حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب الصلاة على الجنائز بالمصلى والمسجد

حدثنا إبراهيم بن المنذر قال : حدثنا أبو ضمرة قال : حدثنا موسى بن عقبة ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن اليهود جاءوا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - برجل منهم وامرأة زنيا ، فأمر بهما فرجما قريبا من موضع الجنائز عند المسجد . وجه مطابقة هذا الحديث للترجمة لا يتأتى إلا إذا قلنا إن عند في قوله ( عند المسجد ) يكون بمعنى في ، أو نقول قوله باب الصلاة على الجنائز بالمصلى ، والمسجد يحتمل وجهين : أحدهما الاثبات ، والآخر النفي ، ولعل غرض البخاري النفي بأن لا يصلى عليها في المسجد بدليل تعيين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - موضع الجنازة عند المسجد ، ولو جاز فيه لما عينه في خارجه ، وبهذا يدفع كلام ابن بطال ليس فيه أي في حديث ابن عمر دليل على الصلاة في المسجد ، إنما الدليل في حديث عائشة : ( صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على سهيل بن بيضاء في المسجد ) ( قلت ) : لو كان إسناده على شرطه لأخرجه في ( صحيحه ) وقد استوفينا الكلام في هذا الباب فيما مضى عن قريب . ( ذكر رجاله ) وهم خمسة : الأول : إبراهيم بن المنذر بن عبد الله الحزامي وقد مر ، الثاني : أبو ضمرة بفتح الضاد المعجمة وسكون الميم وبالراء اسمه أنس بن عياض مر في باب التبرز في البيوت ، الثالث : موسى بن عقبة بضم العين وسكون القاف مر في أول الوضوء ، الرابع : نافع مولى ابن عمر ، الخامس : عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما .

( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع ، وفيه العنعنة في موضعين ، وفيه القول في موضعين ، وفيه أن رواته كلهم مدنيون . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري في التفسير وفي الاعتصام عن إبراهيم بن المنذر ، عن أنس بن عياض ، وأخرجه مسلم في الحدود عن أحمد بن يونس ، وأخرجه النسائي في الرجم عن محمد بن معدان أما رواية البخاري في التفسير فقال : حدثني إبراهيم بن المنذر ، حدثنا أبو ضمرة ، حدثنا موسى بن عقبة ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما : أن اليهود جاءوا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - برجل منهم وامرأة قد زنيا ، فقال لهم : كيف تفعلون بمن زنى منكم ؟ قالوا : نحممهما ونضربهما ، فقال : لا تجدون في التوراة الرجم ؟ فقالوا : لا نجد فيها شيئا ، فقال لهم عبد الله بن سلام : كذبتم فأتوا بالتوراة إن كنتم صادقين ، فوضع مدراسها الذي يدرسها منهم كفه على آية الرجم ، فطفق يقرأ ما دون يده وما وراءها ولا يقرأ آية الرجم ، فنزع يده عن آية الرجم فقال : ما هذه ؟ فلما رأوا ذلك قالوا : هي آية الرجم ، فأمر بهما فرجما قريبا من حيث توضع الجنائز عند المسجد ، فرأيت صاحبها يحني عليها يقيها الحجارة هذا لفظه في سورة آل عمران في التفسير ، وأما لفظه في كتاب الاعتصام فكلفظه هاهنا سندا ومتنا بعينهما . وأما رواية مسلم ففي الحدود حدثني الحكم بن موسى أبو صالح ، حدثنا شعيب بن إسحاق ، أخبرنا عبيد الله ، عن نافع أن عبد الله أخبره : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أتي بيهودي وبيهودية قد زنيا ، فانطلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى جاء يهود فقال : ما تجدون في التوراة على من زنى ؟ قالوا : نسود وجوههما ونحملهما ونخالف بين وجوههما ويطاف بهما ، قال : فأتوا بالتوراة إن كنتم صادقين ، فجاءوا بها فقرءوها حتى إذا مروا بآية الرجم وضع الفتى الذي يقرأ يده على آية الرجم وقرأ ما بين يديها وما وراءها ، فقال له عبد الله بن سلام وهو مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : مره فليرفع يده فرفعها فإذا تحتها آية الرجم ، فأمر بهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرجمهما .

قال عبد الله بن عمر : كنت فيمن رجمهما فلقد رأيته يقيها من الحجارة بنفسه . وأما رواية النسائي ففي الرجم : أخبرنا محمد بن معدان قال : حدثنا الحسن بن أعين قال : حدثنا زهير قال : حدثنا موسى ، عن نافع عن ابن عمر أن اليهود جاءوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - برجل منهم وامرأة قد زنيا ، قال : فكيف تفعلون بمن زنى منكم ؟ قالوا : نضربهما ، قال : ما تجدون في التوراة ؟ قالوا : ما نجد فيها شيئا ، فقال عبد الله بن سلام : كذبتم ، في التوراة الرجم فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين ، فجاءوا بالتوراة فوضع مدرسها الذي يدرسها منهم كفه على آية الرجم ، فطفق يقرأ ما دون يده وما وراءها ولا يقرأ آية الرجم ، فضرب عبد الله بن سلام يده فقال : ما هذه ؟ قال : هي آية الرجم ، فأمر بهما رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - فرجما قريبا حيث توضع الجنائز . قال عبد الله : فرأيت صاحبها يحني عليها ليقيها الحجارة وفي لفظ له : فجاءوا بالتوراة وجاءوا بقارئ لهم أعور فقرأ حتى انتهى إلى موضع منها وضع يده عليه ، فقيل : ارفع يدك ، فرفع فإذا هي تلوح ، فقال : يا محمد إن فيها الرجم ولكنا كنا نكاتمه الحديث ، وفي لفظ له : فقال له عبد الله بن سلام : ازحل كفك فإذا هو بالرجم يلوح قوله : ( نحممهما ) بالحاء المهملة أي نسودهما بالحممة وهي الفحمة ، وفي رواية مسلم : ( ونحملهما ) بالحاء واللام أي نحملهما على جمل ، وفي رواية : ( نجملهما ) بالجيم المفتوحة أي نجعلهما جميعا على الجمل .

قوله : ( لا تجدون في التوراة الرجم ) قالوا : هذا السؤال ليس لتقليدهم ولا لمعونة الحكم منهم ، وإنما هو لإلزامهم بما يعتقدونه في كتابهم ، ولعله – صلى الله عليه وسلم - قد أوحي إليه أن الرجم في التوراة الموجودة في أيديهم لم يغيروه كما غيروا أشياء ، أو أنه أخبره بذلك من أسلم منهم ، ولهذا لم يخف ذلك عليه حين كتموه . قوله : ( مدراسها ) بكسر الميم على وزن مفعال من أبنية المبالغة ، وهو صاحب دراسة كتبهم من درس يدرس درسا ودراسة ، وأصل الدراسة الرياضة والتعهد للشيء ، وكذلك المدرس بكسر الميم على وزن مفعل من أبنية المبالغة ، وجاء في حديث آخر ( حتى أتى المدراس ) بالكسر وهو البيت الذي يدرسون فيه ، ومفعال غريب في المكان . قوله : ( فطفق ) بكسر الفاء بمعنى أخذ في الفعل وشرع يعمل ، وهو من أفعال المقاربة .

قوله : ( يحني ) من حنى يحنو ويحني إذا أشفق وعطف . قوله : ( يقيها ) أي يحفظها من وقى يقي وقاية ، وهذه الجملة محلها النصب على الحال . قوله : ( ازحل ) بالزاي أزل كفك .

قوله : ( يلوح ) أي يظهر ويبرق . ( ذكر ما يستفاد منه ) فيه دليل لوجوب حد الزنا على الكافر ، وأنه يصح نكاحه . وقال النووي : لأنه لا يجب الرجم إلا على المحصن ، فلو لم يصح نكاحه لم يثبت إحصانه ولم يرجم .

( قلت ) : من جملة شروط الإحصان الإسلام لقوله صلى الله عليه وسلم : من أشرك بالله فليس بمحصن رواه الدارقطني ، وعن أبي يوسف أنه ليس بشرط وبه قال الشافعي وأحمد ، واستدلوا على ذلك بحديث الباب . قلنا : كان ذلك بحكم التوراة قبل نزول آية الجلد في أول ما دخل عليه الصلاة والسلام المدينة وصار منسوخا بها ، ثم نسخ الجلد في حق المحصن والكافر ليس بمحصن وهو قول علي وابن عباس وابن عمر ومالك رضي الله تعالى عنهم . ( فإن قلت ) : روى مسلم من حديث عبادة بن الصامت قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة ، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم فالنبي - صلى الله عليه وسلم - فرق بينهما بالثيوبة فمن فرق بينهما بالإسلام فقد زاد على النص .

( قلت ) : هذا منسوخ لأنه صلى الله عليه وسلم ما كان يحكم بعد نزول القرآن إلا بما فيه ، وفيه النص على الجلد فقط . ( فإن قلت ) : روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا قبلوا عقد الذمة فأعلموهم أن لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين ، والرجم على المسلم الثيب ، فكذا على الكافر الثيب . ( قلت ) : الرجم غير واجب على كافة المسلمين ، فدل على أنه يختص بالزناة المحصنين دون غيرهم .

ثم اعلم أن العلماء أجمعوا على وجوب حد جلد الزاني البكر مائة ، ورجم المحصن وهو الثيب ، ولم يخالف في هذا أحد من أهل القبلة إلا ما حكى القاضي وغيره عن الخوارج وبعض المعتزلة كالنظام وأصحابه فإنهم لم يقولوا بالرجم ، واختلفوا في جلد الثيب مع الرجم ، فقالت طائفة : يجب الجمع بينهما فيجلد ثم يرجم وبه قال علي بن أبي طالب والحسن البصري وإسحاق بن راهويه وداود وأهل الظاهر وبعض أصحاب الشافعي ، وقال جماهير العلماء : الواجب الرجم وحده ، وحكى القاضي عياض عن طائفة من أهل الحديث أنه يجب الجمع بينهما إذا كان الزاني شيخا ثيبا ، وإن كان شابا ثيبا اقتصر على الرجم ، وهذا مذهب باطل لا أصل له ، والمراد من البكر من الرجال من لم يجامع في نكاح صحيح وهو حر عاقل بالغ ، والمراد من الثيب من جامع في دهره مرة بنكاح صحيح وهو حر عاقل بالغ ، والرجل والمرأة في هذا سواء . قال النووي : وسواء في كل هذا المسلم والكافر والرشيد والمحجور عليه بسفه ، وقال أيضا : وأما قوله صلى الله عليه وسلم في البكر : ونفي سنة ففيه حجة للشافعي والجماهير أنه يجب نفيه سنة رجلا كان أو امرأة ، وقال الحسن : لا يجب النفي ، وقال مالك والأوزاعي : لا نفي على النساء ، وروي مثله عن علي رضي الله تعالى عنه ، قالوا : لأنها عورة وفي نفيها تضييع لها وتعريض للفتنة ، ولهذا نهيت عن المسافرة إلا مع محرم . وأما العبد والأمة ففيهما ثلاثة أقوال للشافعي : أحدهما : يغرب كل واحد منهما سنة لظاهر الحديث ، وبه قال الثوري وأبو ثور وداود وابن جرير ، والثاني : يغرب نصف سنة وهذا أصح الأقوال ، والثالث : لا يغرب المملوك أصلا ، وبه قال الحسن وحماد ومالك وأحمد وإسحاق .

وفيه أن الكفار مخاطبون بفروع الشرع ، قاله النووي . ( قلت ) : فيه اختلاف بين العلماء على ما عرف في موضعه ، وفيه أن الكفار إذا تحاكموا إلينا حكم القاضي بينهم بحكم شرعنا ، ( فإن قلت ) : كيف رجم اليهوديان أبالبينة أم بالإقرار ؟ ( قلت ) : الظاهر أنه بالإقرار وقد جاء في سنن أبي داود وغيره أنه شهد عليهما أربعة أنهم رأوا ذكره في فرجها ، فإن كان الشهود مسلمين فظاهر ، وإن كانوا كفارا فلا اعتبار بشهادتهم ويتعين أنهما أقرا بالزنا .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث