حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب السرعة بالجنازة

حدثنا علي بن عبد الله ، قال : حدثنا سفيان قال : حفظناه عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أسرعوا بالجنازة فإن تك صالحة فخير تقدمونها إليه ، وإن تك سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم . مطابقته للترجمة ظاهرة . ورجاله قد ذكروا غير مرة ، وعلي بن عبد الله هو ابن المديني وسفيان هو ابن عيينة ، والزهري هو محمد بن مسلم .

( ذكر من أخرجه غيره ) أخرجه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب ، وأخرجه أبو داود ، عن مسدد يبلغ به ، وأخرجه الترمذي عن أحمد بن منيع ، وأخرجه النسائي عن قتيبة ، وأخرجه ابن ماجه عن ابن أبي شيبة وهشام بن عمار كلهم عن سفيان به . ( ذكر معناه ) . قوله : حفظناه ويروى حفظته قوله عن الزهري هو رواية المستملي بكلمة عن ، وفي رواية غيره من بدل عن قوله : أسرعوا أمر من الإسراع وليس المراد بالإسراع شدة الإسراع ، بل المراد المتوسط بين شدة السعي وبين المشي المعتاد بدليل قوله في حديث أبي بكرة : وإنا لنكاد أن نرمل ومقاربة الرمل ليس بالسعي الشديد قاله شيخنا زين الدين .

قلت : في رواية أبي داود عن عيينة بن عبد الرحمن ، عن أبيه أنه كان في جنازة عثمان بن أبي العاص ، وكنا نمشي مشيا خفيفا فلحقنا أبو بكرة فرفع صوته فقال : لقد رأيتنا ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نرمل رملا . قوله : نرمل من رمل رملا ورملانا إذا أسرع في المشي وهز منكبه . قلت : مراده الإسراع المتوسط ، ويدل عليه ما رواه ابن أبي شيبة في مصنفه من حديث عبد الله بن عمرو أن أباه أوصاه قال : إذا أنت حملتني على السرير فامش مشيا بين المشيين ، وكن خلف الجنازة فإن مقدمها للملائكة وخلفها لبني آدم .

قوله : بالجنازة أي : يحملها إلى قبرها ، وقيل : المراد الإسراع بتجهيزها وتعجيل الدفن بعد تيقن موته لحديث حصين بن وحوح أن طلحة بن البراء مرض فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده فقال : إني لا أرى طلحة إلا وقد حدث به الموت فآذنوني به وعجلوا ؛ فإنه لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهراني أهله رواه أبو داود . قلت : حصين بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين ، وابن وحوح بواوين مفتوحتين وحاءين مهملتين أولاهما ساكنة وهو أنصاري له صحبة قيل : إنه مات بالعذيب روى له أبو داود ، وروى الطبراني بإسناد حسن من حديث ابن عمر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إذا مات أحدكم فلا تحبسوه وأسرعوا به إلى قبره . وقال القرطبي : الأول أظهر وقال النووي : الثاني باطل مردود بقوله في الحديث تضعونه عن رقابكم .

ورد عليه بأن الحمل على الرقاب قد يعبر به عن المعاني كما تقول : حمل فلان على رقبته ذنوبا فيكون المعنى استريحوا من نظر من لا خير فيه ، ويدل عليه أن الكل لا يحملونه . قلت : ويؤيده حديث أبي داود والطبراني المذكور . قوله : فإن تك أصله فإن تكن حذفت النون للتخفيف والضمير الذي فيه يرجع إلى الجنازة التي هي عبارة عن الميت .

قوله : صالحة نصب على الخبرية . قوله : فخير مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي : فهو وخير تقدمونها إليه يوم القيامة أو هو مبتدأ أي : فثمة خير تقدمون الجنازة إليه يعني حاله في القبر حسن طيب فأسرعوا بها حتى تصل إلى تلك الحالة قريبا . قوله : إليه الضمير فيه يرجع إلى الخير باعتبار الثواب .

وقال ابن مالك : روي تقدمونه إليها أي : تقدمون الميت إليها أي إلى الخير ، وأنث الضمير على تأويل الخير بالرحمة أو الحسنى . قوله : فشر إعرابه مثل إعراب فخير . قوله : تضعونه أي : أنها بعيدة من الرحمة فلا مصلحة لكم في مصاحبتها .

( ذكر ما يستفاد منه ) فيه الأمر بالإسراع ، ونقل ابن قدامة أن الأمر فيه للاستحباب بلا خلاف بين العلماء ، وقال ابن حزم : وجوبه ، وفي شرح المهذب جاء عن بعض السلف كراهة الإسراع بالجنازة ، ولعله يكون محمولا على الإسراع المفرط الذي يخاف منه انفجار الميت وخروج شيء منه ، وقال بعضهم : والمراد بالإسراع شدة المشي ، وعلى ذلك حمله بعض السلف وهو قول الحنفية . وقال صاحب الهداية : ويمشون بها مسرعين دون الخبب ، وفي المبسوط ليس فيه شيء مؤقت غير أن العجلة أحب إلى أبي حنيفة . قلت : قوله وهو قول الحنفية غير صحيح ، ولم يقل أحد منهم بشدة المشي وعذا صاحب الهداية الذي لا يذكر إلا ما هو العمدة عند أبي حنيفة يقول : ويمشون بها مسرعين دون الخبب ، وقوله : دون الخبب يدل على أن المراد من الإسراع الإسراع المتوسط لا شدة الإسراع التي هي الخبب وهو العدو ، وكذلك المراد من قول صاحب المبسوط : العجلة أحب هي العجلة المتوسطة لا الشديدة .

والعجب من هذا القائل يقول : شدة المشي قول الحنفية ، ثم يذكر عن كتابين معتبرين في المذهب ما يدل على نفي شدة المشي ؛ لأن قوله : دون الخبب هو شدة المشي . وقال البيهقي في المعرفة : قال الشافعي : الإسراع بالجنازة هو فوق سجية المشي المعتاد ، ويكره الإسراع الشديد . فإن قلت : روى البخاري ومسلم من رواية عطاء قال : حضرنا مع ابن عباس رضي الله تعالى عنه جنازة ميمونة رضي الله تعالى عنها بسرف فقال ابن عباس : هذه ميمونة إذا رفعتم نعشها فلا تزعزعوه ولا تزلزلوه وارفقوا .

وروى ابن أبي شيبة في مصنفه عن محمد بن فضيل ، عن بنت أبي بردة ، عن أبي موسى قال : مر على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بجنازة وهي تمحض كما يمحض الزق فقال : عليكم بالقصد في جنائزكم . وهذا يدل على استحباب الرفق بالجنازة وترك الإسراع . قلت : أما ابن عباس فإنه أراد الرفق في كيفية الحمل لا في كيفية المشي بها ، وأما حديث أبي موسى فإنه منقطع بين بنت أبي بردة وبين أبي موسى ، ومع ذلك فهو ظاهر في أنه كان يفرط في الإسراع بها ، ولعله خشي انفجارها أو خروج شيء منه وكذا الحكم عند ذلك في كل موضع ، وفيه استحباب المبادرة إلى دفن الميت لكن بعد تحقق موته ، فإن من المرضى من يخفى موته ولا يظهر إلا بعد مضي زمان كالمسبوت ونحوه .

وعن ابن بزيزة ينبغي أن لا يسرع بتجهيزهم حتى يمضي يوم وليلة ليتحقق موتهم ، وفيه مجانبة صحبة أهل البطالة وصحبة غير الصالحين .

ورد في أحاديث2 حديثان
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث