باب ترك القيام للمريض
حدثنا أبو نعيم قال : حدثنا سفيان عن الأسود قال : سمعت جندبا يقول : اشتكى النبي - صلى الله عليه وسلم - فلم يقم ليلة أو ليلتين . مطابقته للترجمة ظاهرة . ( ذكر رجاله ) وهم أربعة .
الأول : الفضل بن دكين . الثاني : سفيان الثوري ، وكذلك في إسناد الحديث الآتي سفيان هو الثوري ، نص عليه المزي في الأطراف ، وصرح في رواية الترمذي سفيان بن عيينة . الثالث : الأسود بن قيس .
الرابع : جندب بضم الجيم وسكون النون وفتح الدال وضمها وبالباء الموحدة ابن عبد الله ، وقد تقدم في «باب النحر في المصلى» في «كتاب العيد» ، ووقع في رواية البخاري في «كتاب التفسير في والضحى» جندب ابن أبي سفيان وهو جندب بن عبد الله بن أبي سفيان ، إلا أنه تارة ينسب إلى أبيه وتارة إلى جده ، ولا يظن أن جندب ابن أبي سفيان غير جندب بن عبد الله ، فافهم . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه العنعنة في موضع ، وفيه السماع ، وفيه القول في ثلاثة مواضع ، وفيه أن رجاله كوفيون ، والحديث من الرباعيات . ( ذكر تعدد موضعه ، ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في «قيام الليل» عن محمد بن كثير ، وفي «فضائل القرآن» عن أبي نعيم أيضا ، وفي «التفسير» عن أحمد بن يونس ، وعن بندار عن غندر ، وأخرجه مسلم في «المغازي» عن إسحاق عن سفيان بن عيينة ، وعن إسحاق ومحمد بن رافع ، وعن أبي بكر وأبي موسى وبندار ، ثلاثتهم عن غندر ، وعن إسحاق عن الملائي ، وأخرجه الترمذي في «التفسير» عن ابن أبي عمر عن سفيان بن عيينة ، وأخرجه النسائي فيه عن إسماعيل بن مسعود .
( ذكر معناه ) قوله : اشتكى النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - ، أي : مرض وكذلك تشكى ، قال الجوهري : اشتكى عضوا من أعضائه وتشكى بمعنى وأصله من الشكو ، قال ابن الأثير : الشكو والشكوى والشكاة والشكاية المرض ، وفي الصحاح : شكوت فلانا أشكوه شكوى وشكاية وشكية وشكاة إذا أخبرت عنه بسوء فعله بك فهو مشكو ومشكي والاسم الشكوى . قوله : فلم يقم من القيام ، وانتصاب ليلة على الظرفية ، وهكذا وقع مختصرا ههنا ، وقد ساقه في فضائل القرآن تاما من شيخه أبي نعيم أيضا قال : حدثنا أبو نعيم حدثنا سفيان عن الأسود بن قيس قال : سمعت جندبا يقول : اشتكى النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - فلم يقم ليلة أو ليلتين ، فأتته امرأة فقالت : يا محمد ما أرى شيطانك إلا قد تركك ، فأنزل الله عز وجل : وَالضُّحَى ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى ٢ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ﴾ورواه أيضا في «كتاب التفسير في والضحى» حدثنا أحمد بن يونس حدثنا زهير حدثنا الأسود بن قيس قال : سمعت جندب بن سفيان قال : اشتكى رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - فلم يقم ليلتين أو ثلاثا ، فجاءت امرأة فقالت : يا محمد إني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك ، لم أره قربك منذ ليلتين أو ثلاثا ، فأنزل الله عز وجل : وَالضُّحَى ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى ٢ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ﴾ورواه أيضا في وَالضُّحَى حدثنا محمد بن بشار حدثنا محمد بن جعفر حدثنا غندر حدثنا شعبة عن الأسود بن قيس قال : سمعت جندبا البجلي قالت امرأة : يا رسول الله ، ما أرى صاحبك إلا أبطأ عنك ، فنزلت : ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ﴾ورواه أيضا عن محمد بن كثير ويأتي عن قريب في هذا الباب ، وروى مسلم : حدثنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا سفيان عن الأسود بن قيس أنه سمع جندبا يقول : أبطأ جبريل عليه الصلاة والسلام عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال المشركون : قد ودع محمد ، فأنزل الله تعالى : وَالضُّحَى ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى ٢ ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ﴾ ، وروى مسلم أيضا من رواية زهير عن الأسود بن قيس قال : سمعت جندب بن سفيان يقول : اشتكى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلتين أو ثلاثا الحديث مثل رواية البخاري عن أحمد بن يونس ، وروى الترمذي ، وقال : حدثنا ابن أبي عمر قال : حدثنا سفيان بن عيينة عن الأسود بن قيس عن جندب البجلي قال : كنت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في أنمار فدميت إصبعه فقال : هل أنت إلا إصبع دميت ، وفي سبيل الله ما لقيت . قال : وأبطأ جبريل عليه الصلاة والسلام فقال المشركون : قد ودع محمد ، فأنزل الله تبارك وتعالى : ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ﴾وروى الواحدي من حديث هشام بن عروة عن أبيه أبطأ جبريل على النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - فجزع جزعا شديدا فقالت خديجة رضي الله تعالى عنها : قد قلاك ربك لما يرى من جزعك ، فنزلت السورة .
وروى الحاكم من حديث عبد الله بن موسى أخبرنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن زيد بن أرقم : لما نزلت : تبت جاءت امرأة أبي لهب فقالت : يا محمد علام تهجوني ؟ فقال : ما هجوتك ، ما هجاك إلا الله ، ومكث رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - أياما لا ينزل عليه وحي ، فأتته فقالت : يا محمد ما أرى صاحبك إلا قد قلاك ، فنزلت السورة ، وفي تفسير ابن عباس رواية إسماعيل بن أبي زياد الشامي أبطأ الوحي عن النبي - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - أربعين يوما فقال كعب بن الأشرف : قد أطفأ الله نور محمد وانقطع الوحي عنه ، فهبط جبريل عليه الصلاة والسلام بعد الأربعين يوما فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ما أبطأك عني ؟ فنزلت : وَمَا نَتَنَـزَّلُ إِلا بِأَمْرِ رَبِّكَ وأنزل سورة الضحى وتكذيبا لكعب يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وفي المعاني للفراء والإيضاح تفسير القرآن لأبي القاسم إسماعيل بن محمد الجوزي قيل : سبب نزولها أن الوحي كان تأخر خمسة عشر يوما فتكلم الكفار الحديث ، وزعم ابن إسحاق أن سبب تأخير جبريل عليه الصلاة والسلام أن المشركين لما سألوه عن ذي القرنين والروح وعدهم بالجواب إلى غد ، ولم يستثن ، فنزل عليه بعد بطئه سورة الضحى وبجواب سؤاله قوله : ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا ﴾إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ قال الواحدي : وعن خولة خادمة النبي - صلى الله عليه وسلم - أن جروا دخل تحت السرير ، فمكث النبي - صلى الله عليه وسلم - أياما لا ينزل عليه الوحي فقال : يا خولة ، ما حدث في بيتي ؟ جبريل لا يأتيني . قالت خولة : فقلت : لو هيأت البيت وكنسته ، قالت : فأهويت بالمكنسة تحت السرير ، فإذا شيء ثقيل ، فإذا هو جرو ميت فألقيته خلف الجدار ، قالت : فجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرعد فقال : يا خولة دثريني ، فأنزل الله تعالى : والضحى والليل زاد ابن إسحاق : فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لجبريل عليه الصلاة والسلام : ما أخرك ؟ فقال : أما علمت أنا لا ندخل بيتا فيه كلب ولا صورة . وفي تفسير النسفي قال ابن جرير : قال المشركون : إن محمدا ودعه ربه وقلاه ، ولو كان أمره من الله لتتابع عليه كما كان يفعل بمن كان قبله من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، وقال المسلمون : يا رسول الله ، أما ينزل عليك الوحي ؟ فقال : وكيف ينزل علي الوحي وأنتم لا تنتقون براجمكم ولا تقلمون أظفاركم ، فأنزل الله تعالى جبريل عليه الصلاة والسلام بهذه السورة فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : يا جبريل ما جئت حتى اشتقت إليك ، فقال جبريل عليه الصلاة والسلام : وأنا كنت إليك أشد شوقا ولكني عبد مأمور وَمَا نَتَنَـزَّلُ إِلا بِأَمْرِ رَبِّكَ ثم الكلام في هذا الباب على أنواع .
الأول : أن اشتكاء النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يبين في شيء من طرق هذا الحديث ، قيل : وظن بعض الشراح أن الذي وقع في رواية الترمذي من طريق ابن عيينة من الحديث ، وقد ذكرناه عن قريب هو بيان للشكاية المجملة في الصحيح ، وليس كما ظن ، فإن في طريق عبد الله بن شداد التي يأتي التنبيه عليها أن نزول هذه السورة كان في أوائل البعثة ، وجندب لم يصحب النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا متأخرا ، حكاه البغوي في معجم الصحابة عن الإمام أحمد ، ويقال : يحتمل أن يكون سبب الشكاية بطء الوحي . الثاني : أن هذه المرأة المذكورة في الأحاديث المذكورة مختلف فيها ، ففي رواية الحاكم امرأة أبي لهب وهي أم جميل العوراء بنت حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف ، وهي أخت أبي سفيان بن حرب ، وقيل : امرأة من أهله أو من قومه . ( قلت ) : لا شك أن أم جميلة من قومه لأنها من بني عبد مناف ، وفي رواية سنيد بن داود أنها عائشة ، وقد غلط سنيد فيه ، وفي رواية الطبري عن أبي كريب عن وكيع فقال فيه : قالت خديجة : وكذلك أخرجه ابن أبي حاتم ، وقد أنكر ذلك ؛ لأن خديجة قوية الإيمان ، فلا يليق نسبة هذا القول إليها ، وإن كان رواه إسماعيل القاضي في أحكامه بإسناد صحيح ، وكذلك رواه الطبري في تفسيره وأبو داود في أعلام النبوة له ، كلهم من طريق عبد الله بن شداد بن الهاد ، ومع هذا ليس في رواية واحد منهم أنها عبرت بقولها : شيطانك ، وهذه لفظة مستنكرة جدا ، وزعم أبو عبد الله محمد بن علي بن عسكر أن القائلة ذاك إحدى عماته - صلى الله عليه وسلم - ، ثم الظاهر أن المرأة التي قالت : يا محمد ما أرى شيطانك إلا قد تركك ، غير المرأة التي قالت : ما أرى صاحبك إلا قد أبطأ عنك ؛ لأن هذه قالت : يا رسول الله ، وتلك قالت : يا محمد ، والتي قالت شيطانك قالت تهكما وشماتة ، والتي قالت صاحبك قالت تأسفا وتوجعا .
الثالث : أن مدة بطء الوحي اختلف فيها ، فقيل : أربعون يوما ، كما ذكر في رواية إسماعيل بن أبي زياد ، وقيل : خمسة عشر يوما كما ذكر في «كتاب المعاني» للفراء ، وقيل : خمسة وعشرون يوما ، وعن ابن جريج اثني عشر يوما .