حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب من قرأ السجدة في الصلاة فسجد بها

« باب من قرأ السجدة في الصلاة ، فسجد بها » أي هذا باب في بيان حكم من قرأ سجدة التلاوة في الصلاة فسجد بها ، أي بتلك السجدة ، وحكمه أن لا تكره قراءة ج٧ / ص١١٢السجدة في الصلاة خلافا لمالك على ما نذكره . وقال بعضهم : في الصلاة المفروضة . قلت : إطلاق البخاري يتناول الفريضة والنافلة .

113 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ : حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ قَالَ : سَمِعْتُ أَبِي قَالَ : حَدَّثَنِي بَكْرٌ ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ قَالَ : صَلَّيْتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ الْعَتَمَةَ ، فَقَرَأَ : إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ . فَسَجَدَ ، فَقُلْتُ : مَا هَذِهِ؟ قَالَ : سَجَدْتُ بِهَا خَلْفَ أَبِي الْقَاسِمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَا أَزَالُ أَسْجُدُ فِيهَا حَتَّى أَلْقَاهُ . مطابقته للترجمة ظاهرة .

ذكر رجاله ، وهم ستة : الأول : مسدد ، تكرر ذكره . الثاني : معتمر بن سليمان التيمي . الثالث : أبوه سليمان بن طرخان التيمي .

الرابع : بكر بن عبد الله المزني . الخامس : أبو رافع نفيع بضم النون وفتح الفاء . السادس : أبو هريرة .

ذكر لطائف إسناده : فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع ، وبصيغة الإفراد في موضع . وفيه العنعنة في موضع . وفيه القول في أربعة مواضع .

وفيه أن الرواة كلهم بصريون . وفيه رواية الابن عن أبيه . وفيه راويان بلا نسبة ، وراو بكنيته .

ذكر تعدد موضعه ، ومن أخرجه غيره : أخرجه البخاري في الصلاة ، عن أبي النعمان ، وعن مسدد ، عن يزيد بن زريع ، عن سليمان التيمي . وأخرجه مسلم في الصلاة ، عن عبيد الله بن معاذ ، ومحمد بن عبد الأعلى ، كلاهما عن معتمر بن سليمان به ، وعن أبي كامل الجحدري ، عن يزيد بن زريع به ، وعن عمر الناقد ، عن عيسى بن يونس ، وعن أحمد بن عبدة ، عن سليم بن أخضر ، كلاهما عن سليمان التيمي به . وأخرجه أبو داود فيه ، عن مسدد ، عن معتمر به .

وأخرجه النسائي فيه ، عن حميد بن مسعدة ، عن سليم بن أخضر به . ذكر معناه : قوله « العتمة » أي صلاة العشاء . قوله « ما هذه » أي ما هذه السجدة التي سجدت بها في الصلاة .

قوله « حتى ألقاه » بالقاف أي حتى أموت ؛ لأن المراد لقاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وذلك لا يكون إلا بالموت . ذكر ما يستنبط منه : احتج به الثوري ، ومالك ، والشافعي أنه من قرأ سجدة في صلاته المكتوبة أنه لا بأس أن يسجد فيها ، وكره مالك ذلك في الفريضة الجهرية ، والسرية . وقال ابن حبيب : لا يقرأ الإمام السجدة فيما يسر به ، ويقرؤها فيما يجهر فيه .

وذكر الطبري ، عن أبي مجلز أنه كان لا يرى السجود في الفريضة ، وزعم أن ذلك زيادة في الصلاة ، ورأى أن السجود فيها غير الصلاة ، وحديث الباب يرد عليه ، وعمل السلف من الصحابة ، وعلماء الأمة ، وروي عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه صلى الصبح ، فقرأ " والنجم " فسجد فيها ، وقرأ مرة في الصبح ، فسجد فيها سجدتين ، وقال ابن مسعود في السورة يكون آخرها سجدة : إن شئت سجدت بها ، ثم قمت ، وقرأت ، فركعت ، وإن شئت ركعت بها ، وقال الطحاوي : وإنما قرأ الشارع السجدة في العتمة والصبح ، وهذا فيما يجهر فيه ، وإذا سجد في قراءة السرية لم يدر أسجد للتلاوة أم لغيرها . وقال صاحب « الهداية » : وإذا قرأ الإمام آية السجدة سجدها ، وسجد المأموم معه ، وإذ تلا المأموم وسمعها الإمام والقوم لم يسجد الإمام ولا المأموم في الصلاة بالاتفاق ، ولا بعد الفراغ من الصلاة عند أبي حنيفة ، وأبي يوسف ، وقال محمد : يسجدونها بعد الفراغ انتهى . ومما يستدل بسجوده صلى الله عليه وسلم في الصلاة لسجدة التلاوة على التسوية بين الفريضة والنافلة ، وبه قال الشافعي ، وأحمد ، وفرق المالكية بين صلاة الفرض والنافلة ، فإن كان في النافلة فيسجد لقراءة نفسه ، سواء كان منفردا أو إماما لأمن التخليط عليهم ، فإن لم يأمن التخليط عليهم أيضا سجد على المنصوص عليه عندهم ، فأما الفريضة فالمشهور عندهم أنه لا يسجد فيها سواء كانت سرية أو جهرية ، وسواء كان منفردا أو في جماعة .

وقال البيهقي في « الخلافيات » : وحكي عن أبي حنيفة أنه لا يسجد للتلاوة في الصلاة السرية ، وقال شيخنا زين الدين : هذا مشكل مع قول الحنفية بوجوب سجود التلاوة ، فإن كان يقول : إنه لا يسجد لقرائتها كما حكاه البيهقي عنه ، فهو مشكل ، وإن قال : إنه لا يقرأ آية السجدة كما حكاه ابن العربي عنه ، فهو أقرب ، إلا أن الحنفية قالوا : إنه يكره أن يقرأ السورة التي فيها السجدة ، ولا يسجد فيها في صلاة كان أو في غيرها ؛ لأنه كالاستنكاف عن السجود ، فعلى هذا فالاحتياط على قولهم أنه لا يقرأ في الصلاة السرية سورة فيها سجدة . قلت : وفي « الهداية » قال : لا بأس أن يقرأ آية السجدة ، ويدع ما سواها . قال محمد : وأحب إلي أن يقرأ قبلها آية أو آيتين دفعا لوهم التفضيل ، واستحسن المشايخ إخفاءها شفقة على السامعين .

وفي « المحيط » : إذا كان التالي وحده يقرأ كيف شاء جهرا أو إخفاء ، وإن كان معه جماعة ج٧ / ص١١٣قال مشايخنا : إن كانوا متهيئين للسجود ، ووقع في قلبه أنه لا يشق عليهم أداؤها ينبغي أن يجهر حتى يسجد القوم معه ، وإن كانوا محدثين أو يظن أنهم لا يسجدون ، أو يشق عليهم أداؤها ينبغي أن يقرأها في نفسه ، ولا يجهر تحرزا عن تأثيم المسلم . قلت : كل هذا مبني على وجوب سجدة التلاوة ، ومما استدل بأحاديث السجود للتلاوة على أنه لا يقوم الركوع مقام سجود التلاوة ، وبه قال مالك ، والشافعي ، وأحمد ، وقال أبو حنيفة : يقوم الركوع مقام السجود للتلاوة استحسانا لقوله تعالى : وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ وفي « الينابيع » : إن كانت السجدة في آخر السورة ، فالأفضل أن يركع بها ، وإن كانت في وسطها فالأفضل أن يسجد ، ثم يقوم فيختم السورة ، ثم يركع ، وإن كانت في آخر السورة ، وبعدها آيتان أو ثلاث ، فإن شاء أتم السورة وركع ، وإن شاء سجد ثم قام فأتم السورة ، فإن ركع بها يحتاج إلى النية عند الركوع بها ، فإن لم توجد منه النية عند الركوع بها لا يجزئه عن السجدة ، ولو نوى في ركوعه ، فقيل : يجزئه ، وقيل : لا يجزئه ، واستدل أيضا بأحاديث سجود المستمع لآية السجدة على أنه لا فرق بين أن يسمعها ممن هو أهل للإمامة أو لا ، كما لو سمعها من امرأة أو صبي أو خنثى مشكل أو كافر أو محدث ، وهذا قول أبي حنيفة . وعند الشافعية كذلك على ما ذكره النووي في « الروضة » ، وقال : هو الأصح ، وليس في عبارة الرافعي تصريح بالتصحيح له ، ولكنه لما ذكر عبارة الغزالي في « الوجيز » قال : ظاهر اللفظ يشمل قراءة المحدث والصبي والكافر ، ويقتضي شرعية السجود للمستمع إلى قراءته ، وحكى الرافعي قبل هذا عن صاحب « البيان » : أنه لا يسجد المستمع لقراءة المحدث ، ثم ذكر بعد ذلك عن الطبري في العدة : أنه لا يسجد المستمع لقراءة الكافر والصبي ، وحكى ابن قدامة في « المغني » ، عن الشافعي ، وأحمد ، وإسحاق : أنه لا يسجد لقراءة المرأة والخنثى المشكل ، ورواية واحدة عن أحمد ، وحكى عنه وجهان فيما إذا كان صبيا ، وذهبت المالكية أيضا إلى أنه لا يسجد لاستماع قراءة من ليس أهلا للإمامة .

وقال الثوري : إذا سمع آية السجدة من امرأة تلاها السامع وسجد ، وقال الليث : إذا سمعها من غلام سجد ، وقال شيخنا زين الدين : ذكر بعض أصحابنا أن القارئ إن كان ممن تمتنع عليه القراءة كالجنب والسكران لم يسجد المستمع لقراءته ، وبه جزم القاضي حسين في فتواه .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث