باب ما يقرأ في ركعتي الفجر
( باب ما يقرأ في ركعتي الفجر ) 197 - حدثنا عبد الله بن يوسف ، قال : أخبرنا مالك ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بالليل ثلاث عشرة ركعة ، ثم يصلي إذا سمع النداء بالصبح ركعتين خفيفتين . قيل : لا مطابقة بين هذا الحديث وبين هذه الترجمة حتى قال الإسماعيلي : كان حق هذه الترجمة أن تكون تخفيف ركعتي الفجر ، وقال بعضهم : ولما ترجم به المصنف وجه ، ووجهه هو أنه أشار إلى خلاف من زعم أنه لا يقرأ في ركعتي الفجر أصلا ، فنبه على أنه لا بد من القراءة ، ولو وصفت عائشة الصلاة بكونها خفيفة ، فكأنها أرادت قراءة الفاتحة فقط ، أو قراءتها من شيء يسير غيرها ، ولم يثبت عنده على شرطه تعيين ما يقرأ به فيهما انتهى .
( قلت ) : هذا كلام ليس له وجه أصلا من وجوه ؛ الأول : أن قوله : أشار إلى خلاف من زعم أنه لا يقرأ في ركعتي الفجر أصلا رجم بالغيب ، فليت شعري بماذا أشار بما يدل عليه متن الحديث أو من الخارج ، فالأول لا يصح لأن الكلام ما سيق له ، والثاني لا وجه له ؛ لأنه لا يفيد مقصوده . الثاني : أن قوله : فنبه على أنه لا بد من القراءة غير صحيح ؛ لأن الذي دل على أنه لا بد من القراءة ما هو ، وكون عائشة وصفت الركعتين المذكورتين بالخفة لا يستلزم أن يقرأ فيهما لا بد ، بل هو محتمل للقراءة وعدمها . الثالث : أن قوله : فكأنها أرادت قراءة الفاتحة فقط كلام واه ؛ لأنه أي دليل يدل بوجه من وجوه الدلالات على أنها أرادت قراءة الفاتحة فقط ، أو قراءتها مع شيء يسير غيرها .
والرابع : قوله : ولم يثبت عنده على شرطه تعيين ما يقرأ به فيهما ، يرد بأنه لما لم يثبت ذلك فما كان ينبغي أن تكون الترجمة بقوله : ما يقرأ في ركعتي الفجر ؛ لأن السؤال بكلمة " ما " يكون عن الماهية ، وماهية القراءة في ركعتي الفجر تعيينها ، وليس في الحديث ما يعين ذلك ، وتعسف الكرماني في هذا الموضع حيث قال : قوله : خفيفتين هو محل ما يدل على الترجمة ، إذ يعلم من لفظ الخفة أنه لم يقرأ إلا الفاتحة فقط ، أو مع أقصر قصار المفصل انتهى . ( قلت ) : سبحان الله ليت شعري من أين يعلم من لفظ الخفة أنه صلى الله تعالى عليه وسلم قرأ فيهما ، وإذا سلمنا أنه قرأ فيهما فمن أين يعلم أنه قرأ الفاتحة وحدها أو مع شيء من قصار المفصل . ( فإن قلت ) : المعهود شرعا وعادة أن لا صلاة إلا بالقراءة .
( قلت ) : ذهب جماعة منهم : أبو بكر بن الأصم ، وابن علية ، وطائفة من الظاهرية أن لا قراءة إلا في ركعتي الفجر واحتجوا ج٧ / ص٢٢٩في ذلك بحديث عائشة الذي يأتي عن قريب " وفيه حتى إني لأقول هل قرأ بأم القرآن " قلنا : سلمنا أن لا صلاة إلا بالقراءة ، وما اعتبرنا خلاف هؤلاء ، ولكن تعيين قراءة الفاتحة فيهما من أين ؟ فإن قالوا بقوله صلى الله عليه وسلم : " لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب " ( قلنا ) : يعارضه ما روي في صلاة المسيء حيث قال له : " فكبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن " ، فهذا ينافي تعيين قراءة الفاتحة في الصلاة مطلقا ، إذ لو كانت قراءتها متعينة لأمره النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ، بل هو صريح في الدلالة على أن الفرض مطلق القراءة كما ذهب إليه أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه ، ويمكن أن يوجه وجه المطابقة بين حديث الباب وبين الترجمة بأن يقال : إن كلمة ( ما ) في الأصل للاستفهام عن ماهية الشيء ، مثلا إذا قلت : ما الإنسان ؟ معناه ما ذاته وحقيقته ، فجوابه : حيوان ناطق ، وقد يستفهم بها عن صفة الشيء نحو قوله تعالى : وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى وما لونها ؟ وهاهنا أيضا قوله : ( ما يقرأ ) استفهام عن صفة القراءة في ركعتي الفجر : هل هي قصيرة أو طويلة ؟ فقوله : " خفيفتين " يدل على أنها كانت قصيرة ، إذ لو كانت طويلة لما وصفت عائشة رضي الله تعالى عنها بقولها : " خفيفتين " . وأما تعيين هذه القراءة فيهما فقد علم بأحاديث أخرى . منها
ما رواه ابن عمر أخرجه الترمذي فقال : حدثنا محمود بن غيلان وأبو عمار قالا : حدثنا أبو أحمد الزبيري ، حدثنا سفيان ، عن أبي إسحاق ، عن مجاهد ، " عن ابن عمر قال : رمقت النبي صلى الله عليه وسلم شهرا ، فكان يقرأ في ركعتي الفجر : قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ و قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ " وقال : حديث ابن عمر حديث حسن ، وأبو أحمد الزبيري ثقة حافظ ، واسمه محمد بن عبد الله بن الزبير الأسدي الكوفي، وأخرجه ابن ماجه عن أحمد بن سنان ومحمد بن عبادة ، كلاهما عن أبي أحمد الزبيري .
ورواه النسائي من رواية عمار بن زريق ، عن أبي إسحاق ، فزاد في إسناده إبراهيم بن مهاجر بين أبي إسحاق وبين مجاهد . ومنها ما رواه ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أخرجه الترمذي أيضا من رواية عاصم بن بهدلة ، عن ذر وأبي وائل ، " عن عبد الله قال : ما أحصي ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الركعتين بعد المغرب ، وفي الركعتين قبل صلاة الفجر بـ: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ و قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ " .
ومنها ما رواه أنس رضي الله تعالى عنه أخرجه البزار من رواية موسى بن خلف ، عن قتادة ، " عن أنس : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في ركعتي الفجر : قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ و قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ " ورجال إسناده ثقات.
ومنها ما رواه أبو هريرة : أخرجه مسلم ، وأبو داود ، والنسائي ، وابن ماجه من رواية يزيد بن كيسان ، عن أبي حازم ، " عن أبي هريرة : أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قرأ في ركعتي الفجر قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ و قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ولأبي هريرة حديث آخر رواه أبو داود من رواية أبي الغيب ، واسمه سالم ، " عن أبي هريرة أنه سمع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يقرأ في ركعتي الفجر : قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْـزِلَ إِلَيْنَا في الركعة الأولى ، وبهذه الآية : رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْـزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ أو إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ شك من الراوي ، ومنها ما رواه ابن عباس : أخرجه مسلم ، وأبو داود ، والنسائي من رواية سعيد بن يسار ، " عن ابن عباس قال : كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقرأ في ركعتي الفجر : قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْـزِلَ إِلَيْنَا والتي في آل عمران : تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ لفظ مسلم ، وفي رواية أبي داود : " إن كثيرا مما كان يقرأ رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم في ركعتي الفجر : قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْـزِلَ إِلَيْنَا الآية ، قال : هذه في الركعة الأولى ، وفي الركعة الآخرة : آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ وقال النسائي : كان يقرأ في ركعتي الفجر في الأولى منهما الآية التي في البقرة : قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْـزِلَ إِلَيْنَا ، والباقي نحوه . ومنها ما رواه عبد الله بن جعفر ، أخرجه الطبراني في «الأوسط» من رواية أصرم بن حوشب ، عن إسحاق بن واصل ، عن أبي جعفر محمد بن علي ، " عن عبد الله بن جعفر قال : كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقرأ في الركعتين قبل الفجر والركعتين بعد المغرب : قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ و قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ " ومنها ما رواه جابر بن عبد الله ، أخرجه ابن حبان في «صحيحه» من رواية طلحة بن خداش ، " عن جابر بن عبد الله : أن رجلا قام فركع ركعتي الفجر ، فقرأ في الأولى : قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ حتى انقضت السورة ، فقال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم : هذا عبد عرف ربه ، وقرأ في الآخرة : قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ حتى انقضت السورة ، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : هذا عبد آمن بربه . قال طلحة : فأنا أحب أقرأ بهاتين السورتين في هاتين الركعتين " .
وأما رجال حديث عائشة المذكور فقد ذكروا غير مرة . وأخرجه أبو داود في «الصلاة» عن القعنبي والنسائي فيه عن قتيبة ، كلاهما عن ج٧ / ص٢٣٠مالك به . قوله : " ثلاث عشرة ركعة " إلى آخره يدل على أن ركعتي الفجر خارجة من الثلاث عشرة ، وقد تقدم في أول صلاة الليل أنها داخلة فيها ، وذكر في «باب قيام النبي صلى الله تعالى عليه وسلم» أنه ما كان يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة ، وقد مر التوفيق بين هذه الروايات فيما مضى .