشيطان بوحي الملك إليه ، وهذا أيضا ممتنع في حقه أن يدخل عليه فيما حقه البلاغ ، وكيف يشتبه عليه مزج الذم بالمدح ، فآخر الكلام وهو قوله تعالى : أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنْثَى الآيات - رد لما ألقاه الشيطان على زعمهم ، وجميع هذه المسانيد الثلاثة لا يحتج بشيء منها ، أما الإسناد الأول وإن كان رجاله ثقات ، فإن الراوي شك فيه كما أخبر عن نفسه ، فإما شك ج٧ / ص١٠١في رفعه فيكون موقوفا أو في وصله فيكون مرسلا ، وكلاهما ليس بحجة خصوصا فيما فيه قدح في حق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، بل لو جزم الثقة برفعه ووصله حملناه على الغلط والوهم . وأما الإسناد الثاني فإن محمد بن السائب الكلبي ضعيف بالاتفاق منسوب إلى الكذب ، وقد فسر الكلبي في روايته الغرانقة العلى بالملائكة لا بآلهة المشركين كما يقولون إن الملائكة بنات الله ، وكذبوا على الله ، فرد الله ذلك عليهم بقوله : أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنْثَى فعلى هذا فلعله كان قرآنا ، ثم نسخ لتوهم المشركين بذلك مدح آلهتهم . وأما الإسناد الثالث فإن محمد بن سعد هو العوفي ، وهو ابن سعد بن محمد بن الحسن بن عطية العوفي تكلم فيه الخطيب فقال : كان لينا في الحديث ، وأبوه سعد بن محمد بن الحسن بن عطية قال فيه أحمد : لم يكن ممن يستأهل أن يكتب عنه ، ولا كان موضعا لذلك ، وعم أبيه هو الحسين بن الحسن بن عطية .

ضعفه ابن معين ، والنسائي ، وابن حبان ، وغيرهم ، والحسن بن عطية ضعفه البخاري ، وأبو حاتم ، وهذه سلسلة ضعفاء ، ولعل عطية العوفي سمعه من الكلبي ، فإنه كان يروي عنه ، ويكنيه بأبي سعيد لضعفه ، ويوهم أنه أبو سعيد الخدري ، وقال عياض : هذا حديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة ، ولا رواة ثقة بسند سليم متصل ، وإنما أولع به وبمثله المفسرون والمؤرخون المولعون بكل قريب ، المتلقنون من الصحف كل صحيح وسقيم . قلت : الأمر كذلك ، فإن غالب هؤلاء مثل الطرقية ، والقصاص ، وليس عندهم تمييز يخبطون خبط عشواء ، ويمشون في ظلمة ظلماء ، وكيف يقال مثل هذا ، والإجماع منعقد على عصمة النبي صلى الله عليه وسلم ، ونزاهته ، عن مثل هذه الرذيلة ، ولو وقعت هذه القصة لوجدت قريش على المسلمين بها الصولة ، ولأقامت عليهم اليهود بها الحجة كما علم من عادة المنافقين ، وعناد المشركين كما وقع في قصة الإسراء حتى كانت في ذلك لبعض الضعفاء ردة .

ورد في أحاديث2 حديثان
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث