باب اتباع النساء الجنائز
حدثنا قبيصة بن عقبة قال : حدثنا سفيان عن خالد عن أم الهذيل عن أم عطية رضي الله عنها قالت : نهينا عن اتباع الجنائز ، ولم يعزم علينا . مطابقته للترجمة من حيث إنه بين ما أبهمه البخاري في الترجمة في إطلاق الحكم بأنه منهي ، وسفيان هو الثوري ، وأم الهذيل هي حفصة بنت سيرين ، وأم عطية هي نسيبة ، وقد تقدم كل الرواة ، وتقدم الحديث أيضا في باب الطيب للمرأة عند غسلها من المحيض في كتاب الحيض من طريق أيوب عن حفصة عن أم عطية مطولا ، وفيه: وكنا ننهى عن اتباع الجنائز ، ورواه هشام بن حسان أيضا عن حفصة عن أم عطية ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وأخرج الإسماعيلي هذا الحديث من رواية يزيد بن أبي حكيم عن الثوري بإسناد هذا الباب ، ولفظه: نهانا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم . فإن قلت : هذا الحديث لا حجة فيه ؛ لأنه لم يسم الناهي فيه .
قلت : الذي أخرجه الإسماعيلي يرد ما قيل فيه من ذلك ، وهذا الباب مختلف فيه ؛ فالجمهور على أن كل ما ورد بهذه الصيغة حكمه حكم المرفوع ، وروى الطبراني عن إسماعيل بن عبد الرحمن بن عطية عن جدته أم عطية قالت : لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة جمع النساء في بيت ثم بعث إلينا عمر رضي الله تعالى عنه ، فقال : إني رسول رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إليكن بعثني لأبايعكن على أن لا تسرقن الحديث ، وفي آخره : وأمرنا أن نخرج في العيد العواتق ونهانا أن نخرج في جنازة ، وهذا يدل على أن حديث الباب مرسل . قوله : ولم يعزم علينا على صيغة المجهول ، أي لم يوجب ، ولم يفرض ، أو لم يشدد ، ولم يؤكد علينا في المنع كما أكد علينا في غيره من المنهيات ، فكان المعنى أنها قالت : كره لنا اتباع الجنائز من غير تحريم ، وقال القرطبي : ظاهر الحديث يقتضي أن النهي للتنزيه ، وبه قال جمهور أهل العلم ، وقال ابن المنذر : روينا عن ابن مسعود وابن عمر وعائشة وأبي أمامة أنهم كرهوا ذلك للنساء ، وكرهه أيضا إبراهيم والحسن ومسروق وابن سيرين والأوزاعي وأحمد وإسحاق ، وقال الثوري : اتباع النساء الجنائز بدعة ، وعن أبي حنيفة : لا ينبغي ذلك للنساء ، وروي إجازة ذلك عن ابن عباس والقاسم وسالم والزهري وربيعة وأبي الزناد ، ورخص فيه مالك ، وكرهه للشابة ، وعند الشافعي مكروه ، وليس بحرام ، ونقل العبدري عن مالك : يكره إلا أن يكون الميت ولدها أو والدها أو زوجها ، وكانت ممن يخرج مثلها لمثله ، وقال ابن حزم : لا يمنعن من اتباعها ، وآثار النهي عن ذلك لا تصح ؛ لأنها إما عن مجهول ، أو مرسلة ، أو عمن لا يحتج به ، وأشبه شيء فيه حديث الباب ، وهو غير مسند ؛ لأنا لا ندري من هو الناهي ، ولعله بعض الصحابة ، ثم لو صح مسندا لم يكن فيه حجة ، بل كان يكون على كراهة فقط ، وقد صح خلافه ، روى ابن أبي شيبة من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه : أنه صلى الله عليه وسلم كان في جنازة ، فرأى عمر رضي الله تعالى عنه امرأة فصاح بها ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : دعها يا عمر ، فإن العين دامعة والنفس مصابة والعهد قريب . قلت : أخرج الحاكم هذا ، وقال : صحيح على شرط الشيخين ، وفيه نظر ؛ لأن البيهقي نص على انقطاعه ، وفي سنده سلمة بن الأزرق قال ابن القطان : سلمة هذا لا يعرف حاله ، ولا أعرف أحدا من مصنفي الرجال ذكره ، وروى الحاكم قال : أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصفار ، حدثنا أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل ، حدثنا سعيد بن أبي مريم ، أخبرنا نافع بن يزيد ، أخبرني ربيعة بن سيف ، حدثني أبو عبد الرحمن الحبلي : عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : قبرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا ، فلما رجعنا وحاذينا بابه إذا هو بامرأة لا نظنه عرفها ، فقال : يا فاطمة من أين جئت قالت : جئت من أهل الميت رحمت إليهم ميتهم وعزيتهم ، قال : فلعلك بلغت معهم الكدى قالت : معاذ الله أن أبلغ معهم الكدى ، وقد سمعتك تذكر فيه ما تذكر ، قال : لو بلغت معهم الكدى ما رأيت الجنة حتى يرى جد أبيك .
والكدى المقابر ، قال : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه . قلت : كيف يقول : على شرط الشيخين وربيعة بن سيف لم يخرج له أحد منهما ، وقال الداودي : قولها: نهينا عن اتباع الجنائز ، أي إلى أن نصل إلى القبور ، وقولها : ولم يعزم علينا ، أي لا نأتي أهل الميت فنعزيهم ونترحم على ميتهم من غير أن نتبع جنازته ، وقال بعضهم : وفي أخذ هذا التفصيل من هذا السياق نظر . قلت : وفي نظره نظر ؛ لأن الحديث الذي رواه الحاكم عن عبد الله بن عمرو المذكور يساعده .
وقيل : يحتمل أن يكون المراد بقولها : ولم يعزم علينا ، أي كما عزم على الرجال بترغيبهم في اتباعها بحصول القيراط ، ونحو ذلك . انتهى . وأحسن حالات المرأة مع الجنازة أنها لا توجد في حضورها ، وقال الحازمي : أما باتباع الجنازة فلا رخصة لهن فيه ، وقد روي عن يزيد بن أبن حبيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حضر جنازة رجل ، فلما وضعت ليصلى عليها أبصر امرأة ، فسأل عنها ، فقيل : هي أخت الميت ، فقال لها : ارجعي فلم يصل عليها حتى توارت ، وقال لامرأة أخرى : ارجعي ، وإلا رجعت .