باب ما يجوز من البزاق والنفخ في الصلاة
باب ما يجوز من البزاق والنفخ في الصلاة أي : هذا باب في بيان ما يجوز من البزاق ، أي : من رمي البزاق ، وجاء فيه الزاي والصاد ، وكلاهما لغة . قوله : والنفخ ، أي : ما يجوز من النفخ ، وقال بعضهم : أشار المصنف إلى أن بعض ذلك يجوز ، وبعضه لا يجوز ، فيحتمل أنه يرى التفرقة بين ما إذا حصل من كل منهما كلام مفهم ، أم لا ؟ ( قلت ) : لا نسلم أن الترجمة تدل على ما ذكره ، وإنما تدل ظاهرا على أن كل واحد من البصاق والنفخ جائز في الصلاة مطلقا ، وذكره بعد ذلك ما روي عن عبد الله بن عمر ، ويدل على جواز النفخ ، وما رواه عن ابن عمر يدل على جواز البصاق ؛ لأن كلا منهما صريح فيما يدل عليه من غير قيد ، والآن نذكر مذاهب العلماء فيه إن شاء الله تعالى . ( ويذكر عن عبد الله بن عمرو : نفخ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في سجوده في كسوف ) .
مطابقته للترجمة ظاهرة ، وفيه ما يدل على ما ذكرنا ؛ لأنه ذكره مطلقا ، واعترض أبو عبد الملك بأن البخاري ذكر النفخ ، ولم يذكر فيه حديثا . ( قلت ) : هذا عجيب منه ، فكأنه لم يطلع على ما ذكر عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، وهو تعليق أسنده أبو داود من حديث عطاء بن السائب عن أبيه عبد الله بن عمرو قال : انكسفت الشمس على عهد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . الحديث ، وفيه : ثم نفخ في آخر سجوده ، فقال : أف أف ، إلى آخره ، وأخرجه الترمذي ، والنسائي ، والحاكم في المستدرك ، وقال : صحيح ، وإنما ذكره البخاري بصيغة التمريض ؛ لأنه من رواية عطاء بن السائب عن أبيه ؛ لأنه مختلف فيه في الاحتجاج به ، وقد اختلط في آخر عمره ، لكن أورده ابن خزيمة من رواية سفيان الثوري عنه ، وهو ممن سمع منه قبل اختلاطه ، وأبوه وثقه العجلي ، وابن حبان ، وليس هو من شرط البخاري ، وقد فسر النفخ في الحديث بقوله : فقال : أف أف ، بتسكين الفاء ، وأف لا تكون كلاما حتى تشدد الفاء ، فتكون على ثلاثة أحرف من التأفيف ، وهو قولك : أف لكذا ، فأما أف ، والفاء فيه خفيفة فليس بكلام ، والنافخ لا يخرج الفاء مشددة ، ولا يكاد يخرجها فاء صادقة من مخرجها ، ولكنه يفشها من غير إطباق الشفة على الشفة ، وما كان كذلك لا يكون كلاما ، وبهذا استدل أبو يوسف على أن المصلي إذا قال في صلاته : أف ، أو آه ، أو أخ ، لا تفسد صلاته ، وقال أبو حنيفة ومحمد : تفسد ؛ لأنه من كلام الناس ، وأجابا بأن هذا كان ، ثم نسخ ، وذكر ابن بطال أن العلماء اختلفوا في النفخ في الصلاة فكرهه طائفة ، ولم يوجبوا على من نفخ إعادة ، روي ذلك عن ابن مسعود ، وابن عباس ، والنخعي ، وهو رواية عن ابن زياد ، وعن مالك أنه قال : أكره النفخ في الصلاة ، ولا يقطعها كما يقطع الكلام ، وهو قول أبي يوسف ، وأشهب ، وأحمد ، وإسحاق ، وقالت طائفة : هو بمنزلة الكلام يقطع الصلاة ، روي ذلك عن سعيد بن جبير ، وهو قول مالك في المدونة ، وفيه قول ثالث ، وهو أن النفخ إن كان يسمع فهو بمنزلة الكلام يقطع الصلاة ، وهذا قول الثوري ، وأبي حنيفة ، ومحمد ، والقول الأول أولى لحديث ابن عمرو .
قال : ويدل على صحة هذا أيضا اتفاقهم على جواز النفخ والبصاق في الصلاة ، وليس في النفخ من النطق بالفاء والهمزة أكثر مما في البصاق من النطق بالفاء والتاء اللتين فيهما من رمى البصاق ، ولما اتفقوا على جواز الصلاة في البصاق جاز النفخ فيها إذ لا فرق بينهما في أن كل واحد منهما بحروف ، ولذلك ذكر البخاري حديث البصاق في هذا الباب ليستدل على جواز النفخ ؛ لأنه لم يسند حديث ابن عمرو ، واعتمد على الاستدلال من حديث النخامة ، والبصاق ، وهو استدلال حسن . ( قلت ) : يعكر عليه ما رواه ابن أبي شيبة في مصنفه بإسناد جيد أنه قال : النفخ في الصلاة كلام ، وروي ، عنه أيضا بإسناد صحيح أنه قال : والنفخ في الصلاة يقطع الصلاة . وروى البيهقي بإسناد صحيح إلى ابن عباس أنه كان يخشى أن يكون كلاما يعني النفخ في الصلاة ، وقال شيخنا زين الدين رحمه الله : وفرق أصحابنا في النفخ بين أن يبين منه حرفان أم لا ، فإن بان منه حرفان وهو عامد عالم بتحريمه بطلت صلاته ، وإلا فلا ، وحكاه ابن المنذر ، عن مالك ، وأبي حنيفة ، ومحمد بن الحسن ، وأحمد بن حنبل ، وقال أبو يوسف : لا تبطل إلا أن يريد به التأفيف ، وهو قول : أف ، وقال ابن المنذر : ثم رجع أبو يوسف ، فقال : لا تبطل صلاته مطلقا ، وحكى ابن العربي ، وغيره ، عن مالك خلافا ، وأنه قال في المختصر : النفخ كلام لقوله تعالى : فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وقال في المجموعة : لا يقطع الصلاة ، وقال الأبهري من المالكية : ليس له حروف هجاء ، فلا يقطع الصلاة ، وقال شيخنا : وما حكيناه عن أصحابنا هو الذي جزم به النووي في الروضة ، وفي شرح المهذب ، ثم أنه حكى الخلاف فيه في المنهاج تبعا للمحرر ، فقال فيه : والأصل أن التنحنح ، والضحك ، والبكاء ، والأنين ، والنفخ إن ظهر به حرفان بطلت ، وإلا فلا .