حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب الكفن في ثوبين

حدثنا أبو النعمان ، قال : حدثنا حماد ، عن أيوب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس رضي الله عنهم قال : بينما رجل واقف بعرفة ، إذ وقع عن راحلته فوقصته ، أو قال : فأوقصته ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : اغسلوه بماء وسدر ، وكفنوه في ثوبين ، ولا تحنطوه ، ولا تخمروا رأسه ؛ فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا . مطابقته للترجمة ظاهرة . ذكر رجاله : وهم خمسة : الأول أبو النعمان ، اسمه محمد بن الفضل السدوسي يعرف بعارم .

الثاني : حماد بن زيد . الثالث : أيوب السختياني . الرابع : سعيد بن جبير .

الخامس : عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهم . ذكر لطائف إسناده : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع ، وفيه القول في موضعين ، وفيه شيخه وحماد وأيوب بصريون وسعيد بن جبير كوفي ، وفيه شيخه بكنيته واثنان بلا نسبة ، وفيه حماد عن أيوب ، وفي رواية الأصيلي حماد بن زيد عن أيوب . ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره : أخرجه البخاري رحمه الله تعالى أيضا في الجنائز ، عن قتيبة ومسدد ، وفي الحج ، عن سليمان بن حرب .

وأخرجه مسلم عن أبي الربيع الزهراني . وأخرجه أبو داود رضي الله تعالى عنه فيه عن سليمان ومحمد بن عبيد ومسدد . وأخرجه النسائي فيه عن قتيبة .

ذكر معناه : قوله : بينما أصله بين ، فزيدت فيه الألف والميم ، وهو من الظروف الزمانية ، يضاف إلى جملة من فعل وفاعل ومبتدأ وخبر ، ويحتاج إلى جواب يتم به المعنى ، وجوابه هنا قوله : إذ وقع ، أي وقع رجل واقف . قوله : فوقصته ، أو قال : فأوقصته شك من الراوي الأول من الوقص ، وهو كسر العنق ، وهو المعروف عند أهل اللغة ، والثاني من الإيقاص وهو شاذ ؛ لأن الأصح هو الثلاثي ، وفي فصيح ثعلب : وقص الرجل إذا سقط عن دابته ، فاندقت عنقه ، فهو موقوص ، وعن الكسائي وقصت عنقه وقصا ، ولا يكون وقصت العنق نفسها ، وقال الخطابي : معناه أنها صرعته فكسرت عنقه ، وقال : أقصعته بتقديم الصاد المهملة على العين المهملة ليس بشيء ، والقصع هو كسر العطش ، ويحتمل أن يستعار لكسر الرقبة ، وأما الإقعاص ، أي بتقديم العين فهو إعجال الهلاك ، أي لم يلبث أن مات ، وقال الجوهري : يقال ضربه فأقعصه ، أي : قتله مكانه . ويقال : قصع القملة ، أي قتلها ، وقصع الماء عطشه ، أي أذهبه وسكنه ، واعلم أن الضمير المرفوع في فوقصته للراحلة ، والمنصوب يرجع إلى الرجل ، وقال بعضهم : ويحتمل أن يكون فاعل وقصته الوقعة ، أو الراحلة بأن تكون أصابته بعد أن وقع .

قلت : الفاعل هو الراحلة ، وهو الذي يقتضيه ظاهر التركيب ، وكون الفاعل هو الوقعة بعيد وخلاف الظاهر ، وقال أيضا : وقال الكرماني فوقصته ، أي راحلته . قلت : لم يقل الكرماني هذا ، وإنما نقل عن الخطابي ما ذكرناه عنه آنفا ، والعنق بضمتين وبسكون النون ، وصلة ما بين الرأس والجسد ، ويذكر ويؤنث ، فمن قال : عنق بإسكان النون ذكر ، ومن قال بضم النون أنث ، وعند ابن خالويه ، التصغير في لغة من ذكر عنيق ، وفي لغة من أنث عنيقة والجمع أعناق . قوله : وكفنوه في ثوبين إنما لم يزده ثالثا إكراما له ، كما في الشهيد لم يزد على ثيابه .

قوله : ولا تحنطوه بالحاء المهملة ، أي لا تمسوه حنوطا . قوله : ولا تخمروا رأسه ، أي ولا تغطوها ، وفي أفراد مسلم : ولا تخمروا رأسه ولا وجهه ، وقال البيهقي : وذكر الوجه وهم من بعض رواته في الإسناد والمتن ، والصحيح : لا تغطوا رأسه قوله : فإنه ، أي ، فإن هذا الرجل قوله : ملبيا نصب على الحال ، أي حال كونه قائلا : لبيك ، والمعنى أنه يحشر يوم القيامة على هيئته التي مات عليها ؛ ليكون ذلك علامة لحجه ، كالشهيد يأتي وأوداجه تشخب دما ، وفي التوضيح : وفي رواية : ملبدا ، أي على هيئة ملبدا شعره بصمغ ونحوه . ذكر ما يستفاد منه : احتج به الشافعي وأحمد وإسحاق وأهل الظاهر في أن المحرم على إحرامه بعد الموت ، ولهذا يحرم ستر رأسه وتطييبه ، وهو قول عثمان وعلي وابن عباس وعطاء والثوري ، وذهب أبو حنيفة ومالك والأوزاعي إلى أنه يصنع به ما يصنع بالحلال ، وهو مروي عن عائشة وابن عمر وطاوس ؛ لأنها عبادة شرعت ، فبطلت بالموت كالصلاة والصيام ، وقال صلى الله عليه وسلم : : إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث وإحرامه من عمله ، ولأن الإحرام لو بقي لطيف به ، وكملت مناسكه ، وقال بعضهم : وأجيب بأن ذلك ورد على خلاف الأصل ، فيقتصر به على مورد النص ، ولا سيما قد وضح أن الحكمة في ذلك استبقاء شعار الإحرام ، كاستبقاء دم الشهداء .

قلت : لا نسلم أنه ورد على خلاف الأصل ، وكيف ورد على خلاف الأصل وقد أمر بغسله بالماء والسدر ، وهو الأصل في الموتى ، وأما قوله : ولا تحنطوه إلى آخره ، فهو مخصوص به ، والدليل عليه قوله : الحكمة في ذلك إلى آخره ، وفيه الرد على كلامه بيان ذلك أن استبقاء دم الشهيد مخصوص به ، فكذلك استبقاء شعار الإحرام مخصوص بالموقوص . وأجابوا عن الحديث بأنه ليس عاما بلفظه ؛ لأنه في شخص معين ، ولأنه لم يقل : يبعث يوم القيامة ملبيا ؛ لأنه محرم ، فلا يتعدى حكمه إلى غيره إلا بدليل ، وقال : اغسلوه بسدر والمحرم لا يجوز غسله بسدر ، وذكر الطرطوشي في كتاب الحج أن أبا الشعثاء جابر بن زيد روى : عن ابن عباس قال : لا تخمروا رأسه وخمروا وجهه ، وقد روى عبد الرزاق عن ابن جريج ، عن عطاء : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : خمروا وجوههم ، ولا تشبهوا باليهود . ورواه الدارقطني بإسناد عن عطاء عن ابن عباس يرفعه ، وحكم ابن القطان بصحته ، ولفظه : خمروا وجوه موتاكم ، وفي الموطأ : أن عبد الله بن عمر لما مات ابنه واقد وهو محرم كفنه وخمر وجهه ورأسه ، وقال : لولا أنا محرمون لحنطناك يا واقد ، وفي المصنف بأسانيد جياد عن عطاء قال : وسئل عن المحرم يغطى رأسه إذا مات قيل : غطى ابن عمر وكشف غيره ، وقال طاوس : يغيب رأس المحرم إذا مات ، وقال الحسن : إذا مات المحرم فهو حلال ومن حديث مجالد عن عامر : إذا مات المحرم ذهب إحرامه ، ومن حديث إبراهيم عن عائشة : إذا مات المحرم ذهب إحرام صاحبكم ، وقاله عكرمة بسند جيد ، وحكى ابن حزم أنه صح عن عائشة تحنيط الميت المحرم إذا مات وتطييبه وتخمير رأسه ، وعن جابر عن أبي جعفر قال : المحرم يغطى رأسه ولا يكشف ، وفيه جواز الكفن في ثوبين ، وهو كفن الكفاية وكفن الضرورة واحد ، وفيه في قوله : في ثوبين استدلال بعضهم على إبدال ثياب المحرم ، وقال بعضهم : وليس بشيء ؛ لأنه سيأتي في الحج بلفظ : في ثوبه ، وللنسائي من طريق يونس بن نافع عن عمرو بن دينار : في ثوبيه الذين أحرم فيهما .

قلت : ظاهر متن الحديث هنا يدل على صحة استدلال بعضهم على إبدال ثياب المحرم ، وهذا يدل على أنه خرج من الإحرام ، ولا يضرنا رواية : ثوبيه ولا رواية النسائي ؛ لأن رواية : ثوبين أقوى ؛ لكون البخاري أخرجه من ثلاث طرق ، وفيه غسله بالسدر ، وهذا يدل على أنه خرج من الإحرام ، وعكس صاحب التوضيح ، فقال : غسله بالسدر يدل على أنه جائز للمحرم ، وفيه رد على مالك وأبي حنيفة وآخرين ؛ حيث منعوه . قلت : ظاهر الحديث يرد عليه كلامه ؛ لأن الأصل عدم جواز غسل المحرم بالسدر ، فلولا أنه خرج عن الإحرام ما أمر بغسله بالسدر ، وفيه إطلاق الواقف على الراكب ، والرجل لم يوقف على اسمه ، وكان وقوعه عن راحلته عند الصخرات موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قاله ابن حزم . وفيه أن الكفن من رأس المال ، وفيه أن المحرم إذا مات لا يكمل عليه غيره كالصلاة ، وقد وقع أجره على الله ، ومنه أخذ بعضهم أن النيابة في الحج لا تجوز ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم يأمر أحدا أن يكمل عن هذا الموقوص أفعال الحج ، ولا يخفى ما فيه من النظر ، وفيه أن إحرام الرجل في الرأس دون الوجه ، وفيه أن من شرع في طاعة ثم حال بينه وبين إتمامها الموت يرجى له أن الله تعالى يكتبه في الآخرة من أهل ذلك العمل ، ويقبله منه إذا صحت النية ، ويشهد له قوله تعالى : وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ الآية .

ورد في أحاديث2 حديثان
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث