باب إذا دعت الأم ولدها في الصلاة
وقال الليث : حدثني جعفر ، عن عبد الرحمن بن هرمز ، قال : قال أبو هريرة رضي الله عنه : قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : نادت امرأة ابنها وهو في صومعة . قالت : يا جريج ، قال : اللهم أمي ، وصلاتي . قالت : يا جريج .
قال : اللهم أمي وصلاتي . قالت : يا جريج . قال : اللهم أمي وصلاتي .
قالت : اللهم لا يموت جريج حتى ينظر في وجه المياميس ، وكانت تأوي إلى صومعته راعية ترعى الغنم ، فولدت فقيل لها : ممن هذا الولد ؟ قالت : من جريج ، نزل من صومعته . قال جريج : أين هذه التي تزعم أن ولدها لي ؟ قال : يا بابوس ، من أبوك ؟ قال : راعي الغنم . مطابقته للترجمة ظاهرة .
( ذكر رجاله ) وهم أربعة : الأول : الليث بن سعد . الثاني : جعفر بن ربيعة بن شرحبيل بن حسنة القرشي . الثالث : عبد الرحمن بن هرمز الأعرج .
الرابع : أبو هريرة . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الإفراد في موضع واحد ، وفيه العنعنة في موضع واحد ، وفيه القول في ثلاثة مواضع ، وفيه أن الليث وشيخه مصريان ، وعبد الرحمن مدني ، وهذا تعليق من البخاري ؛ لأنه لم يدرك الليث ، ووصله الإسماعيلي ، أخبرنا أبو بكر المروزي ، حدثنا عاصم بن علي ، حدثنا الليث ، عن جعفر بن ربيعة .. . الحديث مطولا ، وفيه : لا أماتك الله حتى تنظر في وجهك زواني المدينة ، فعرف أن ذلك يصيبه ، فلما مروا به على بيت الزواني خرجن يضحكن فتبسم ، فقالوا : لم يضحك حتى مر بالزواني .
ووصله أبو نعيم أيضا ، حدثنا أبو بكر بن خلاد ، حدثنا أحمد بن إبراهيم بن ملحان ، حدثنا يحيى بن بكير ، قال : حدثنا الليث ، عن جعفر ، وأسنده البخاري أيضا في باب وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا حدثنا مسلم بن إبراهيم ، حدثنا جرير بن حازم ، عن محمد بن سيرين ، عن أبي هريرة ، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة : عيسى ، وكان في بني إسرائيل رجل يقال له جريج كان يصلي فجاءته أمه فدعته ، فقال : أجيبها أو أصلي ، فقالت : اللهم لا تمته حتى تريه وجوه المومسات ، وكان جريج في صومعته فتعرضت له امرأة ، وكلمته فأبى ، فأتت راعيا فأمكنته من نفسها ، فولدت غلاما ، فقيل لها : ممن ؟ فقالت : من جريج ، فأتوه فكسروا صومعته وأنزلوه وسبوه فتوضأ وصلى ثم أتى الغلام ، فقال : من أبوك ؟ قال : الراعي . قالوا : نبني صومعتك من ذهب ؟ قال : لا إلا من طين . الحديث .
( ذكر من أخرجه غيره ) أخرجه مسلم في باب بر الوالدين ، ودعاء الوالدة على الولد ، حدثنا شيبان بن فروخ ، حدثنا سليمان بن المغيرة ، حدثنا حميد بن هلال ، عن أبي رافع ، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه ، عن النبي صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال : كان جريج يتعبد في صومعته ، فجاءت أمه فقالت : يا جريج ، أنا أمك كلمني ، فصادفته يصلي ، فقال : اللهم أمي وصلاتي ، فاختار صلاته ، فرجعت ثم عادت في الثانية ، فقالت : يا جريج ، أنا أمك فكلمني ، فقال : اللهم أمي وصلاتي ، فاختار صلاته ، فقالت : اللهم إن هذا جريج وهو ابني وإني كلمته فأبى أن يكلمني ، اللهم لا تمته حتى تريه وجوه المومسات . قال : ولو دعت عليه أن يفتن لفتن ، وكان راعي ضأن يأوي إلى ديره . قال : فخرجت امرأة من القرية فوقع عليها الراعي فحملت فولدت غلاما فقيل لها : ما هذا ؟ قالت : من صاحب هذا الدير .
قال : فجاءوا بفؤوسهم ومساحيهم ، فنادوه فصادفوه وهو يصلي ، فلم يكلمهم . قال : فأخذوا يهدمون ديره ، فلما رأى ذلك نزل إليهم ، فقالوا له : سل هذه ، فتبسم ثم مسح رأس الصبي فقال : من أبوك ؟ قال : أبي راعي الضأن ، فلما سمعوا ذلك منه قالوا له : نبني ما هدمناه من ديرك بالذهب والفضة ؟ قال : لا ، ولكن أعيدوه ترابا كما كان . وأخرجه أيضا من طريق جرير بن حازم ، عن محمد بن سيرين ، عن أبي هريرة ، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : لم يتكلم في المهد ، الحديث .
وفيه : وكانت امرأة بغي يتمثل بحسنها ، فقالت : إن شئتم لأفتننه لكم فتعرضت له فلم يلتفت إليها ، فأتت راعيا كان يأوي إلى صومعته ، فأمكنته من نفسها فوقع عليها فحملت ، فلما ولدت قالت : هو من جريج ، فأتوه فاستنزلوه ، وهدموا صومعته ، وجعلوا يضربونه ، فقال : ما شأنكم ؟ قالوا : زنيت بهذه البغي فولدت منك ، فقال : أين الصبي ؟ فجاءوا به ، فقال : دعوني حتى أصلي فصلى ، فلما انصرف أتى الصبي فطعن في بطنه ، وقال : يا غلام من أبوك ؟ قال : فلان الراعي . قال : فأقبلوا على جريج يقبلونه ويتمسحون به ، وقالوا : نبني لك صومعتك من ذهب ؟ قال : لا أعيدوها من طين كما كانت ، ففعلوا . الحديث .
وأخرجه الإسماعيلي وأبو نعيم كما ذكرنا ، وذكر الفقيه أبو الليث السمرقندي في كتابه تنبيه الغافلين : كان جريج راهبا في بني إسرائيل يعبد الله في صومعته ، فجاءته أمه يوما ، وهو قائم في الصلاة فنادته : يا جريج ، فلم يجبها لاشتغاله بصلاته ، فقالت : ابتلاك الله بالمومسات ، يعني : الزواني ، وكانت امرأة في تلك البلدة خرجت لحاجتها فأخذها راعي الغنم فواقعها عند صومعة جريج فحملت منه ، وكان أهل تلك البلدة يعظمون أمر الزنا ، فظهر أمر تلك المرأة في البلد ، فلما وضعت حملها أخبر الملك أن امرأة قد ولدت من الزنا ، فدعاها ، فقال : من أين لك هذا الولد ؟ قالت : من جريج الراهب ، قد واقعني ، فبعث الملك أعوانه إليه ، وهو في الصلاة فنادوه ، فلم يجبهم حتى جاءوا إليه بالمرور ، وهدموا صومعته ، وجعلوا في عنقه حبلا ، وجاءوا به إلى الملك ، فقال له الملك : إنك قد جعلت نفسك عابدا ، ثم تهتك حريم الناس ، وتتعاطى ما لا يحل لك . قال : أي شيء فعلت ؟ قال : إنك قد زنيت بامرأة كذا ، فقال : لم أفعل ، فلم يصدقوه ، وحلف على ذلك ، ولم يصدقوه ، فقال : ردوني إلى أمي فردوه إلى أمه ، فقال لها : يا أماه ، إنك قد دعوت الله علي ، فاستجاب الله دعاءك ، فادعي الله أن يكشف عني بدعائك ، فقالت أمه : اللهم إن كان جريج إنما أخذته بدعوتي فاكشف عنه ، فرجع جريج إلى الملك ، فقال : أين هذه المرأة ، وأين الصبي ؟ فجاءوا بالمرأة والصبي ، فسألوها فقالت : بلى ، هذا الذي فعل بي ، فوضع جريج يده على رأس الصبي ، وقال : بحق الذي خلقك أن تخبرني من أبوك فتكلم الصبي بإذن الله تعالى ، وقال : إن أبي فلان الراعي ، فلما سمعت المرأة بذلك اعترفت ، وقالت : كنت كاذبة ، وإنما فعل بي فلان الراعي . وفي رواية : أن المرأة كانت حاملا لم تضع بعد ، فقال لها : أين أصبتك ؟ قالت : تحت شجرة ، وكانت الشجرة بجنب صومعته .
قال جريج ، اخرجوا إلى تلك الشجرة ، ثم قال : يا شجرة ، أسألك بالذي خلقك أن تخبريني من زنا بهذه المرأة ؟ فقال كل غصن منها : راعي الغنم ، ثم طعن بأصبعه في بطنها ، وقال : يا غلام ، من أبوك ؟ فنادى من بطنها : أبي راعي الضأن ، فاعتذر الملك إلى جريج الراهب ، وقال إيذن لي أبني صومعتك بالذهب . قال : لا ، قال : بالفضة . قال : لا ، ولكنه بالطين كما كانت فبنوه بالطين ، وفي كتاب البر والصلة لعبد الله بن المبارك من حديث الحسن أن اسمه كان جريا ، وأنهم لما أحاطوا به قال : بالله أما أنظرتموني ليالي أدعوا الله عز ، وجل فأنظروه ليالي الله أعلم كم هي ، فأتاه آت في منامه ، فقال له : إذا اجتمع الناس فاطعن في بطن المرأة ، وقل : أيتها السخلة ، من أنت ؟ ومن أبوك ؟ فإنه سيقول : راعي الغنم ، فلما أصبح طعن في بطن المرأة ، وقال : أيتها السخلة ، من أبوك ؟ قالت : راعي الغنم .
قال الحسن : ذكر لي أن مولودا لم يتكلم في بطن أمه إلا هذا ، وعيسى عليه الصلاة والسلام . ( ذكر معناه ) قوله : ( وهو في صومته ) ، الواو فيه للحال ، والصومعة على وزن فوعلة ، من صمعت إذا دققت ؛ لأنها دقيقة الرأس . قوله : ( جريج ) ، بضم الجيم ، وفتح الراء ، وسكون الياء آخر الحروف ، وفي آخره جيم أيضا .
قوله : ( اللهم أمي وصلاتي ) ، أي : اجتمع إجابة أمي ، وإتمام صلاتي ، فوفقني لأفضلهما . قوله : ( لا يموت جريج ) ، نفي في معنى الدعاء . قوله : ( حتى ينظر ) ، بضم الياء على صيغة المجهول .
قوله : ( المياميس جمع مومسة ) ، وهي الفاجرة المتجاهرة به ، وفي التلويح المياميس : الزواني والفاجرات ، الواحدة مومسة ، والجمع مومسات ومياميس . وقال ابن الجوزي : إثبات الياء فيه غلط ، والصواب حذفها ؟ ( قلت ) : ليس بغلط ؛ لأن العرب يشبعون الكسرة فتصير في صورة الياء ، وقال ابن قرقول ، وبالياء رويناه ، وكذا ذكره أصحاب العربية ، ورواه السماك : المياميس ، بضم الميم ، وقال القزاز : قد يقال للخدم : مومسات . قوله : ( يا بابوس ) ، كلمة يا حرف نداء ، و بابوس بفتح الباء الموحدة ، وبعد الألف باء أخرى مضمومة ، وبعد الواو الساكنة سين مهملة .
قال القزاز : هو الصغير ، ووزنه فاعول ، فاؤه وعينه من جنس واحد ، وهو قليل . وقيل : هو اسم أعجمي ، وقيل : هو عربي ، وقال الداودي : هو اسم ذلك الولد بعينه ، وقال ابن بطال : هو الرضيع . وقال الكرماني : لو صحت الرواية بكسر السين ، وتنوينها يكون كنية له ، ومعناه : يا أبا شدة .
( ذكر ما يستفاد منه ) فيه دلالة على أن الكلام لم يكن ممنوعا في الصلاة في شريعتهم ، فلما لم يجب أمه ، والحال أن الكلام مباح له استجيبت دعوة أمه فيه ، وقد كان الكلام مباحا أيضا في شريعتنا أولا ، حتى نزلت : وقوموا لله قانتين . فأما الآن فلا يجوز للمصلي إذا دعت أمه أو غيرها أن يقطع صلاته لقوله صلى الله عليه وسلم : لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ، وحق الله عز وجل الذي شرع فيه آكد من حق الأبوين حتى يفرع منه ، لكن العلماء يستحبون أن يخفف صلاته ، ويجيب أبويه ، وقال صاحب التوضيح : وصرح أصحابنا فقالوا : من خصائص النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه لو دعا إنسانا ، وهو في الصلاة ، وجب عليه الإجابة ، ولا تبطل صلاته ، وحكى الروياني في البحر ثلاثة أوجه في إجابة أحد الوالدين : أحدها لا تجب الإجابة . ثانيها : تجب وتبطل .
ثالثها : تجب ولا تبطل ، والظاهر عدم الوجوب إن كانت الصلاة فرضا ، وقد ضاق الوقت ، وقال عبد الملك بن حبيب : كانت صلاته نافلة ، وإجابة أمه أفضل من النافلة ، وكان الصواب إجابتها ؛ لأن الاستمرار في صلاة النفل تطوع ، وإجابة أمه وبرها واجب ، وكان يمكنه أن يخففها ويجيبها . قيل : لعله خشي أن تدعوه إلى مفارقة صومعته ، والعود إلى الدنيا وتعلقاتها ، وفي الوجوب في حق الأم حديث مرسل رواه ابن أبي شيبة ، عن حفص بن غياث ، عن ابن أبي ذئب ، عن محمد بن المنكدر ، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : إذا دعتك أمك في الصلاة فأجبها ، وإن دعاك أبوك فلا تجبه . وقال مكحول : رواه الأوزاعي ، عنه ، وقال العوام : سألت مجاهدا عن الرجل تدعوه أمه أو أبوه في الصلاة .
قال : يجيبهما . وعن مالك : إذا منعته أمه عن شهود العشاء في جماعة لم يطعها ، وإن منعته عن الجهاد أطاعها ، والفرق ظاهر ؛ لأن الأمن غالب في الأول دون الثاني . وفي كتاب البر والصلة عن الحسن في الرجل تقول له أمه : أفطر .
قال : يفطر ، وليس عليه قضاء ، وله أجر الصوم ، وإذا قالت أمه له : لا تخرج إلى الصلاة فليس لها في هذا طاعة ؛ لأن هذا فرض ، وقالوا : إن مرسل ابن المنكدر الفقهاء على خلافه ، ولم يعلم به قائل غير مكحول ، ويحتمل أن يكون معناه إذا دعته أمه فليجبها يعني بالتسبيح ، وبما أبيح للمصلي الإجابة به ، وقال ابن حبيب : من أتاه أبوه ليكلمه وهو في نافلة فليخفف ويسلم ويتكلم . وفيه الاحتجاج لمن يقول : إن الزنا يحرم كما يحرم وطء الحلال . قال القرطبي : وهو رواية ابن القاسم عن مالك في المدونة ، وفي الموطأ عكسه : لا يحرم الزنا حلالا .
قال : ويستدل به أيضا على أن المخلوقة من ماء الزاني لا تحل للزاني أم أمها ، وهو المشهور ، وقال ابن الماجشون : إنها تحل ، ووجه التمسك على المسألتين أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حكى عن جريج أنه نسب الزنا للزاني ، وصدق الله نسبته بما خرق له من العادة ، فكانت تلك النسبة صحيحة فيلزم على هذا أن تجري بينهما أحكام الأبوة والبنوة من التوارث والولايات وغير ذلك ، وقد اتفق المسلمون على أن لا توارث بينهما فلم تصح تلك النسبة ، والمراد من ذلك تبيين هذا الصغير من ماء من كان ، وسماه أبا مجازا أو يكون في شرعهم أنه يلحقه ، وفيه دلالة على صحة وقوع الكرامات من الأولياء ، وهو قول جمهور أهل السنة والعلماء ، خلافا للمعتزلة ، وقد نسب لبعض العلماء إنكارها ، والذي نظنه بهم أنهم ما أنكروا أصلها لتجويز العقل لها ، ولما وقع في الكتاب والسنة وأخبار صالحي هذه الأمة ما يدل على وقوعها ، وإنما محل الإنكار ادعاء وقوعها ممن ليس موصوفا بشروطها ، ولا هو أهل لها . وفيه أن كرامة الولي قد تقع باختياره ، وطلبه ، وهو الصحيح عند جماعة المتكلمين كما في حديث جريج ، ومنهم من قال : لا تقع باختياره وطلبه . وفيه أن الكرامة قد تقع بخوارق العادات على جميع أنواعها ، ومنعه بعضهم وادعى أنها تختص بمثل إجابة دعاء ونحوه .
قال بعض العلماء : هذا غلط من قائله ، وإنكار للحس . وفيه دلالة على أن من أخذ بالشدة في أمور العبادات كان أفضل إذا علم من نفسه قوة على ذلك ؛ لأن جريجا دعا الله في التزام الخشوع له في صلاته وفضله على الاستجابة لأمه ، فعاقبه الله تعالى على ترك الاستجابة لها بما ابتلاه الله به من دعوة أمه عليه ، ثم أراه فضل ما آثره من مناجاة ربه ، والتزام الخشوع له أن جعل له آية معجزة في كلام الطفل ، فخلصه بها من محنة دعوة أمه عليه . وفيه أن من ابتلي بشيئين يسأل الله تعالى أن يلقي في قلبه الأفضل ، ويحمله على أولي الأمرين ، فإن جريجا لما ابتلي بشيئين ، وهو قوله : ( اللهم أمي وصلاتي ) ، فاختار التزام مراعاة حق الله تعالى على حق أمه ، وقال ابن بطال : قد يمكن أن يكون جريج نبيا ؛ لأنه كان في زمن تمكن النبوة فيه .
وروى الليث بن سعد ، عن يزيد بن حوشب ، عن أبيه ، قال : سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول : لو كان جريج الراهب فقيها عالما لعلم أن إجابة أمه خير من عبادة ربه . قال صاحب التوضيح ، وحوشب : هذا هو ابن طخمة بالميم الحميري . ( قلت ) : قال الذهبي في تجريد الصحابة : حوشب بن طخنة ، وقيل : طخمة ، يعني بالميم ، الحميري الألهاني يعرف بذي ظليم أسلم على عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وعداده في أهل اليمن ، وكان مطاعا في قومه ، كتب إليه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في قتل الأسود العنسي .
وفي تاريخ دمشق : كان على رجالة حمص يوم صفين ، ثم قال : حوشب له صحبة ، وله حديث ، ففي مسند الشاميين في مسند أحمد ، ولعله الأول ، ثم قال حوشب بن يزيد الفهري مجهول روى عنه ابنه يزيد في ذكر جريج الراهب . وفيه عظم بر الوالدين ، وأن دعاءهما مستجاب ، وعن هذا قال العلماء : إن إكرامهما واجب ، ولو كانا كافرين حتى روي عن ابن عباس أن له أن يزور قبر والديه ، ولو كانا كافرين ، وتجب نفقتهما على الولد مع اختلاف الدين عند أصحابنا ، وقال أبو عبد الملك : وهذا من عجائب بني إسرائيل ، يعني أمر جريج ، وهذا من أخبار الآحاد ، وفي صحيح مسلم : لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة : عيسى ابن مريم ، وصاحب جريج ، والصبي الذي قالت أمه ، ورأت رجلا له شارة : اللهم اجعل ابني مثله ، فنزع الثدي من فمه ، وقال : اللهم لا تجعلني مثله . ( فإن قلت ) : ظاهر هذا يقتضي الحصر ، ومع هذا روي عن ابن عباس شاهد يوسف كان في المهد ، قاله القرطبي ، وعن الضحاك : تكلم في المهد أيضا : يحيى بن زكريا عليهما السلام ، وفي حديث صهيب أنه لما خدد الأخدود تقاعست امرأة عن الأخدود ، فقال لها صبيها وهو يرتضع منها : يا أمه ، اصبري فإنك على الحق ؟ ( قلت ) : الجواب عن ذلك بوجهين : أحدهما : أن الثلاثة المذكورين في الصحيح ليس فيها خلاف ، والباقون مختلف فيهم ، وقال ابن عباس وعكرمة : كان صاحب يوسف ذا لحية ، وقال مجاهد : الشاهد هو القميص ، والجواب الآخر أن النبي عليه الصلاة والسلام قال ذلك أولا ، ثم أطلعه الله على غيرهم ، وقد يقال : التنصيص على الشيء باسمه العلم لا يقتضي الخصوص ، سواء كان المنصوص عليه باسمه العدد مقرونا ، أو لم يكن ؟ ( قلت ) : الخلاف فيه مشهور .