باب مسح الحصا في الصلاة
حدثنا أبو نعيم ، قال : حدثنا شيبان ، عن يحيى ، عن أبي سلمة ، قال : حدثني معيقيب ، أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال في الرجل يسوي التراب حيث يسجد قال : إن كنت فاعلا فواحدة . قيل : لا مطابقة بين الحديث والترجمة ؛ لأن المذكور في الحديث التراب ، وفي الترجمة الحصى ؟ ( قلت ) : قال الكرماني :الغالب في التراب الحصى ، فيلزم من تسوية التراب مسح الحصى ؟ ( قلت ) : فيه نظر ؛ لأن الحصى ربما تكون غريقة في التراب عند كونها فيه ، فلا يقع عليها المسح ، وقيل : ترجم بالحصى ، وفي الحديث التراب لينبه على إلحاق الحصى بالتراب في الاقتصار على التسوية مرة ، وقيل : أشار بذلك إلى ما ورد في بعض طرقه بلفظ الحصى ، كما أخرجه مسلم من طريق ، وكيع ، عن هشام الدستوائي ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، عن معيقيب قال : ذكر النبي صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المسح في المسجد يعني الحصى قال : إن كنت لا بد فاعلا فواحدة . وفي لفظ له في الرجل يسوي التراب حيث يسجد قال : إن كنت فاعلا فواحدة .
وقيل : لما كان في الحديث ، يعني ولا يدري أهي قول الصحابي أو غيره عدل البخاري إلى ذكر الرواية التي فيها التراب . ( قلت ) : الأوجه أن يقال : جاء في الحديث لفظ الحصى ، ولفظ التراب ، فأشار بالترجمة إلى الحصى ، وبالحديث إلى التراب ليشمل الاثنين . ( ذكر رجاله ) وهم خمسة : الأول : أبو نعيم ، بضم النون الفضل بن دكين .
الثاني : شيبان ، بفتح الشين المعجمة ابن عبد الرحمن . الثالث : يحيى بن أبي كثير . الرابع : أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف .
الخامس : معيقب ، بضم الميم ، وفتح العين المهملة ، وسكون الياء آخر الحروف ، وكسر القاف بعدها باء موحدة ابن أبي فاطمة الدوسي حليف بني عبد شمس أسلم قديما ، كان على خاتم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، واستعمله الشيخان على بيت المال ، وأصابه الجذام فجمع له عمر رضي الله تعالى عنه الأطباء فعالجوه ، فوقف المرض ، وهو الذي سقط من يده خاتم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أيام عثمان رضي الله تعالى عنه في بئر أريس ، فلم يوجد ، فمذ سقط الخاتم اختلفت الكلمة ، وتوفي في آخر خلافة عثمان ، وقيل : توفي في سنة أربعين في خلافة علي رضي الله تعالى عنه . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وبصيغة الإفراد في موضع ، وفيه العنعنة في موضعين ، وفيه أن شيخه كوفي ، وشيبان بصري سكن الكوفة ، ويحيى يمامي ، وأبو سلمة مدني ، وفيه أن معيقيبا ليس له في البخاري إلا هذا الحديث فقط ، وقال ابن التين : وليس في الصحابة أحد أجذم غيره . ( ذكر من أخرجه غيره ) أخرجه مسلم في الصلاة ، عن أبي موسى ، عن يحيى القطان ، وعن أبي بكر ، عن وكيع ، وعن عبيد الله بن عمر القواريري ، وعن أبي بكر ، عن الحسن بن موسى ، عن شيبان به .
وأخرجه أبو داود فيه ، عن مسلم بن إبراهيم ، عن هشام ، وأخرجه الترمذي فيه عن الحسن بن الحريث ، وأخرجه النسائي فيه ، عن سويد بن نصر ، وأخرجه ابن ماجه فيه ، عن دحيم ، ومحمد بن الصباح . ( ذكر معناه ) قوله : ( عن أبي سلمة ) وفي رواية الترمذي من طريق الأوزاعي ، عن يحيى ، حدثني أبو سلمة . قوله : ( في الرجل ) ، أي : في شأن الرجل ، وذكر الرجل ؛ لأنه الغالب ، وإلا فالحكم جار في الذكر والأنثى من المكلفين .
قوله : ( يسوي التراب ) ، جملة حالية من الرجل . قوله : ( حيث يسجد ) ، يعني في المكان الذي يسجد فيه . قوله : ( قال ) ، أي الرسول عليه الصلاة والسلام .
قوله : ( إن كنت فاعلا ) ، أي : مسويا للتراب ، ولفظ الفعل أعم الأفعال ، ولهذا استعمل لفظ فاعلون في موضع مؤدون في قوله تعالى : ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ ﴾. قوله : ( فواحدة ) ، بالنصب على إضمار الناصب ، تقديره : فامسح واحدة ، ويجوز أن تكون منصوبة على أنها صفة لمصدر محذوف ، والتقدير : إن كنت فاعلا فافعل فعلة واحدة ، يعني مرة واحدة ، وكذا في رواية الترمذي : إن كنت فاعلا فمرة واحدة ، ويجوز رفعها على الابتداء ، وخبره محذوف ، أي : ففعلة واحدة تكفي ، ويجوز أن تكون خبر مبتدأ محذوف ، أي : المشروع فعلة واحدة . ( ذكر ما يستفاد منه ) فيه الرخصة بمسح الحصى في الصلاة مرة واحدة ، وممن رخص به فيها أبو ذر ، وأبو هريرة ، وحذيفة ، وكان ابن مسعود ، وابن عمر يفعلانه في الصلاة ، وبه قال من التابعين إبراهيم النخعي ، وأبو صالح ، وحكى الخطابي في المعالم كراهته عن كثير من العلماء ، وممن كرهه من الصحابة عمر بن الخطاب ، وجابر ، ومن التابعين : الحسن البصري ، وجمهور العلماء بعدهم ، وحكى النووي في شرح مسلم اتفاق العلماء على كراهته ؛ لأنه ينافي التواضع ، ولأنه يشغل المصلي ؟ ( قلت ) : في حكايته الاتفاق نظر ؛ فإن مالكا لم ير به بأسا ، وكان يفعله في الصلاة ، وفي التلويح روي عن جماعة من السلف أنهم كانوا يمسحون الحصى لموضع سجودهم مرة واحدة ، وكرهوا ما زاد عليها ، وذهب أهل الظاهر إلى تحريم ما زاد على المرة الواحدة ، وقال ابن حزم : فرض عليه أن لا يمسح الحصى ، وما يسجد عليه إلا مرة واحدة ، وتركها أفضل ، لكن يسوي موضع سجوده قبل دخوله في الصلاة ، وأخرج الترمذي ، عن أبي ذر ، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : إذا قام أحدكم إلى الصلاة ، فلا يمسح الحصى فإن الرحمة تواجهه .
ورواه أيضا بقية الأربعة ، وقال الترمذي : حديث أبي ذر حديث حسن ، وتعليل النهي عن مسح الحصى بكون الرحمة تواجهه يدل على أن النهي حكمته أن لا يشتغل خاطره بشيء يلهيه عن الرحمة المواجهة له فيفوته حظه ، وفي معنى مسح الحصى مسح الجبهة من التراب ، والطين ، والحصى في الصلاة . ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه ، عن أبي الدرداء ، قال : ما أحب أن لي حمر النعم ، وأني مسحت مكان جبيني من الحصى ، إلا أن يغلبني فأمسح مسحة . وفي حديث أبي سعيد الخدري المتفق عليه ، أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انصرف عن الصلاة ، وعلى جبهته أثر الماء والطين من صبيحة إحدى وعشرين .
قال القاضي عياض : وكره السلف مسح الجبهة في الصلاة ، وقبل الانصراف ، يعني من المسجد مما يتعلق بها من تراب ونحوه . وحكى ابن عبد البر ، عن سعيد بن جبير ، والشعبي ، والحسن البصري ، أنهم كانوا يكرهون أن يمسح الرجل جبهته قبل أن ينصرف ، ويقولون : هو من الجفاء ، وقال ابن مسعود أربع من الجفاء : أن تصلي إلى غير سترة ، أو تمسح جبهتك قبل أن تنصرف ، أو تبول قائما ، أو تسمع المنادي ثم لا تجيبه .