باب ما يكره من النياحة على الميت
حدثنا أبو نعيم ، قال : حدثنا سعيد بن عبيد ، عن علي بن ربيعة ، عن المغيرة رضي الله عنه قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : إن كذبا علي ليس ككذب على أحد ، من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار ، سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : من نيح عليه يعذب بما نيح عليه . مطابقته للترجمة ظاهرة . ( ذكر رجاله ) وهم أربعة : الأول أبو نعيم بضم النون الفضل بن دكين .
الثاني سعيد بن عبيد الطائي أبو الهذيل . الثالث علي بن ربيعة بفتح الراء الوالبي بكسر اللام والباء الموحدة يكنى أبا المغيرة . الرابع المغيرة بن شعبة .
( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه العنعنة في موضعين ، وفيه القول في موضعين ، وفيه السماع ، وفيه أن رواته كلهم كوفيون ، وفيه أن علي بن ربيعة ليس له في البخاري غير هذا الحديث ، وفيه أنه من الرباعيات ، وفيه سعيد عن علي قال بعضهم : وصرح في رواية مسلم بسماع سعيد ، عن علي ، ولفظه حدثنا قلت : لم نر في مسلم ذلك إلا في مقدمته ، وفي غيرها إنما هو بالعنعنة كما هو هاهنا . ( ذكر من أخرجه غيره ) أخرجه مسلم في الجنائز أيضا عن أبي بكر بن أبي شيبة ، وعن علي بن حجر ، وعن ابن أبي عمرو في مقدمة كتابه ، عن محمد بن عبد الله ، وأخرجه الترمذي فيه أيضا عن أحمد بن منيع . ( ذكر معناه ) قوله : إن كذبا بفتح الكاف وكسر الذال وبكسر الكاف وسكون الذال ، وكلاهما مصدر كذب يكذب فهو كاذب وكذاب وكذوب وكيذوبان ومكذبان ومكذبانة وكذبة مثل همزة ، وكذبذب مخفف وقد يشدد ، والكذب خلاف الصدق ، وقد استوفينا الكلام فيه في كتاب العلم في باب من كذب على النبي صلى الله عليه وسلم .
قوله : على أحد أي : غيري قال الكرماني : فإن قلت : الكذب على غيره أيضا معصية وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا قلت : الكذب عليه كبيرة ؛ لأنها على الصحيح ما توعد الشارع عليه بخصوصه ، وهذا كذلك بخلاف الكذب على غيره فإنه صغيرة ، مع أن الفرق ظاهر بين دخول النار في الجملة ، وبين جعل النار مسكنا ومثوى سيما وباب التفعيل يدل على المبالغة ، ولفظ الأمر على الإيجاب أو المراد بالمعصية في الآية الكبيرة أو الكفر بقرينة الخلود . قوله : فليتبوأ أي : فليتخذ له مسكنا في النار . قوله : من ينح عليه بضم الياء آخر الحروف وفتح النون وسكون الحاء المهملة من النوح ، وأصله يناح سقطت الألف علامة الجزم ؛ لأن من شرطية .
وقوله : يعذب على صيغة المجهول بالجزم ؛ لأنه جواب الشرط ، ويجوز فيه الرفع على تقدير فهو يعذب وهذه رواية الأكثرين ، ويروى من نيح عليه بكسر النون وسكون الياء وفتح الحاء على صيغة المجهول من الماضي ، وفي رواية الكشميهني من يناح ووجهها أن تكون من موصولة ، وفي رواية الطبراني عن علي بن عبد العزيز ، عن أبي نعيم بلفظ إذا نيح على الميت عذب بالنياحة عليه . قوله : بما نيح عليه الباء للسببية وما مصدرية أي : بسبب النوح عليه ، وهو بكسر النون عند الجميع ، ويروى ما نيح بغير الباء قال بعضهم : على أن ما ظرفية . قلت : في هذه الرواية تكون ما للمدة أي يعذب مدة النوح عليه ، ولا يقال : ما ظرفية ، ويجوز أن يكون بما نيح حالا ، وما موصولة أي : يعذب ملتبسا بما ندب عليه من الألفاظ يا جبلاه يا كهفاه ونحوهما على سبيل التهكم .
( ومما يستفاد منه ) أن النوح حرام بالإجماع لأنه جاهلي ، وكان صلى الله تعالى عليه وسلم يشترط على النساء في مبايعتهن على الإسلام أن لا ينحن ، والباب دال على أن النهي عن البكاء على الميت إنما هو إذا كان فيه نوح ، وأنه جائز بدونه فقد أباح عمر رضي الله تعالى عنه لهن البكاء بدونه ، وشرط الشارع في حديث المغيرة أنه يعذب بما نيح عليه يدل على أن البكاء بدونه لا عذاب فيه . ( ذكر الأحاديث الواردة في هذا الباب ) وفي ( التوضيح ) وفي الباب عن خمسة عشر صحابيا في لعن فاعله ، والوعيد والتبري ابن مسعود وأبو موسى ومعقل بن مقرن وأبو مالك الأشعري ، وأبو هريرة وابن عباس ومعاوية ، وأبو سعيد وأبو أمامة وعلي وجابر ، وقيس بن عاصم وجنادة بن مالك وأم عطية وأم سلمة ، وذكرهم بالعد دون بيان من استخرج أحاديثهم فنقول وبالله التوفيق . أما حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه عند البخاري على ما يأتي ، وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه .
وحديث أبي موسى عند البخاري أيضا على ما يأتي . وحديث معقل بن مقرون عند الكجي في ( السنن الكبير ) بسند صحيح عن عبد الله بن معقل بن مقرن لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المرنة ، والشاقة جيبها ، واللاطمة وجهها وحديث أبي مالك الأشعري عند مسلم من رواية أبي سلام أن أبا مالك الأشعري حدثه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن الفخر في الأحساب ، والطعن في الأنساب ، والاستسقاء بالأنواء والنياحة وقال : النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب ورواه ابن ماجه ولفظه النياحة من أمر الجاهلية ، وإن النائحة إذا لم تتب قطع الله لها ثيابا من قطران ودرعا من لهب النار . وحديث أبي هريرة عند الترمذي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أربع في أمتي من أمر الجاهلية ليس يدعهن الناس النياحة الحديث وتفرد به الترمذي .
وحديث ابن عباس أخرجه ابن مردويه في ( تفسيره ) بإسناده عنه وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ قال : منعهن أن ينحن . وكان أهل الجاهلية يمزقن الثياب ، ويخدشن الوجوه ، ويقطعن الشعور ، ويدعون بالثبور والثبور الويل . وحديث معاوية أخرجه ابن ماجه خطب معاوية بحمص فذكر في خطبته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن النوح وحديث أبي سعيد الخدري أخرجه أبو داود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لعن الله النائحة والمستمعة وحديث أبي أمامة أخرجه ابن ماجه أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لعن الخامشة وجهها ، والشاقة جيبها ، والداعية بالويل والثبور وحديث علي رضي الله تعالى عنه أخرجه ابن أبي شيبة في ( مصنفه ) عنه ، عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه نهى عن النوح وحديث جابر رضي الله تعالى عنه أخرجه ابن أبي شيبة أيضا عنه أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال : إنما نهيت عن النوح وحديث قيس بن عاصم أخرجه النسائي عنه قال : لا تنوحوا علي فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينح عليه .
وحديث جنادة بن مالك أخرجه الطبراني عنه قال : قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : ثلاث من فعل الجاهلية لا يدعهن أهل الإسلام استسقاء بالكواكب ، وطعن في النسب ، والنياحة على الميت . وحديث أم عطية عند البخاري ومسلم والنسائي . وحديث أم سلمة أخرجه ابن ماجه عنها ، عن النبي صلى الله عليه وسلم وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ قال : النوح .
قلت : وفي الباب أيضا عن امرأة من المبايعات وعن عمر ، وعن أنس ، وعن عمرو بن عوف وابن عمر وعمران بن حصين والعباس بن عبد المطلب ، وسلمان وسمرة وامرأة أبي موسى . فحديث امرأة من المبايعات أخرجه أبو داود عنها قالت : كان فيما أخذ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المعروف الذي أخذ علينا أن لا نعصيه فيه ، أن لا نخمش وجها ، ولا ندعو ويلا ، ولا نشق جيبا ، وأن لا ننشر شعرا . وحديث عمر رضي الله تعالى عنه أخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه ، وحديث أنس أخرجه النسائي أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أخذ على النساء حين بايعهن أن لا ينحن الحديث .
وحديث عمرو بن عوف أخرجه الطبراني في ( الكبير ) عن كثير بن عبد الله المزني ، عن أبيه ، عن جده قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ثلاث من أعمال الجاهلية لا يتركهن الناس الطعن في الأنساب ، والنياحة ، وقولهم : مطرنا بنجم كذا وكذا . وحديث ابن عمر أخرجه البيهقي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن النائحة ، والمستمعة ، والحالقة ، والسالقة ، والواشمة ، والمتوشمة وقال : ليس للنساء في اتباع الجنائز أجر . وحديث عمران بن حصين أخرجه النسائي عنه قال : الميت يعذب بنياحة أهله عليه ، فقال له رجل : أرأيت رجلا مات بخراسان وناح أهله عليه هاهنا أكان يعذب بنياحة أهله عليه ؟ فقال : صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذبت أنت .
وحديث العباس بن عبد المطلب أخرجه الطبراني في الكبير عنه قال : أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فقال : يا عباس ثلاث لا يدعهن قومك الطعن في النسب ، والنياحة ، والاستمطار بالأنواء . وحديث سلمان أخرجه الطبراني عنه ، عن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال : ثلاثة من الجاهلية : الفخر في الأحساب ، والطعن في الأنساب ، والنياحة . وحديث سمرة أخرجه البزار عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : الميت يعذب بما نيح عليه .
وحديث امرأة أبي موسى عند أبي داود قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ليس منا من حلق ، ومن سلق ، ومن خرق . قلت : امرأة أبي موسى أم عبد الله بنت أبي دومة . قوله : من حلق أي : شعره عند المصيبة إذا حلت به .
قوله : ومن سلق أي : رفع صوته عند المصيبة وقيل : أن تصك المرأة وجهها وأن تخدشه ويقال : صلق بالصاد . قوله : ومن خرق بالخاء المعجمة أي : شق ثيابه عند المصيبة .