باب ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور
( باب ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور ) ( ولما مات الحسن بن الحسن بن علي رضي الله عنهم ضربت امرأته القبة على قبره سنة ، ثم رفعت فسمعوا صائحا يقول : ألا هل وجدوا ما فقدوا ؟ فأجابه الآخر : بل يئسوا فانقلبوا ) مطابقة هذا للترجمة من حيث إن هذه القبة المضروبة لم تخل عن الصلاة فيها ، واستلزم ذلك اتخاذ المسجد عند القبر ، وقد يكون القبر في جهة القبلة فتزداد الكراهة . وقال ابن بطال : ضربت القبة على الحسن وسكنت فيها وصليت فيها فصارت كالمسجد ، وأورد البخاري ذلك دليلا على الكراهة ، وكره أحمد أن يضرب على القبر فسطاطا ، وأوصى إبراهيم مرة أن لا تضربوا علي فسطاطا ، وقال ابن حبيب : ضربه على قبر المرأة أفضل من ضربه على قبر الرجل ، وضرب عمر رضي الله تعالى عنه على قبر زينب بنت جحش ، وقال ابن التين : وممن كره ضربه على قبر الرجل ابن عمر وأبو سعيد وابن المسيب ، وضربت عائشة على قبر أخيها فنزعه ابن عمر ، وضربه محمد بن الحنفية على قبر ابن عباس ، وقال ابن حبيب : أراه في اليوم واليومين والثلاثة واسعا إذا خيف من نبش أو غيره ، والحسن بن الحسن بلفظ التكبير فيهما ابن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم أحد أعيان بني هاشم فضلا وخبرا مات سنة سبع وتسعين ، وامرأته فاطمة بنت حسين بن علي وهي التي حلفت له ج٨ / ص١٣٥بجميع ما تملكه أنها لا تزوج عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان ثم تزوجته فأولدها محمد الديباج .
قوله : ( قبة ) بضم القاف وتشديد الباء الموحدة ، قال الجوهري : القبة بالضم من البناء والجمع قبب وقباب ، وقال ابن الأثير : القبة من الخيام بيت صغير مستدير وهو من بيوت العرب ، وضرب القبة نصبها وإقامتها على أوتاد مضروبة في الأرض ، وجاء في رواية المغيرة بن مقسم : لما مات الحسن بن الحسن ضربت امرأته على قبره فسطاطا وأقامت عليه سنة ، قال الجوهري : الفسطاط بيت من شعر ، وفي المغرب هو خيمة عظيمة ، وفي الباهر هو مضرب السلطان الكبير وهو السرادق أيضا ، وقال الزمخشري : هو ضرب من الأبنية في السفر دون السرادق ، وقال ابن قرقول : هو الخباء ونحوه ، وقال ابن السكيت : فسطاط بضم الفاء وفسطاط بكسرها وفستاط وفستاط وفساط وفساط والجمع فساطيط وفساسيط ، وفي الباهر وفساتيط . قوله : ( ثم رفعت ) على بناء الفاعل بفتح الراء وبضمها أيضا على بناء المفعول . قوله ( فسمعت ) ويروى ( فسمعوا ) ، قوله : ( ما فقدوا ) ويروى ( ما طلبوا ) ، قوله : ( فأجابه آخر ) أي صائح آخر ، وقال ابن التين : يحتمل أن يكون هذان الصائحان من مؤمني الجن أو من الملائكة .
85 - حدثنا عبيد الله بن موسى ، عن شيبان ، عن هلال هو الوزان ، عن عروة ، عن عائشة رضي الله عنها عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في مرضه الذي مات فيه : " لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مسجدا " قالت : ولولا ذلك لأبرزوا قبره غير أني أخشى أن يتخذ مسجدا . مطابقته للترجمة من حيث التلازم ، وذلك أن الترجمة اتخاذ المسجد على القبر ، ومدلول الحديث اتخاذ القبر مسجدا ، ولكنهما متلازمان وإن كان مفهوماهما متغايرين . ( ذكر رجاله ) وهم خمسة : الأول : عبيد الله بن موسى أبو محمد العبسي وقد مر غير مرة ، الثاني : شيبان بفتح الشين المعجمة وسكون الياء آخر الحروف بعدها الباء الموحدة ابن عبد الرحمن التميمي النحوي ، الثالث : هلال بن حميد ويقال ابن عبد الله الوزان ، الرابع : عروة بن الزبير بن العوام ، الخامس : عائشة أم المؤمنين .
( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع ، وفيه العنعنة في أربعة مواضع أن شيخه بصري سكن الكوفة ، وشيبان وهلال كوفيان ، وعروة مدني ، وفيه أن هلالا مذكور بصنعته المشهور أنه ابن أبي حمد ، وكذا وقع منسوبا عند ابن أبي شيبة والإسماعيلي وغيرهما ، وقيل : قال البخاري في تاريخه : قال وكيع : هلال بن حميد ، وقال مرة : هلال بن عبد الله ولا يصح ، ( قلت ) : وقال ابن أبي حاتم : هلال بن مقلاص . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري في الجنائز أيضا عن موسى بن إسماعيل ، وأخرجه في المغازي عن الصلت بن محمد ، وأخرجه مسلم في الصلاة عن أبي بكر بن أبي شيبة وعمرو الناقد كلاهما عن هاشم بن القاسم عن شيبان به . ( ذكر معناه ) قوله : ( في مرضه ) إنما قاله في مرضه تحذيرا مما صنعوه ، قوله : ( لعن الله ) اللعن الطرد والإبعاد فهم مطرودون ومبعودون من الرحمة ولعنوا بكفرهم ، قوله : ( مسجدا ) وفي رواية الكشميهني ( مساجدا ) ، قوله : ( ولولا ذلك لأبرز ) حاصله لولا خشية الاتخاذ لأبرز قبره أي لكشف قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يتخذ عليه الحائل ، ولكن خشية الاتخاذ موجودة فامتنع الإبراز ؛ لأن لولا لامتناع الشيء لوجود غيره ، وهذا قالته عائشة قبل أن يوسع المسجد ، ولهذا لما وسع المسجد جعلت حجرتها مثلثة الشكل محددة حتى لا يتأتى لأحد أن يصلي إلى جهة القبر مع استقبال القبلة ، وفي رواية ( لأبرزوا ) بلفظ الجمع أي لكشفوا قبره كشفا ظاهرا من غير بناء بني عليه يمنع من الدخول إليه ، قوله : ( غير أنه خشي ) والهاء في أنه ضمير الشأن ، وخشي على صيغة المجهول ، وكذا في رواية مسلم ، وفي رواية ( خشي ) على بناء المعلوم ، فعلى هذا الضمير في أنه يرجع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - أي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خشي أن يتخذ قبره مسجدا وأمرهم بترك الإبراز ، وفي رواية ( إني أخشى ) وهذه تقتضي أنها هي التي منعت من إبرازه .
ومما ج٨ / ص١٣٦يستفاد منه أن قوله صلى الله تعالى عليه وسلم هذا من باب قطع الذريعة لئلا يعبد قبره الجهال كما فعلت اليهود والنصارى بقبور أنبيائهم ، وكره مالك المسجد على القبور ، وإذا بني مسجد على مقبرة دائرة ليصلى فيه فلا بأس به ، وكره مالك الدفن في المسجد