حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب سجود المسلمين مع المشركين والمشرك نجس ليس له وضوء

حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَيُّوبُ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَجَدَ بِالنَّجْمِ ، وَسَجَدَ مَعَهُ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ ، وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ . مطابقته للترجمة ظاهرة ، ورجاله قد تقدموا غير مرة ، وعبد الوارث بن سعيد ، وأيوب السختياني . وأخرجه البخاري أيضا في التفسير ، عن أبي معمر .

وأخرجه الترمذي في الصلاة ، عن هارون بن عبد الله البزار ، عن عبد الصمد بن عبد الوارث ، عن أبيه به ، وقال : حسن صحيح . قوله « سجد بالنجم » زاد الطبراني في « الأوسط » من هذا الوجه : بمكة . ويستفاد من ذلك أن قصة ابن عباس وابن مسعود متحدة .

قوله « وسجد معه المسلمون والمشركون ، والجن والإنس » قال النووي : إنه محمول على من كان حاضرا . قلت : يعكر عليه أن الألف واللام في المسلمين والمشركين أبطلت الجمعية صارت لاستغراق الجنس ، وكذلك الألف واللام في الجن والأنس للاستغراق ، فيشمل الحاضر والغائب حتى روى البزار ، عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كتبت عنده سورة النجم ، فلما بلغ السجدة سجد ، وسجدنا معه ، وسجدت الدواة والقلم . وإسناده صحيح ، وروى الدارقطني من حديث أبي هريرة : سجد النبي صلى الله عليه وسلم بآخر النجم ، والجن ، والإنس ، والشجر .

فإن قلت : من أين علم الراوي أن الجن سجدوا ؟ قلت : قال الكرماني : إما بإخبار النبي صلى الله عليه وسلم له ، وإما بإزالة الله تعالى الحجاب . قلت : قال شيخنا زين الدين : الظاهر أن الحديث من مراسيل ابن عباس عن الصحابة ، فإنه لم يشهد تلك القصة خصوصا ، إن كانت قبل فرض الصلاة كما تقدم في حديث مخرمة ، ومراسيل الصحابة مقبولة على الصحيح ، والظاهر أن ابن عباس سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم يحدث به ، وقال الكرماني : لفظ الإنس مكرر ، بل لفظ الجن أيضا ؛ لأنه إجمال بعد تفصيل نحو : تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ وقال أيضا : فإن قلت : لم سجد المشركون ، وهم لا يعتقدون القرآن ؟ قلت : قيل : لأنهم سمعوا أسماء أصنامهم حيث قال ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى قال القاضي عياض : كان سبب سجودهم فيما قال ابن مسعود - أنها أول سجدة نزلت . قلت : استشكل هذا بأن اقرأ باسم ربك أول السور نزولا ، وفيها أيضا سجدة ، فهي سابقة على النجم ، وأجيب بأن السابق من اقرأ أولها ، وأما بقيتها فنزلت بعد ذلك بدليل قصة أبي جهل في نهيه للنبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة ، أو المراد أول سورة استعلن بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والنجم ، وهكذا رواه ابن مردويه في تفسيره .

ذكر ما يستنبط منه : احتج بهذا الحديث أبو حنيفة ، والثوري ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وعبد الله بن وهب ، وابن حبيب المالكي على أن سورة النجم فيها سجدة ، وقال سعيد بن جبير ، وسعيد بن المسيب ، والحسن البصري ، وعكرمة ، وطاوس ، ومالك : ليس في سورة النجم سجدة ، واحتجوا بحديث زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه الآتي في الباب الذي يلي هذا الباب ، وسنذكر الجواب عند ذكره ، وروي في هذا الباب عن جماعة من الصحابة منهم أبو هريرة رواه عنه أحمد ، وقال : سجد النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون في النجم إلا رجلين من قريش أرادا بذلك الشهرة . ورجال إسناده ثقات ، ومنهم أبو الدرداء أخرج حديثه الترمذي من رواية أم الدرداء عنه قال سجدت مع النبي صلى الله عليه وسلم إحدى عشرة سجدة منها التي في النجم ، ومنهم عبد الله بن عمر أخرجه الطبراني في « الكبير » من رواية مصعب بن ثابت ، عن نافع ، عن ابن عمر : أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ والنجم بمكة ، فسجد وسجد الناس معه حتى إن الرجل ليرفع إلى جبينه شيئا من الأرض فيسجد عليه ، وحتى يسجد على الرجل . ومصعب بن ثابت مختلف فيه ، ضعفه أحمد وابن معين ، ووثقه ابن أبي حبان ، وقال أبو حاتم : صدوق كثير الغلط ، ومنهم المطلب بن أبي وداعة ، أخرج النسائي حديثه بإسناد صحيح من رواية ابنه جعفر بن المطلب عنه قال : قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة سورة النجم ، فسجد وسجد من معه ، فرفعت رأسي وأبيت أن أسجد .

ولم يكن يومئذ أسلم المطلب . ومنهم عمرو بن العاص أخرج حديثه أبو داود وابن ماجه من رواية عبد الله بن نمير عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم أقرأه خمس عشرة سجدة في القرآن ، منها ثلاث في المفصل . ومنهم عائشة رضي الله تعالى عنها أخرج حديثها الطبراني في « الأوسط » من رواية عبد الرحمن بن بشير ، عن محمد بن إسحاق ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة قالت : قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنجم ، فلما بلغ السجدة سجد .

وعبد الرحمن بن بشير منكر الحديث . ومنهم عمرو الجني ، أخرج حديثه الطبراني أيضا من رواية عثمان بن صالح قال : حدثني عمرو الجني قال : كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم ، فقرأ سورة النجم فسجد فيها . قال شيخنا زين الدين : وعثمان بن أبي صالح شيخ البخاري لم يدرك أحدا من الصحابة ، فإنه توفي سنة تسع عشرة ومائتين إلا أنه ذكر أن عمرا هذا من الجن ، وقد نسبه أبو موسى في « ذيله » من الصحابة : عمرو بن طلق ، وقال الذهبي : عمرو الجني ، قيل : هو ابن طلق ، أورده أبو موسى وقال : والعجب أنهم يذكرون الجن من الصحابة ، ولا يذكرون جبريل وميكائيل .

قلت : لأن الجن آمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو مرسل إليهم ، والملائكة ينزلون بالرسالة إلى الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم . ومما يستنبط منه أن رؤية الإنس للجن لا تنكر ، وأنكرت المعتزلة رؤية الإنس للجن ، واستدل بعضهم بقوله تعالى : إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ مع قوله : إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ وأجاب أهل السنة بأن هذا خرج مخرج الغالب في عدم رؤية الإنس الجن أو الشياطين ، وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة رؤية النبي صلى الله عليه وسلم الشيطان الذي أراد أن يقطع عليه صلاته ، وأنه خنقه حتى وجد برد لسانه ، وأنه قال : لولا دعوة سليمان لربطته إلى سارية من سواري المسجد . . الحديث ، وثبت في الصحيح رؤية أبي هريرة له لما دخل ليسرق تمر الصدقة ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة : تدري من تخاطب منذ ثلاث ؟ وقال فيه : صدقك وهو كذوب .

لكن أبا هريرة رآه في صورة مسكين على هيئة الإنس ، وهو دال على أن الشياطين والجن يتشكلون في غير صورهم كما تتشكل الملائكة في هيئة الآدميين ، وقد نص الله في كتابه على عمل الجن لسليمان عليه الصلاة والسلام ومخاطبتهم له في قوله تعالى : قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ الآية ، ومثل هذا لا ينكر مع تصريح القرآن بذلك ، وثبوت الأحاديث الصحيحة . « ورواه ابن طهمان ، عن أيوب » أي روى هذا الحديث إبراهيم بن طهمان بفتح الطاء ، وسكون الهاء ، وبالنون ، وقد مر في باب تعليق القنديل في المسجد رواه عن أيوب السختياني ، وأخرج الإسماعيلي متابعته من حديث حفص عنه .

ورد في أحاديث7 أحاديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث