باب الكفن في القميص الذي يكف أو لا يكف ومن كفن بغير قميص
حدثنا مالك بن إسماعيل ، قال : حدثنا ابن عيينة ، عن عمرو ، سمع جابرا رضي الله عنه ، قال : أتى النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أبي بعدما دفن ، فأخرجه فنفث فيه من ريقه وألبسه قميصه . مطابقته للترجمة ظاهرة في قوله: وألبسه قميصه ، ومالك بن إسماعيل بن زياد النهدي الكوفي وابن عيينة هو سفيان ابن عيينة ، وعمرو هو ابن دينار . وأخرجه البخاري أيضا في الجنائز ، عن علي بن عبد الله ، وفي اللباس عن عبد الله بن عثمان ، وفي الجهاد عن عبد الله بن محمد الجعفي .
وأخرجه مسلم في التوبة ، عن زهير بن حرب ، وأبي بكر بن أبي شيبة ، وأحمد بن عبدة . وأخرجه النسائي في الجنائز عن الحارث بن مسكين ، وعبد الجبار بن علاء ، وعبد الله بن محمد الزهري ، فرقهم . ذكر معناه : قوله : أتى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم جملة من الفعل والفاعل ، وعبد الله بالنصب مفعوله .
قوله : بعدما دفن ، وهذا يدل على أنه صلى الله عليه وسلم ما جاءه إلا بعد أن دفنوه ، فلذلك قال : فأخرجه ، أي من قبره ، وقد ذكرنا فيما مضى أن أهل عبد الله بن أبي خشوا على النبي صلى الله عليه وسلم المشقة في حضوره ، فبادروا إلى تجهيزه قبل وصول النبي صلى الله عليه وسلم إلى آخر ما ذكرناه . قوله : فنفث فيه من ريقه ، وفي تفسير الثعلبي : لما مات عبد الله بن أبي انطلق ابنه ليؤذن به النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال له : ما اسمك ؟ قال : الحباب ؟ قال: أنت عبد الله ، والحباب شيطان ، ثم شهده النبي صلى الله عليه وسلم ونفث في جلده ودلاه في قبره ، فما لبث النبي صلى الله عليه وسلم إلا يسيرا حتى نزلت عليه : وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ الآية ، وفي تفسير أبي بكر بن مردويه من حديث ابن إسحاق عن الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس عن عمر : جاء عبد الله بن عبد الله ، فقال : يا رسول الله إن عبد الله قد وضع موضع الجنائز ، فانطلق فصلى عليه . قوله : وألبسه قميصه قد مر في حديث ابن عمر أن ابن عبد الله بن أبي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فسأله قميصه فأعطاه ، وقد ذكرنا هناك وجه التوفيق بين الروايتين ، وقال ابن الجوزي : يجوز أن يكون جابر شاهد من ذلك ما لم يشاهده ابن عمر ، وفي التلويح : كان البخاري فهم من قول جابر : أخرج بعد دفنه فيه ، وألبسه قميصه أنه كان دفن بغير قميص ، فلهذا بوب : ومن دفن بغير قميص .
قلت هذا الذي قاله إنما يتمشى على الترجمة التي في نسخته التي ادعى أنها كذلك في نسخة سماعه ، وقد ذكرناه وذكرنا أيضا أنه يجوز أن يكون أعطاه قميصين ، ويجوز أن يكون خلع عنه القميص الذي كفن فيه ، وألبسه قميصه صلى الله عليه وسلم . ذكر ما يستفاد منه : فيه جواز إخراج الميت من قبره لحاجة ، أو لمصلحة ونفث الريق فيه - قاله الكرماني ، وفي التوضيح : وهو دليل لابن القاسم الذي يقول بإخراجه إذا لم يصل عليه للصلاة ما لم يخش التغير ، وقال ابن وهب : إذا سوى عليه التراب فات إخراجه ، وقاله يحيى بن يحيى ، وقال أشهب : إذا أهيل عليه التراب فات إخراجه ، ويصلى عليه في قبره ، وفي المبسوط والبدائع : لو وضع الميت في قبره لغير القبلة ، أو على شقه الأيسر ، أو جعل رأسه في موضع رجليه وأهيل عليه التراب لا ينبش قبره لخروجه من أيديهم ، فإن وضع اللبن ، ولم يهل التراب عليه ينزع اللبن وتراعى السنة في وضعه ويغسل إن لم يكن غسل ، وهو قول أشهب ، ورواية ابن نافع عن مالك ، وقال الشافعي : يجوز نبشه إذا وضع لغير القبلة . وأما نقل الميت من موضع إلى موضع فكرهه جماعة ، وجوزه آخرون فقيل : إن نقل ميلا ، أو ميلين فلا بأس به ، وقيل : ما دون السفر .
وقيل : لا يكره السفر أيضا ، وعن عثمان رضي الله تعالى عنه : أنه أمر بقبور كانت عند المسجد أن تحول إلى البقيع ، وقال : توسعوا في مسجدكم ، وعن محمد أنه إثم ومعصية ، وقال المازري : ظاهر مذهبنا جواز نقل الميت من بلد إلى بلد ، وقد مات سعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد بالعقيق ودفنا بالمدينة ، وفي الحاوي : قال الشافعي : لا أحب نقله إلا أن يكون بقرب مكة ، أو المدينة ، أو بيت المقدس ، فأختار أن ينقل إليها لفضل الدفن فيها ، وقال البغوي والبندنيجي : يكره نقله ، وقال القاضي حسين والدارمي والبغوي : يحرم نقله ، قال النووي : هذا هو الأصح ، ولم ير أحمد بأسا أن يحول الميت من قبره إلى غيره ، وقال : قد نبش معاذ امرأته وحول طلحة وخالف الجماعة في ذلك .