باب حد المرأة على غير زوجها
حدثنا إسماعيل قال : حدثني مالك ، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، عن حميد بن نافع ، عن زينب بنت أبي سلمة أخبرته قالت : دخلت على أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا ، ثم دخلت على زينب بنت جحش حين توفي أخوها فدعت بطيب فمست ثم قالت : ما لي بالطيب من حاجة غير أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر يقول : لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا . مطابقته للترجمة ظاهرة ، وإسماعيل هو ابن أويس ابن أخت مالك . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في الطلاق ، عن عبد الله بن يوسف ، وعن محمد بن كثير ، عن سفيان الثوري ، وعن آدم بن أبي إياس ، عن شعبة .
وأخرجه مسلم في الطلاق عن يحيى بن يحيى ، عن مالك به ، وعن عمرو الناقد وابن أبي عمر كلاهما عن سفيان بن عيينة به ، وعن محمد بن المثنى ، عن محمد بن جعفر وعبد الله بن معاذ ، عن أبيه ، عن شعبة به . وأخرجه أبو داود في الطلاق عن القعنبي ، عن مالك به . وأخرجه الترمذي في النكاح ، عن إسحاق بن موسى ، عن معن ، عن مالك به .
وأخرجه النسائي فيه عن الحارث بن مسكين ، وفيه وفي التفسير عن محمد بن سلمة ، وفي التفسير أيضا عن عمرو بن منصور ، وعن هناد وعن وكيع . ( ذكر معناه ) . قوله : ثم دخلت على زينب بنت جحش فاعل دخلت هو زينب بنت أم سلمة ، وكذلك في رواية مسلم والنسائي ثم دخلت وفي رواية أبي داود والترمذي فدخلت بالفاء ، وقال بعضهم : ووقع في رواية أبي داود ودخلت بالواو .
قلت : ما وجدت في نسخ أبي داود إلا بالفاء مثل رواية الترمذي ، والفرق بين هذه الروايات الثلاث على تقدير كون رواية أبي داود بالواو أن كلمة ثم للعطف على التراخي والمهلة والتشريك في الحكم والترتيب ، وكلمة الفاء للعطف على التعقيب وكلمة الواو العطف على الجمع . فإن قلت : على ما ذكرت معنى ثم يقتضي أن تكون قصة زينب هذه بعد قصة أم حبيبة ، ولا يصح ذلك ؛ لأن زينب ماتت قبل أبي سفيان بأكثر من عشر سنين على الصحيح . قلت : في دلالة ثم على الترتيب خلاف ، ولئن سلمنا ضعف الخلاف فإن ثم هاهنا لترتيب الإخبار لا لترتيب الحكم ، وذلك كما يقال : بلغني ما صنعت اليوم ثم ما صنعت أمس أعجب أي : ثم أخبرك أن الذي صنعته أمس أعجب ، وأما الفاء فإن الفراء قال : لا تفيد الترتيب مطلقا ولئن سلمنا فنقول : الترتيب ذكري لا معنوي ، وأما الواو فإنها لا تفيد الترتيب أصلا ، فإن صحت رواية الواو فلا إشكال أصلا فافهم ، فإنه موضع دقيق لم ينبه عليه أحد من الشراح .
قوله : حين توفي أخوها قال شيخنا زين الدين : فيه إشكال ؛ لأن لزينب ابنة جحش ثلاثة إخوة عبد الله وعبيد الله مصغرا وأبو أحمد ، مشهور بكنيته واسمه عبد على الصحيح ، وقيل : عبد الله ، ولا جائز أن يكون عبد الله مكبرا ؛ لأنه قتل بأحد قبل أن يتزوج النبي صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش ، ولا جائز أن يكون عبيد الله ؛ فإنه مات بالحبشة نصرانيا ، إما في سنة خمس أو في سنة ست ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج أم حبيبة بنت أبي سفيان بعده ، فإنه مات عنها بأرض الحبشة ، وكان تزوج النبي صلى الله عليه وسلم بها إما في سنة ست أو سبع على الخلاف المعروف فيه ، وزينب بنت أبي سلمة كانت حينئذ صغيرة وإن أمكن أن تعقل ذلك وهي صغيرة على بعد فيه . ولا جائز أيضا أن يكون أبا أحمد فإنها توفيت قبله وتأخر بعدها كما جزم به ابن عبد البر وغيره ، وأقرب الاحتمالات أن يكون عبيد الله الذي مات نصرانيا على بعد فيه . فإن قلت : مثلها لا يحزن على من مات كافرا في بيت النبوة قلت : ذاك الحزن بالجبلة والطبع فتعذر فيه ولا تلام به ، وقد بكى النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى قبر أمه توجعا لها ، وقيل : يحتمل أن يكون أخا لزينب بنت جحش من أمها أو من الرضاع .
قوله : فمست به أي شيئا من جسدها ، وفي رواية للبخاري في العدد فمست منه . ( ذكر ما يستفاد منه ) استدل به بعض الحنفية على وجوب إحداد المرأة على الزوج ، وقال الرافعي في الاستدلال : به نظر ؛ لأن الاستثناء من النفي إثبات للمنفي ، وإنما هو عدم الحل على غير الزوج بعد الثلاث فيكون الاستثناء إثباتا لحل الإحداد لا لوجوبه ، قلت : أجيب بأن ظاهر اللفظ وإن كان هكذا ولكن حمل على الوجوب لإجماع العلماء عليه . فإن قلت : الحسن البصري لا يرى وجوب الإحداد ، قلت : لا يصح هذا عن الحسن قاله ابن العربي .
فإن قلت : روى أحمد في ( مسنده ) من حديث أسماء بنت عميس قالت : دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم اليوم الثالث من قتل جعفر فقال : لا تحدي بعد يومك هذا . وفيه لا يجب الإحداد بعد اليوم الثالث ، بل فيه أنه لا يجوز لظاهر النهي . قلت : هذا الحديث مخالف للأحاديث الصحيحة في الإحداد فهو شاذ لا عمل عليه للإجماع إلى خلافه ، وأيضا أن جعفر بن أبي طالب كان قتل شهيدا والشهداء أحياء عند ربهم ، فلذلك نهى زوجته عن الإحداد عليه بعد الثلاث .
وهذا الجواب فيه نظر لا يخفى وهو أن الشهيد حي في حق الآخرة لا في حق الدنيا ؛ إذ لو كان حيا في حق الدنيا لما كان يجوز تزوج نسائه ولا كان تقسم تركته . فإن قلت : جعفر مقطوع له بالشهادة ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم أنه رآه يطير في الجنة بجناحين ، فقطعنا بأنه حي بخلاف عموم من قتل في حرب الكفار لقوله صلى الله عليه وسلم : لا تقولوا فلان مات شهيدا . قلت : قد أخبر عن جماعة بأنهم شهداء ولم ينه نساءه عن الإحداد عليهم كعبد الله بن حرام والد جابر بن عبد الله ، وقال في حمزة : إنه سيد الشهداء ، ومع هذا فلم ينقل أنه نهى نساءهم عن الإحداد عليهم ، وفيه دلالة لأبي حنيفة وأبي ثور أنه لا يجب الإحداد على الزوجة الذمية ؛ لأنه قيد ذلك بقوله : لامرأة تؤمن بالله وفيه دلالة على أن الإحداد لا يجب على الصبية ؛ لأنه لا تسمى امرأة إلا بعد البلوغ .