حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب من رأى أن الله عز وجل لم يوجب السجود

« وزاد نافع ، عن ابن عمر رضي الله عنهما : إن الله لم يفرض السجود إلا أن نشاء » . قال الكرماني : وزاد نافع ، أي قال ابن جريج : وزاد ، وهذا موقوف لا مرفوع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال الحميدي : هذا معلق ، وكذا علم عليه الحافظ المزي علامة التعليق . وقال بعضهم : زاد نافع مقول ابن جريج ، والخبر متصل بالإسناد الأول ، وقد بين ذلك عبد الرزاق ، فقال في مصنفه : عن ابن جريج أخبرني ابن أبي مليكة . .

فذكره ، وقال في آخره : قال ابن جريج : وزادني نافع ، عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه قال : لم يفرض علينا السجود إلا أن نشاء ، وكذلك رواه الإسماعيلي ، والبيهقي ، وغيرهما من طريق حجاج بن محمد ، عن ابن جريج ، فذكر الإسناد الأول . قال : وقال حجاج : قال ابن جريج ، وزاد نافع . . فذكره ، ثم قال هذا القائل : وفي هذا رد على الحميدي في زعمه أن هذا معلق ، ولذا علم عليه المزي علامة التعليق ، وهو وهم .

قلت : هذا القائل هو الذي يرد عليه ، وهو الذي وهم ؛ لأن الذي زعمه لا تقتضيه رواية عبد الرزاق ؛ لأنها تشعر بخلاف ما قاله ؛ لأن ابن جريج يقول زادني نافع ، عن ابن عمر معناه أنه زادني على روايتي ، عن أبي بكر ، عن عثمان ، عن ربيعة ، عن عمر بن الخطاب رواية نافع ، عن عبد الله بن عمر : أن الله تعالى لم يفرض علينا السجود إلا أن نشاء ، والمزيد هو قول ابن عمر ، وهو قوله « إن الله عز وجل . . » إلى آخره ، وهذا ينادي بصوت عال : أنه موقوف مثل ما قال الكرماني ، ومعلق مثل ما قال الحافظان الكبيران الحميدي والمزي ، فبمثل هذا التصرف يتعسف بالرد عليهما ، وأبعد من ذلك وأحق بالرد عليه ما قاله عقيب هذا . قوله في ج٧ / ص١١١رواية عبد الرزاق أنه قال : الضمير يعود على عمر رضي الله تعالى عنه ، جزم بذلك الترمذي في « جامعه » حيث نسب ذلك إلى عمر في هذه القضية .

قلت : لم يجزم الترمذي بذلك أصلا ، ولا ذكر ما زاده نافع لابن جريج ، وإنما لفظ الترمذي في « جامعه » في باب من لم يسجد فيه ، أي في النجم بعد روايته حديث زيد بن ثابت ، وقال بعض أهل العلم : إنما السجدة على من أراد أن يسجد فيها ، والتمس فضلها ، واحتجوا بالحديث المرفوع ، ثم قال : واحتجوا بحديث عمر رضي الله تعالى عنه أنه قرأ سجدة على المنبر ، فنزل فسجد ، ثم قرأها في الجمعة الثانية ، فتهيأ الناس للسجود ، فقال : إنها لم تكتب علينا إلا أن نشاء ، فلم يسجد ، ولم يسجدوا انتهى . فهذا لفظ الترمذي ، فلينظر من له بصيرة وذوق من دقائق تركيب الكلام هل تعرض الترمذي في ذلك إلى زيادة نافع ، عن ابن عمر ، أو ذكر أن الضمير في قوله « قال » يعود على عمر ، ولو قال مثل ما روى نافع ، عن ابن عمر ، ذكر الترمذي ، عن عمر مثله لكان له وجه ، ثم قال هذا القائل ، واستدل بقوله « لم يفرض علينا » على عدم وجوب سجدة التلاوة ، وأجاب بعض الحنفية على قاعدتهم في التفرقة بين الفرض والواجب بأن نفي الفرض لا يستلزم نفي الوجوب ، وتعقب بأنه اصطلاح لهم حادث ، وما كان الصحابة يفرقون بينهما ، ويغني عن هذا قول عمر : ومن لم يسجد فلا إثم عليه . قلت : أما الجواب عن قوله « لم تفرض علينا » فنحن أيضا نقول لم يفرض علينا ، ولكنه واجب ، ونفي الفرض لا يستلزم نفي الواجب ، وأما قوله « وتعقب » إلى آخره ، فلا نسلم أنه اصطلاح حادث ، وأهل اللغة فرقوا بين الفرض والواجب ، ومنكر هذا معاند ومكابر ، والأحكام الشرعية إنما تؤخذ من الألفاظ اللغوية ، وأما قوله « وما كان الصحابة يفرقون بينهما » دعوى بلا برهان ، والصحابة هم كانوا أهل اللغة والتصرف في الألفاظ العربية ، وهذا القول فيه نسبة الصحابة إلى عدم المعرفة بلغات لسانهم .

وأما قوله « ويغني عن هذا قول عمر : ومن لم يسجد فلا إثم عليه » فقد أجبنا فيما مضى عن هذا بأنه لا إثم عليه في تأخيره عن وقت السماع . فإن قلت : روى البيهقي من طريق ابن بكير حدثنا مالك ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه أن عمر رضي الله تعالى عنه قرأ السجدة ، وهو على المنبر يوم الجمعة ، فنزل ، فسجد وسجدوا معه ، ثم قرأ يوم الجمعة الأخرى ، فتهيئوا للسجود ، فقال عمر : على رسلكم إن الله لم يكتبها علينا إلا أن نشاء ، وقرأها ولم يسجد ، ومنعهم . قال صاحب « التوضيح » : ترك عمر رضي الله تعالى عنه مع من حضر السجود ، ومنعه لهم دليل على عدم الوجوب ، ولا إنكار ، ولا مخالف ، ولا يجوز أن يكون عند بعضهم أنه واجب ، ويسكت عن الإنكار على غيره في قوله : ومن لم يسجد فلا إثم عليه .

قلت : عروة لم يدرك عمر رضي الله تعالى عنه . قال خليفة بن خياط : وفي آخر خلافة عمر بن الخطاب يقال في سنة ثلاث وعشرين ولد عروة بن الزبير . وعن مصعب بن الزبير : ولد عروة لست سنين خلت من خلافة عثمان رضي الله تعالى عنه فيكون منقطعا ، وهو غير حجة ، وأما ترك عمر السجود فقد ذكرنا أنه لمعنى من المعاني التي ذكرناها فيما مضى عن الطحاوي ، وأما منعه لهم عن السجود على تقدير تسليم صحته فيحتمل أنه كان يرى أن التالي إذا لم يسجد لا يسجد السامع أيضا ، فيكون معنى المنع إذا ما سجدت فلا تسجدوا أنتم أيضا ، وروي عن مالك أنه قال : إن ذلك مما لم يتبع عليه عمر ، ولا عمل به أحد بعده ، وقال القائل المذكور أيضا : واستدل بقوله "إلا أن نشاء" على أن المرء مخير في السجود فيكون ليس بواجب ، وأجاب من أوجبه بأن المعنى إلا أن نشاء قراءتها فيجب ، ولا يخفى بعده ، ويرده تصريح عمر رضي الله تعالى عنه بقوله : ومن لم يسجد فلا إثم عليه ، فإن انتفاء الإثم عمن ترك الفعل مختارا يدل على عدم وجوبه .

قلت : لا شك أن مفعول نشاء محذوف فيحتمل أن يكون ذلك السجدة يعني إلا أن نشاء السجدة ، ويحتمل أن تكون القراءة ، يعني إلا أن نشاء قراءة السجدة ، فلا يترجح أحد الاحتمالين إلا بمرجح ، والأحاديث الواردة في هذا الباب تنفي التخيير فيترجح المعنى الآخر ، والجواب عن قوله « ويرده تصريح عمر » إلى آخره قد ذكرناه ، وقال هذا القائل أيضا : واستدل به على من شرع في السجود وجب عليه إتمامه ، وأجيب بأنه استثناء منقطع ، والمعنى لكن ذلك موكول إلى مشيئة المرء بدليل إطلاقه ، ومن لم يسجد فلا إثم عليه .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث