حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب من أحب الدفن في الأرض المقدسة أو نحوها

( باب من أحب الدفن في الأرض المقدسة أو نحوها )

95 - حدثنا محمود قال : حدثنا عبد الرزاق قال : أخبرنا معمر ، عن ابن طاوس ، عن أبيه ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : أرسل ملك الموت إلى موسى عليهما السلام ، فلما جاءه صكه ، فرجع إلى ربه فقال : أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت ، فرد الله عليه عينه وقال : ارجع فقل له يضع يده على متن ثور فله بكل ما غطت به يده بكل شعرة سنة ، قال : أي رب ثم ماذا ؟ قال : ثم الموت ، قال : فالآن ، فسأل الله أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية بحجر قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " فلو كنت ثم لأريتكم قبره إلى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر " . مطابقته للترجمة في قوله ( فسأل الله أن يدنيه من الأرض المقدسة ) ( ذكر رجاله ) وهم ستة : الأول : محمود بن غيلان بالغين المعجمة مر في باب النوم قبل العشاء ، الثاني : عبد الرزاق بن همام وقد مضى ، الثالث : معمر بفتح الميمين ابن راشد وقد تكرر ذكره ، الرابع : عبد الله بن طاوس مر في باب المرأة تحيض ، الخامس : طاوس بن كيسان وقد مر غير مرة ، السادس : أبو هريرة رضي الله تعالى عنه .

( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه الإخبار بصيغة الجمع في موضع ، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع ، وفيه أن شيخه مروزي ، ومعمر بصري ، وعبد الرزاق وعبد الله بن طاوس وأبوه طاوس يمانيون ، وفيه رواية الابن عن الأب ، وفيه أن أبا هريرة لم يرفع الحديث هاهنا فلذلك عابه الإسماعيلي ورفعه في أحاديث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام على ما يجيء ، وأخرجه عن يحيى بن موسى ، وأخرجه مسلم في أحاديث الأنبياء عن محمد بن رافع وعبد بن حميد ، وأخرجه النسائي في الجنائز عن محمد بن رافع . ( ذكر معناه ) قوله : ( أرسل ) على صيغة المجهول ومعلوم أن الله هو الذي أرسله ، قوله : ( صكه ) أي ضربه بحيث فقأ عينه ، يدل عليه قوله : ( فرد الله عينه ) وقد صرح بذلك في رواية مسلم قال : حدثني محمد بن رافع ، وعبد بن حميد ، قال عبد : أخبرنا ، وقال ابن رافع : حدثنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر ، عن ابن طاوس ، عن أبيه ، " عن أبي هريرة قال : أرسل ملك الموت إلى موسى عليه الصلاة والسلام ، فلما جاءه صكه ففقأ عينه ، فرجع إلى ربه فقال : أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت قال : فرد الله إليه عينه " الحديث ، وفي رواية له : " جاء ملك الموت إلى موسى عليه الصلاة والسلام فقال له : أجب ربك ، قال : فلطم موسى عين ملك الموت ففقأها ، فرجع الملك إلى الله فقال : أرسلتني إلى عبد لك لا يريد الموت وقد فقأ عيني قال : فرد الله إليه عينه " الحديث ، وهذا الطريق مرفوع والذي قبله موقوف كما أخرجه البخاري ، وقال ابن خزيمة : أنكر بعض أهل البدع والجهمية هذا الحديث وقالوا : لا يخلو أن يكون موسى عليه الصلاة والسلام عرف ملك الموت أو لم يعرفه ، فإن كان عرفه فقد استخف به ، وإن كان لم يعرفه فرواية من روى أنه كان يأتي موسى عيانا لا معنى لها ، ثم إن الله تعالى لم يقتص لملك الموت من اللطمة وفقء العين والله تعالى لا يظلم أحدا . قال ابن خزيمة : وهذا اعتراض من أعمى الله بصيرته ، ومعنى الحديث صحيح وذلك أن موسى لم يبعث الله إليه ملك الموت وهو يريد قبض روحه حينئذ ، وإنما بعثه اختبارا وابتلاء ، كما أمر الله تعالى خليله بذبح ولده ولم يرد إمضاء ذلك ، ولو أراد أن يقبض روح موسى عليه الصلاة والسلام حين لطم الملك لكان ما أراد ، وكانت اللطمة مباحة عند موسى إذ رأى آدميا دخل عليه ولا يعلم أنه ملك الموت ، وقد أباح الرسول عليه الصلاة والسلام فقأ عين الناظر في دار المسلم بغير إذن ، ومحال أن يعلم موسى أنه ملك الموت ويفقأ عينه ، وقد جاءت الملائكة إلى إبراهيم عليه الصلاة والسلام فلم يعرفهم ابتداء ولو علمهم لكان من المحال أن يقدم إليهم عجلا لأنهم لا يطعمون ، وقد جاء الملك إلى مريم فلم تعرفه ولو عرفته لما استعاذت منه ، وقد دخل الملكان على داود عليه الصلاة والسلام في شبه آدميين يختصمان عنده فلم يعرفهما ، وقد جاء جبريل عليه الصلاة والسلام إلى سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسأله عن ج٨ / ص١٤٩الإيمان فلم يعرفه ، وقال : ما أتاني في صورة قط إلا عرفته فيها غير هذه المرة ، فكيف يستنكر أن لا يعرف موسى الملك حين دخل عليه .

وأما قول الجهمي إن الله تعالى لم يقتص للملك فهو دليل على جهله من الذي أخبره أن بين الملائكة والآدميين قصاصا ، أو من أخبره أن الملك طلب القصاص فلم يقتص له ، وما الدليل على أن ذلك كان عمدا وقد أخبرنا نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم أن الله تعالى لم يقبض نبيا قط حتى يريه مقعده في الجنة ويخبره ، فلم ير أن يقبض روحه قبل أن يريه مقعده من الجنة ويخبره . وقال ابن التين : وقول من قال فقأ عينه بالحجة ليس بشيء لما في الحديث فرد الله عينه . وقال الخطابي : ( فإن قيل ) : كيف يجوز أن يفعل موسى عليه الصلاة والسلام بالملك مثل هذا الصنيع ، أو كيف تصل يده إليه ، أو كيف لا يقبض الملك روحه ولا يمضي أمر الله تعالى به ؟ ( قلت ) : أكرم الله موسى عليه الصلاة والسلام في حياته بأمور أفرده بها ، فلما دنت وفاته لطف أيضا به بأن لم يأمر الملك به بأخذ روحه قهرا ، لكن أرسله على سبيل الامتحان في صورة البشر ، فاستنكر موسى عليه الصلاة والسلام شأنه ودفعه عن نفسه ، فأتى ذلك على عينه التي ركبت في الصورة البشرية التي جاءه فيها دون الصورة الملكية ، وقد كان في طبع موسى عليه الصلاة والسلام حدة ، روي أنه كان إذا غضب اشتعلت قلنسوته نارا .

وقال النووي : ( فإن قلت ) : كيف جاز عليه فقء عين الملك ؟ ( قلت ) : لا يمتنع أن يأذن الله له في هذه اللطمة ويكون ذلك امتحانا للملطوم ، والله يفعل ما يشاء . وقال ابن قتيبة في مختلف الحديث : أذهب موسى عليه الصلاة والسلام العين التي هي تخييل وتمثيل وليست على حقيقته ، وعاد ملك الموت إلى حقيقة خلقه الروحاني كما كان لم ينتقص منه شيء . قوله : ( قال أي رب ) أي قال موسى عليه الصلاة والسلام يا رب .

قوله : ( ثم ماذا ) وفي رواية ( ثم مه ) وهي ما الاستفهامية ولما وقف عليها زاد هاء السكت ، والمعنى ثم ما يكون بعد ذلك . قوله : ( قال ثم الموت ) أي قال الله تعالى : ثم يكون بعد ذلك الموت . قوله : ( قال فالآن ) أي قال موسى عليه الصلاة والسلام : فالآن يكون الموت ، ولفظ الآن ظرف زمان غير متمكن ، وهو اسم لزمان الحال ، وهو الزمان الفاصل بين الماضي والمستقبل وهو يدل على أن موسى عليه السلام لما خيره الله تعالى اختار الموت شوقا إلى لقاء ربه تعالى ، كما خير نبينا عليه الصلاة والسلام فقال : " الرفيق الأعلى " .

قوله : ( فسأل الله أن يدنيه من الأرض المقدسة ) أي فعند ذلك سأل موسى الله أن يقربه من الأرض المقدسة وهي بيت المقدس ، وقال ابن التين : الأرض المقدسة الشام ، ومعنى المقدسة المطهرة ، وكلمة أن مصدرية في محل النصب على المفعولية ، أي : سأل الله تعالى الدنو من بيت المقدس ليدفن فيه دنوا لو رمى رام الحجر من ذلك الموضع الذي هو الآن موضع قبره لوصل إلى بيت المقدس ، وإنما سأل ذلك لفضل من دفن في الأرض المقدسة من الأنبياء والصالحين ، فاستحب مجاورتهم في الممات كما في الحياة ، ولأن الناس يقصدون المواضع الفاضلة ويزورون قبورها ويدعون لأهلها . وقال المهلب : إنما سأل الدنو منها ليسهل على نفسه ويسقط عنه المشقة التي تكون على من هو بعيد منها وصعوبته عند البعث والحشر . ( فإن قلت ) : لم لم يسأل نفس البيت وسأل الدنو منه ؟ ( قلت ) : خاف أن يكون قبره مشهورا فيفتنن به الناس ، كما أخبر به الشارع أن اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد .

قوله : ( رمية بحجر ) يحتمل أن يكون على قربها دونها قدر رمية حجر أو أدنى من مكاني إلى الأرض المقدسة هذا القدر . ( فإن قلت ) : ما الحكمة في طلبه الدنو من الأرض المقدسة ؟ ( قلت ) : الحكمة في ذلك أن الله لما منع بني إسرائيل من دخول بيت المقدس ، وتركهم في التيه أربعين سنة إلى أن أفناهم الموت ولم يدخل الأرض المقدسة إلا أولادهم مع يوشع عليه السلام ، ومات هارون ثم موسى عليهما السلام قبل فتحها ، ثم إن موسى لما لم يتهيأ له دخولها لغلبة الجبارين عليها ، ولا يمكن نبشه بعد ذلك لينقل إليها طلب القرب منها لأن ما قارب الشيء أعطي حكمه ، وقيل : إنما طلب الدنو لأن النبي يدفن حيث يموت ولا ينقل ، قيل : فيه نظر ؛ لأن موسى قد نقل يوسف عليهما السلام إلى بلد إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام ( قلت ) : وفيه نظر ؛ لأن موسى ما نقله إلا بالوحي فكان ذاك مخصوصا به . قوله : ( فلو كنت ثم ) بفتح الثاء المثلثة ، وهو اسم يشار به ، ولما عرج النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى موسى قائما يصلي في قبره ، وفي المرآة اختلفوا في موضع قبر موسى عليه الصلاة والسلام على أقوال أحدها : أنه بأرض التيه هو وهارون عليهما الصلاة والسلام ، ولم يدخل الأرض المقدسة إلا رمية حجر ، رواه الضحاك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وقال : لا يعرف قبره ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبهم ذلك ج٨ / ص١٥٠بقوله : ( إلى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر ) ولو أراد بيانه لبين صريحا .

وقال ابن عباس : لو علمت اليهود قبر موسى وهارون لاتخذوهما إلهين من دون الله تعالى . وقال ابن إسحاق : لم يطلع على قبر موسى عليه الصلاة والسلام إلا الرخمة وهي التي أطلعت على قبر هارون لما دفن في التيه ، فنزع الله تعالى عقلها لئلا تدل عليه ، ومعنى عقلها إلهامها . الثاني : أنه بباب لد بالبيت المقدس ، وقال الطبري : هو الصحيح .

( قلت ) : كيف يكون هو الصحيح وقد قال ابن عباس ووهب وعامة العلماء إنه بأرض التيه . الثالث : أن قبره ما بين عالية وعويلة ، ذكره الحافظ أبو القاسم في تاريخ دمشق فقال : وروي أن قبر موسى بين عالية وعويلة ، وهما محلتان عند مسجد القدم ، ويقال : إن قبره رئي في المنام فيها ، قال : والأصح أنه بتيه بني إسرائيل . الرابع : أن قبره بواد في أرض مآب بين بصرى والبلقاء .

الخامس : أن قبره بدمشق ، ذكره الحافظ أبو القاسم عن كعب الأحبار ، وذكر ابن حبان في ( صحيحه ) : أن قبر موسى بمدين بين المدينة وبين المقدس ، واعترض عليه الضياء محمد بن عبد الواحد في كتابه علل الأحاديث بأن مدين ليست قريبة من القدس ولا من الأرض المقدسة ، وقد اشتهر أن قبره بأريحا وهي من الأرض المقدسة مرار ، ويقال : إنه قبر موسى صلى الله عليه وسلم وعنده كثيب أحمر - كما في الحديث - وطريق ، والدعاء عنده مستجاب . قوله : ( إلى جانب الطور ) ذكر ياقوت في كتاب المشترك أن الطور سبعة مواضع منها : جبل بيت المقدس يقال له طور زيتا ، وفي الأثر مات بطور زيتا سبعون ألف نبي قتلهم الجوع وهو شرقي وادي سلوان ، ومنها طور هارون علم لجبل عال مشرف من قبلي بيت المقدس فيه فيما قيل قبر هارون أخي موسى عليه الصلاة والسلام ، والظاهر أن الطور المذكور هو أحد الطورين المذكورين ولكن الأقرب أنه طور زيتا ، والله أعلم . قوله : ( عند الكثيب الأحمر ) هو الرمل المجتمع .

( ذكر ما يستفاد منه ) فيه دلالة ظاهرة على أن لموسى عليه الصلاة والسلام منزلة كبيرة ؛ حيث فقأ عين ملك الموت ولم يعاتبه عليه ، وفيه استحباب الدفن في المواضع الفاضلة والقرب من مدافن الصالحين ، وفيه أن للملك قدرة على التصور بصورة غير صورته ، وفيه في قوله : ( يضع يده على متن ثور ) دلالة على أن الدنيا بقي منها كثير وإن كان قد ذهب أكثرها ، وفيه دلالة على الزيادة في العمر مثل الحديث الآخر : " من سره أن يبسط في رزقه وينسأ في أثره فليصل رحمه " وهو يؤيد قول من قال في قوله تعالى : وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ الآية ، أنه زيادة ونقص في الحقيقة .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث