باب إذا صلى قاعدا ثم صح أو وجد خفة تمم ما بقي
حدثنا عبد الله بن يوسف قال : أخبرنا مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أنها أخبرته أنها لم تر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي صلاة الليل قاعدا قط حتى أسن ، فكان يقرأ قاعدا حتى إذا أراد أن يركع قام فقرأ نحوا من ثلاثين آية أو أربعين آية ، ثم ركع . وجه المطابقة بين الترجمة والحديث قد ذكرناه ، والحديث أخرجه أبو داود حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس حدثنا زهير حدثنا هشام بن عروة عن عروة عن عائشة قالت : ما رأيت رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - يقرأ في شيء من صلاة الليل جالسا قط حتى دخل في السن فكان يجلس فيقرأ ، حتى إذا بقي أربعون أو ثلاثون آية قام فقرأها ، ثم سجد . وقد روى عن عائشة صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - جالسا في التطوع جماعة آخرون من التابعين .
منهم الأسود بن يزيد ، أخرج حديثه النسائي من رواية عمر بن أبي زائدة عن أبي إسحاق عن الأسود عن عائشة قالت : ما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يمتنع من وجهي وهو صائم ، وما مات حتى كان أكثر صلاته قاعدا ، وروى مسلم من رواية عبد الله بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت : لما بدن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وثقل كان أكثر صلاته جالسا . ومنهم علقمة بن وقاص ، أخرج حديثه مسلم بلفظ قلت لعائشة : كيف كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصنع في الركعتين وهو جالس ؟ قالت : كان يقرأ فيهما ، فإذا أراد أن يركع قام فركع . ومنهم عمرة .
أخرج حديثها مسلم والنسائي وابن ماجه من رواية أبي بكر بن محمد عن عمرة عن عائشة قالت : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ وهو قاعد ، فإذا أراد أن يركع قام قدر ما يقرأ الإنسان أربعين آية . قوله : صلاة الليل قيدت عائشة بها لتخرج الفريضة . قوله : حتى أسن ، أي : حتى دخل في السن ، وقال ابن التين : إنما قيدت بقولها حتى أسن ليعلم أنه إنما فعل ذلك إبقاء على نفسه ليستديم الصلاة ، وأفادت أنه كان يديم القيام وأنه كان لا يجلس عما يطيقه من ذلك .
قوله : أو أربعين يحتمل أن يكون هذا شكا من الراوي ، وأن عائشة قالت أحد الأمرين ، ويحتمل أن عائشة رضي الله تعالى عنها ذكرت الأمرين معا من الثلاثين والأربعين بحسب وقوع ذلك منه مرة كذا ومرة كذا أو بحسب طول الآيات وقصرها . ( ومن فوائد هذا الحديث ) جواز الركعة الواحدة بعضها من قيام وبعضها من قعود ، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي وعامة العلماء ، وسواء في ذلك قام ثم قعد ، أو قعد ثم قام ، ومنعه بعض السلف وهو غلط ، ولو نوى القيام ثم أراد أن يجلس جاز عند الجمهور ، وجوزه من المالكية ابن القاسم ومنعه أشهب ، ومنها تطويل القراءة في صلاة الليل ، والأصح عند الشافعية أن تطويل القيام أفضل من تكثير الركوع والسجود مع تقصير القراءة ، وكذا عندنا تطويل القراءة أفضل من كثرة الركوع والسجود ، وقال أبو يوسف : إن كان له ورد من الليل فالأفضل أن يكثر عدد الركعات وإلا فطول القيام أفضل ، وقال محمد : كثرة الركوع والسجود أفضل لقوله - صلى الله عليه وسلم - : عليك بكثرة السجود ومنها جواز صلاة النافلة قاعدا مع القدرة على القيام وهو مجمع عليه .