حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب الكفن في القميص الذي يكف أو لا يكف ومن كفن بغير قميص

حدثنا مسدد قال : حدثنا يحيى بن سعيد ، عن عبيد الله قال : حدثني نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أن عبد الله بن أبي لما توفي جاء ابنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله أعطني قميصك أكفنه فيه وصل عليه واستغفر له ، فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم قميصه ، فقال : آذني أصلي عليه ، فآذنه ، فلما أراد أن يصلي عليه جذبه عمر رضي الله عنه ، فقال : أليس الله نهاك أن تصلي على المنافقين ؟ فقال : أنا بين خيرتين ، قال الله تعالى : اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ فصلى عليه فنزلت : وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا مطابقته للترجمة من حيث اشتماله على الكفن في القميص ، وذلك أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أعطى قميصه لعبد الله بن أبي ، وكفن فيه . ورجاله قد ذكروا غير مرة ، ويحيى بن سعيد هو القطان وعبيد الله بن عمر العمري . وأخرجه البخاري أيضا في اللباس عن صدقة بن الفضل .

وأخرجه مسلم في اللباس ، وفي التوبة عن محمد بن المثنى وأبي قدامة . وأخرجه الترمذي في التفسير عن محمد بن بشار . وأخرجه النسائي فيه ، وفي الجنائز عن عمرو بن علي .

وأخرجه ابن ماجه فيه عن أبي بشر بكر بن خلف . ذكر معناه : قوله : أن عبد الله بن أبي بضم الهمزة وفتح الباء الموحدة ، وتشديد الياء آخر الحروف ، ابن سلول رأس المنافقين ، وأبي هو أبو مالك بن الحارث بن عبيد ، وسلول امرأة من خزاعة ، وهي أم أبي مالك بن الحارث وأم عبد الله بن أبي خولة بنت المنذر بن حرام من بني النجار ، وكان عبد الله سيد الخزرج في الجاهلية ، وكان عبد الله هذا هو الذي تولى كبره في قصة الصديقة ، وهو الذي قال ليخرجن : الأعز منها الأذل ، وقال : لا تنفقوا علي من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ينفضوا ، ورجع يوم أحد بثلث العسكر إلى المدينة بعد أن خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم . قوله : لما توفي قال الواقدي : مرض عبد الله بن أبي في ليال بقين من شوال ، ومات في ذي القعدة سنة تسع منصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك ، وكان مرضه عشرين ليلة ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوده فيها ، فلما كان اليوم الذي توفي فيه دخل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يجود بنفسه ، فقال : قد نهيتك عن حب اليهود ، فقال : قد أبغضهم أسعد بن زرارة فما نفعه ؟ ثم قال : يا رسول الله ليس هذا بحين عتاب هو الموت ، فإن مت فاحضر غسلي ، وأعطني قميصك الذي يلي جسدك ، فكفني فيه وصل علي واستغفر لي ، ففعل ذلك به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال الحاكم : كان على النبي صلى الله عليه وسلم قميصان ، فقال عبد الله : وأعطني قميصك الذي يلي جسدك فأعطاه إياه ، وفي حديث الباب أن ابنه هو الذي أعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم قميصه على ما يجيء الآن .

قوله: جاء ابنه ، أي ابن عبد الله بن أبي ، وكان اسمه الحباب بضم الحاء المهملة وتخفيف الباء الموحدة ، وفي آخره باء أيضا فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعبد الله كاسم أبيه ، وهو من فضلاء الصحابة وخيارهم شهد المشاهد واستشهد يوم اليمامة في خلافة أبي بكر رضي الله تعالى عنه ، وكان أشد الناس على أبيه ولو أذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه لضرب عنقه . قوله : فقال أعطني قميصك القائل هو عبد الله بن عبد الله بن أبي . قوله: أكفنه فيه ، أي أكفن عبد الله بن أبي فيه .

قوله : فأعطاه قميصه ، أي أعطي النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عبد الله قميصه ، وهذا صريح في أن ابنه هو الذي أعطى له رسول الله صلى الله عليه وسلم قميصه ، وفي رواية للبخاري عن جابر رضي الله تعالى عنه على ما سيأتي إن شاء الله تعالى أنه أخرج بعدما أدخل حفرته ، فوضعه على ركبته ونفث فيه من ريقه وألبسه قميصه ، وكان أهل عبد الله بن أبي خشوا على النبي صلى الله عليه وسلم المشقة في حضوره ، فبادروا إلى تجهيزه قبل وصول النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما وصل وجدهم قد دلوه في حفرته ، فأمرهم بإخراجه إنجازا لوعده في تكفينه في القميص والصلاة عليه . فإن قلت : في رواية الواقدي إن عبد الله بن أبي هو الذي أعطاه النبي صلى الله عليه وسلم القميص ، وفي رواية البخاري أن ابنه هو الذي أعطاه النبي صلى الله عليه وسلم ، وفي رواية جابر أنه ألبسه قميصه بعدما أخرجه من حفرته . قلت رواية الواقدي وغيره لا تقاوم رواية البخاري ، وأما التوفيق بين رواتي ابن عمر وجابر رضي الله تعالى عنهم ، فقيل : إن معنى قوله في حديث ابن عمر : فأعطاه ، أي أنعم له بذلك ، فأطلق على الوعد اسم العطية مجازا لتحقق وقوعها ، وقال ابن الجوزي : يجوز أن يكون أعطاه قميصين قميصا للكفن ، ثم أخرجه فألبسه غيره .

والله أعلم . فإن قلت : ما الحكمة في دفع قميصه له ، وهو كان رأس المنافقين ؟ قلت : أجيب عن هذا بأجوبة ؛ فقيل : كان ذلك إكراما لولده ، وقيل : لأنه ما سئل شيئا فقال لا ، وقيل إنه صلى الله عليه وسلم قال : إن قميصي لن يغني عنه شيئا من الله ، إني أؤمل من أبيه أن يدخل في الإسلام بهذا السبب ، فروي أنه أسلم من الخزرج ألف لما رأوه يطلب الاستشفاء بثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم والصلاة عليه ، وقال أكثرهم : إنما ألبسه قميصه مكافأة لما صنع في إلباس العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم قميصه يوم بدر ، وكان العباس طويلا ، فلم يأت عليه إلا قميص ابن أبي ، وروى عبد بن حميد عن ابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم لم يخدع إنسانا قط ، غير أن ابن أبي قال يوم الحديبية كلمة حسنة ، وهي أن الكفار قالوا : لو طفت أنت بالبيت ، فقال : لا ، لي في رسول الله أسوة حسنة ، فلم يطف . قوله : فقال آذني ، أي أعلمني ، وهو أمر من آذن يؤذن إيذانا .

قوله : أصل عليه يجوز فيه الوجهان الجزم جوابا للأمر وعدم الجزم استئنافا قوله : فقال أليس الله نهاك ، أي فقال عمر للنبي صلى الله عليه وسلم : أليس الله نهاك أن تصلي على المنافقين ، وكلمة أن مصدرية تقديره : نهاك من الصلاة عليهم ، أخذ ذلك عمر رضي الله تعالى عنه من قوله تعالى : اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ وبهذا يدفع من يستشكل في قول عمر رضي الله تعالى عنه هذا ، فإن قوله تعالى : وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا نزل بعد ذلك كما يقتضيه سياق حديث الباب . فإن قلت : ليس فيه الصلاة . قلت : لما كانت الصلاة تتضمن الاستغفار وغيره أولها على ذلك ، وقال الإسماعيلي : الاستغفار والدعاء يسمى صلاة .

قوله : أنا بين خيرتين تثنية خيرة على وزن عنبة ، اسم من قولك : اختاره الله ، أي أنا مخير بين أمرين ، وهما الاستغفار وعدمه ، فأيهما أردت أختاره ، وقال الداودي : هذا اللفظ أعني قوله : أنا بين خيرتين غير محفوظ ؛ لأنه خلاف ما رواه أنس ، وأرى رواية أنس هي المحفوظة ؛ لأنه قال هناك : أليس قد نهاك الله تعالى أن تصلي على المنافقين ، ثم قال فنزلت : وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا جعل النهي بعد قوله : أليس قد نهاك ، وقال صاحب التوضيح : بل هو ، أي قوله : أنا بين خيرتين محفوظ ، وكان عمر رضي الله تعالى عنه فهم النهي من الاستغفار لاشتمالها عليه ، وقال صاحب التلويح : الصحيح ما رواه أنس رضي الله تعالى عنه : وإنما فعل ذلك رجاء التخفيف . قوله : قال استغفر لهم ، أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة ، ذكر السبعين على التكثير ، روي أنه صلى الله عليه وسلم قال : لأستغفرن لهم أكثر من سبعين ، فنزلت : سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ الآية ، فتركه ، واستغفار الشارع لسعة حلمه عمن يؤذيه ، أو لرحمته عند جريان القضاء عليهم ، أو إكراما لولده . وقيل : معنى الآية الشرط ، أي إن شئت فاستغفر ، وإن شئت فلا ، نحو قوله تعالى : قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ وقيل : معناه هما سواء .

وقيل : معناه المبالغة في اليأس ، وقال الفراء : ليس بأمر إنما هو على تأويل الجزاء ، وقال ابن النحاس : منهم من قال اسْتَغْفِرْ لَهُمْ منسوخ بقوله وَلا تُصَلِّ ومنهم من قال : لا ، بل هي على التهديد ، وتوهم بعضهم أن قوله : وَلا تُصَلِّ ناسخ له لقوله وَصَلِّ عَلَيْهِمْ وهو غلط ، فإن تلك نزلت في أبي لبابة وجماعة معه ، لما ربطوا أنفسهم لتخلفهم عن تبوك . ذكر ما يستفاد منه : فيه دلالة على الكفن في القميص ، وسواء كان القميص مكفوف الأطراف ، أو غير مكفوف . ومنهم من قال : إن القميص لا يسوغ إلا إذا كانت أطرافه غير مكفوفة ، أو كان غير مزرر ، ليشبه الرداء .

ورد البخاري ذلك بالترجمة المذكورة ، وفي الخلافيات للبيهقي من طريق ابن عون قال : كان محمد بن سيرين يستحب أن يكون قميص الميت كقميص الحي مكففا مزررا ، وفيه النهي عن الصلاة على الكافر الميت ، وهل يجوز غسله وتكفينه ودفنه أم لا ؟ فقال ابن التين : من مات له والد كافر لا يغسله ولده المسلم ، ولا يدخله قبره إلا أن يخاف أن يضيع فيواريه . نص عليه مالك في المدونة ، وروى أن عليا رضي الله تعالى عنه جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأخبره أن أباه مات ، فقال : اذهب فواره ، ولم يأمره بغسله ، وروي أنه أمره بغسله ، ولا أصل له ، كما قال القاضي عبد الوهاب ، وقال الطبري يجوز أن يقوم على قبر والده الكافر لإصلاحه ودفنه ، قال : وبذلك صح الخبر وعمل به أهل العلم ، وقال ابن حبيب : لا بأس أن يحضره ويلي أمر تكفينه ، فإذا كفن دفنه ، وقال صاحب الهداية : وإن مات الكافر وله ابن مسلم يغسله ويكفنه ويدفنه ، بذلك أمر علي رضي الله تعالى عنه في حق أبيه أبي طالب ، وهذا أخرجه ابن سعد في الطبقات ، فقال : أخبرنا محمد بن عمر الواقدي ، حدثني معاوية بن عبد الله بن عبيد الله بن أبي رافع ، عن أبيه ، عن جده ، عن علي قال : لما أخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم بموت أبي طالب بكى ، ثم قال لي : اذهب فاغسله وكفنه وواره ، قال : ففعلت ثم أتيته ، فقال لي : اذهب فاغتسل ، قال : وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يستغفر له أياما ، ولا يخرج من بيته حتى نزل جبرائيل عليه الصلاة والسلام بهذه الآية مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ الآية ، وقال صاحب الهداية : لكن يغسل غسل الثوب النجس ، ويلف في خرقة من غير مراعاة سنة التكفين من اعتبار عدد وغير حنوط ، وبه قال الشافعي ، وقال مالك وأحمد : ليس لولي الكافر غسله ولا دفنه ، ولكن قال مالك : له مواراته ، وفيه فضيلة عمر رضي الله تعالى عنه ، وفيه في قول عمر رضي الله تعالى عنه : أليس الله نهاك أن تصلي على المنافقين . جواز الشهادة على الإنسان بما فيه في الحياة والموت عند الحاجة وإن كانت مكروهة ، وفيه جواز المسألة لمن عنده جدة تبركا .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث