باب الكفن من جميع المال
حدثنا أحمد بن محمد المكي قال : حدثنا إبراهيم بن سعد ، عن سعد ، عن أبيه قال : أتي عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه يوما بطعامه ، فقال : قتل مصعب بن عمير وكان خيرا مني فلم يوجد له ما يكفن فيه إلا بردة ، وقتل حمزة ، أو رجل آخر خير مني فلم يوجد له ما يكفن فيه إلا بردة ؛ لقد خشيت أن تكون قد عجلت لنا طيباتنا في حياتنا الدنيا ، ثم جعل يبكي . مطابقته للترجمة في قوله : فلم يوجد له ما يكفن فيه إلا بردة وكفن رسول الله صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير في بردته وحمزة بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه في بردته ، ولم يلتفت إلى غريم ولا إلى وصية ولا إلى وارث ، وبدأ بالتكفين على ذلك كله ، فعلم أن التكفين مقدم ، وأنه من جميع المال ؛ لأن جميع ما لهما كان لكل منهما بردة . ذكر رجاله .
وهم خمسة الأول أحمد بن محمد المكي الأزرقي أبو محمد . ويقال : الزرقي . الثاني : إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف ، مر في باب تفاضل أهل الإيمان .
الثالث أبوه سعد بن إبراهيم ، كان قاضي المدينة ، مات سنة خمس وعشرين ومائة . الرابع أبو سعد إبراهيم بن عبد الرحمن . الخامس : عبد الرحمن بن عوف أحد العشرة المبشرة ، أسلم قديما على يد الصديق ، وهاجر الهجرتين وشهد المشاهد ، وثبت يوم أحد وجرح عشرين جراحة ، وأكثر وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خلفه يوم تبوك ، مات سنة اثنتين وثلاثين ، ودفن في البقيع .
ذكر لطائف إسناده : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه العنعنة في موضع واحد ، وفيه القول في موضعين ، وفيه أن شيخه من أفراده ، وفيه الثلاثة البقية مدنيون ، وفيه إبراهيم يروي عن أبيه عن جده عن جد أبيه . توضيحه إبراهيم يروي عن أبيه سعد ، وسعد يروي عن أبيه إبراهيم ، وإبراهيم يروي عن أبيه عبد الرحمن ، فإبراهيم يروي عن أبيه ، عن جده إبراهيم ، ويروي عن جد أبيه عبد الرحمن فافهم . وأخرجه البخاري في الجنائز عن محمد بن مقاتل ، وفي المغازي عن عبدان ، كلاهما عن عبد الله بن المبارك ، عن شعبة ، عن سعد بن إبراهيم به .
ذكر معناه . قوله : أتي بضم الهمزة على صيغة المجهول ، وعبد الرحمن بالرفع ؛ لأنه نائب عن الفاعل . قوله: قتل على صيغة المجهول أيضا ، ومصعب بن عمير مرفوع كذلك ، وهو بضم الميم وسكون الصاد وفتح العين المهملتين ، وعمير بضم العين مصغر عمرو القرشي العبدري ، كان من أجلة الصحابة ، بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة يقرئهم القرآن ، ويفقههم في الدين ، وهو أول من جمع الجمعة بالمدينة قبل الهجرة ، وكان في الجاهلية من أنعم الناس عيشا ، وألينهم لباسا ، وأحسنهم جمالا ، فلما أسلم زهد في الدنيا وتقشف وتحشف ، وفيه نزل رجال صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ قتل يوم أحد شهيدا رضي الله تعالى عنه .
قوله: وكان خيرا مني يعني قال عبد الرحمن : كان مصعب خيرا مني ، إنما قال هذا القول تواضعا وهضما لنفسه كما قال صلى الله عليه وسلم : لا تفضلوني على يونس ابن متى ، وإلا فعبد الرحمن من العشرة المبشرة . قوله: إلا بردة واحدة البرود ، وهو رواية الكشميهني ، وفي رواية غيره: إلا برده بالضمير العائد عليه ، والبردة بضم الباء الموحدة النمرة كالمئزر ، وربما اتزر به ، وربما ارتدى ، وربما كان لأحدهم بردتان يترز بأحدهما ، ويرتدي بالأخرى ، وربما كانت كبيرة . وقيل : النمرة كل شملة مخططة من ميازر العرب ، وقال القتبي : هي بردة تلبسها الإماء ، وقال ثعلب : هي ثوب مخططة تلبسها العجوز ، وقيل : كساء ملون ، وقال الفراء : هي دراعة تلبس ، أو تجعل على الرأس فيها لونان سواد وبياض .
قوله : وقتل حمزة وهو حمزة بن عبد المطلب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخوه من الرضاعة يقال له : أسد الله ، وحين أسلم اعتز الإسلام بإسلامه ، استشهد يوم أحد ، وهو سيد الشهداء ، وفضائله كثيرة جدا . قوله : أو رجل آخر لم يعرف هذا الرجل ، ولم يقع هذا في أكثر الروايات ، ولم يذكر إلا حمزة ومصعب ، وكذا أخرجه أبو نعيم في مستخرجه من طريق منصور بن أبي مزاحم ، عن إبراهيم بن سعد . قوله: لقد خشيت إلى آخره من كلام عبد الرحمن ، وكان خوفه وبكاؤه وإن كان أحد العشرة المشهود لهم بالجنة مما كان عليه الصحابة من الإشفاق والخوف من التأخر عن اللحاق بالدرجات العلى وطول الحساب .
ذكر ما يستفاد منه : فيه ما ترجم البخاري من أن الكفن من جميع المال ، وهو قول جمهور العلماء . وفيه أنه صلى الله عليه وسلم كفن حمزة ومصعبا في برديهما ، وهو يدل على جواز التكفين في ثوب واحد عند عدم غيره ، والأصل ستر العورة ، وإنما استحب لهما صلى الله عليه وسلم التكفين في تلك الثياب التي ليست بسابغة ؛ لأنهما فيها قتلا ، وفيهما يبعثان إن شاء الله تعالى ، وفيه أن العالم يذكر سيرة الصالحين وتقللهم من الدنيا لتقل رغبته فيها ، ويبكي خوفا من تأخر لحاقه بالأخيار ، ويشفق من ذلك ، وفيه أنه ينبغي للمرء أن يتذكر نعم الله عنده ، ويعترف بالتقصير عن أداء شكرها ، ويتخوف أن يقاص بها في الآخرة ، ويذهب سعيه فيها .