باب من لم يتطوع في السفر دبر الصلاة وقبلها
( حدثنا مسدد قال : حدثنا يحيى عن عيسى بن حفص بن عاصم قال : حدثني أبي أنه سمع ابن عمر يقول : صحبت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكان لا يزيد في السفر على ركعتين ، وأبا بكر وعمر وعثمان كذلك رضي الله عنهم ) . مطابقته للترجمة ظاهرة . ويحيى شيخ مسدد هو القطان، وعيسى بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب ، مات سنة خمس أو سبع وخمسين ومائة .
قوله : وأبا بكر عطف على قوله : رسول الله صلى الله عليه وسلم أي : وصحبت أبا بكر وصحبت عمر وصحبت عثمان كذلك ، أي : كما صحبت النبي - صلى الله عليه وسلم - في السفر ، صحبتهم وكانوا لا يزيدون في السفر على ركعتين ( فإن قلت ) : كان عثمان رضي الله تعالى عنه في آخر أمره يتم الصلاة ، فكيف قال ابن عمر : إن عثمان لا يزيد في السفر على ركعتين ؟ ( قلت ) : يحمل قوله على الغالب ، أو كان عثمان لا يتنفل في أول أمره ولا في آخره وإن كان يتم . ( فإن قلت ) : قال الترمذي : حدثنا علي بن حجر حدثنا حفص بن غياث عن الحجاج عن عطية عن ابن عمر قال : صليت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - الظهر في السفر ركعتين وبعدها ركعتين وقال : هذا حديث حسن ، وقال : حدثنا محمد بن عبيد المحاربي أبو يعلى الكوفي حدثنا علي بن هاشم عن ابن أبي ليلى عن عطية ، وعن نافع عن ابن عمر قال : صليت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحضر والسفر ، فصليت معه في الحضر الظهر أربعا وبعدها ركعتين ، وصليت معه الظهر في السفر ركعتين وبعدها ركعتين ، والعصر ركعتين ولم يصل بعدها شيئا ، والمغرب في الحضر والسفر سواء ثلاث ركعات لا تنقص في الحضر ولا في السفر وهي وتر النهار وبعدها ركعتين . قال أبو عيسى : هذا حديث حسن ، سمعت محمدا يقول : ما روى ابن أبي ليلى حديثا أعجب إلي من هذا ، فما التوفيق بين هذا وبين حديث الباب ؟ ( قلت ) : هذان الحديثان تفرد بإخراجهما الترمذي ، أما وجه التوفيق فقد قال شيخنا زين الدين رحمه الله : الجواب أن النفل المطلق وصلاة الليل لم يمنعهما ابن عمر ولا غيره ، فأما السنن الرواتب فيحمل حديثه المتقدم ، يعني حديث الباب ، على الغالب من أحواله في أنه لا يصلي الرواتب ، وحديثه في هذا الباب ، أي : الذي رواه الترمذي على أنه فعله في بعض الأوقات لبيان استحبابها في السفر ، وإن لم يتأكد فعلها فيه كتأكده في الحضر أو أنه كان نازلا في وقت الصلاة ولا شغل له يشتغل به عن ذلك أو سائرا وهو على راحلته ، ولفظه في الحديث المتقدم ، يعني حديث الباب ، هو بلفظ كان وهي لا تقتضي الدوام ، بل ولا التكرار على الصحيح ، فلا تعارض بين حديثيه .
( فإن قيل ) : الذهاب إلى ترجيح تعارضهما ( قلنا ) : الترجيح بحديث الباب أصح لكونه في الصحيح . ( فإن قلت ) : روى الترمذي أيضا : حدثنا قتيبة حدثنا الليث بن سعد عن صفوان بن سليم عن أبي بشر الغفاري عن البراء بن عازب قال : صحبت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثمانية عشر سفرا فما رأيته ترك الركعتين إذا زاغت الشمس قبل الظهر ورواه أبو داود أيضا عن قتيبة ( قلت ) : هذا لا يعارض حديث ابن عمر الذي روي عنه في هذا الباب ؛ لأنه لا يلزم من كون البراء ما رآه ترك أن لا يكون ابن عمر رضي الله عنه أيضا كذلك ما ترك ، وجواب آخر : لا نسلم أن هاتين الركعتين من السنن الرواتب وإنما هي سنة الزوال الواردة في حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله تعالى عنه .