باب موعظة المحدث عند القبر وقعود أصحابه حوله
( باب موعظة المحدث عند القبر وقعود أصحابه حوله ) ( يوم يخرجون من الأجداث ، الأجداث القبور ) ( بعثرت أثيرت بعثرت حوضي أي جعلت أسفله أعلاه ) أشار به إلى قوله تعالى : وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ وأن معناه أثيرت من الإثارة ، وفي ( الصحاح ) قال أبو عبيدة : بعثر ما في القبور أثير وأخرج ، وقال في ( المجاز ) : بعثرت حوضي أي هدمته ، وفي ( المعاني ) للفراء : بعثرت وبحثرت لغتان ، وفي ( تفسير الطبري ) عن ابن عباس : بعثرت بحثت ، وفي ( المحكم ) : بعثر المتاع والتراب قلبه ، وبعثر الشيء فرقه ، وزعم يعقوب أن عينها بدل من غين بعثر أو غين بعثر بدل منها ، وبعثر الخبر بحثه ، وفي ( الواعي في اللغة ) : بعثرته إذا قلبت ترابه وبددته .
( الإيفاض الإسراع ) ( وقرأ الأعمش : " إلى نصب " إلى شيء منصوب يستبقون إليه ، والنصب واحد والنصب مصدر ) الأعمش هو سليمان ، قوله : ( إلى نصب ) بفتح النون ، كذا في رواية الأكثرين ، وفي رواية أبي ذر بالضم والأول أصح ، وهو قراءة الجمهور ، وحكى الطبري أنه لم يقرأه بالضم إلا الحسن البصري ، وفي ( المعاني ) للزجاج : قرئت " نصب " نصب بضم النون وسكون الصاد ، ونصب بضم النون والصاد ، ومن قرأ نصب ونصب فمعناه كأنهم يوفضون إلى علم منصوب لهم ، ومن قرأ نصب فمعناه إلى أصنام لهم ، وكانت النصب الآلهة التي كانت تعبد من أحجار ، وفي ( المنتهى ) : النصب والنصب والنصب بمعنى مثل العمر والعمر والعمر ، وقيل : النصب حجر ينصب فيعبد ويصب عليه دماء الذبائح ، وقيل : هو العلم ينصب للقوم أي علم كان ، وفي ( المحكم ) : النصب جمع نصيبة كسفينة وسفن ، وقيل : النصب الغاية ذكره عبد في تفسيره عن مجاهد وأبي العالية ، وضعفه ابن سيده ، وقال ابن التين : قرأ أبو العالية والحسن بضم النون والصاد ، وقال الحسن فيما حكاه عبد في تفسيره : كانوا يبتدرون إذا طلعت الشمس إلى نصبهم سراعا أيهم يستلمها أولا لا يلوي أولهم على آخرهم ، وقال أبو عبيدة : النصب بالفتح العلم الذي ينصب ، ونصب بالضم جماعة مثل رهن ورهن ، قوله : يُوفِضُونَ أي يسرعون وهو من الإيفاض كما مر ، وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا مسلم بن إبراهيم ، عن قرة ، عن الحسن في قوله : إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ أي يبتدرون أيهم يستلمه أول ، قوله : ( والنصب واحد والنصب مصدر ) أشار بهذا إلى أن لفظ النصب يستعمل اسما ج٨ / ص١٨٧ويستعمل مصدرا ويجمع على أنصاب ، وقال بعضهم : النصب واحد والنصب مصدر ، كذا وقع فيه ، والذي في ( المعاني ) للفراء : النصب والنصب واحد وهو مصدر والجمع أنصاب فكان التغيير من بعض النقلة . ( قلت ) : لا تغيير فيه لأن البخاري فرق بكلامه هذا بين الاسم والمصدر ، ولكن من قصرت يده عن علم الصرف لا يفرق بين الاسم والمصدر في مجيئها على لفظ واحد .
( يوم الخروج من القبور ينسلون يخرجون ) 117 - حدثنا عثمان قال : حدثني جرير ، عن منصور ، عن سعد بن عبيدة ، عن أبي عبد الرحمن ، عن علي رضي الله عنه قال : كنا في جنازة في بقيع الغرقد فأتانا النبي - صلى الله عليه وسلم - فقعد وقعدنا حوله ومعه مخصرة ، فنكس فجعل ينكت بمخصرته ثم قال : " ما منكم من أحد ما من نفس منفوسة إلا كتب مكانها من الجنة والنار ، وإلا قد كتب شقية أو سعيدة ، فقال رجل : يا رسول الله أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل ، فمن كان منا من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة ، وأما من كان منا من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة ؟ قال : أما أهل السعادة فييسرون لعمل السعادة ، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل الشقاوة ، ثم قرأ : فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى الآية " . مطابقته للترجمة في قوله ( فقعد وقعدنا حوله ) وكان في قعوده صلى الله تعالى عليه وسلم وكلامه بما قاله فيه وعظ لهم .
( ذكر رجاله ) وهم ستة : الأول : عثمان بن محمد بن أبي شيبة واسمه إبراهيم أبو الحسن العبسي ، الثاني : جرير بن عبد الحميد الضبي ، الثالث : منصور بن المعتمر ، الرابع : سعد بن عبيدة بضم العين وفتح الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف وقد مر في آخر كتاب الوضوء ، الخامس : أبو عبد الرحمن هو عبد الله بن حبيب بفتح الحاء المهملة مر في باب غسل المذي في كتاب الغسل ، السادس : علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه العنعنة في أربعة مواضع ، وفيه القول في موضع واحد ، وفيه أن شيخه مذكور غير منسوب ، وكذلك اثنان فيما بعده ، وفيه أحدهم مذكور بكنيته ، وفيه أن رواته كلهم كوفيون إلا أن جريرا رازي وأصله من الكوفة ، وفيه رواية التابعي عن التابعي عن الصحابي . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في التفسير عن آدم بن أبي إياس ، وعن بشر بن خالد ، عن محمد بن جعفر ، وعن يحيى ، عن وكيع ، ثلاثتهم عن شعبة ، وعن أبي نعيم ، عن سفيان ، وعن مسدد ، عن عبد الواحد بن زياد ، ثلاثتهم عن الأعمش عنه به ، وفي القدر عن عبدان ، وفي الأدب عن بندار عن غندر .
وأخرجه مسلم في القدر عن عثمان ابن أبي شيبة ، وإسحاق بن إبراهيم ، وزهير بن حرب ، ثلاثتهم عن جرير به ، وعن أبي بكر بن أبي شيبة ، وزهير بن حرب ، وأبي سعيد الأشج ، ثلاثتهم عن وكيع به ، وعن أبي بكر بن أبي شيبة ، وهناد بن السري ، وعن محمد بن عبد الله بن نمير ، وعن أبي كريب ، وعن أبي موسى ، وابن بشار . وأخرجه أبو داود في السنة عن مسدد . وأخرجه الترمذي في القدر عن الحسن بن علي الخلال ، وفي التفسير عن بندار .
وأخرجه النسائي في التفسير عن محمد بن عبد الأعلى ، وعن إسماعيل بن مسعود . وأخرجه ابن ماجه في السنة عن عثمان بن أبي شيبة ، وعن علي بن محمد ، عن أبي معاوية ، ووكيع به . ج٨ / ص١٨٨( ذكر معناه ) قوله : ( في بقيع ) بفتح الباء الموحدة وكسر القاف ، وهو من الأرض موضع فيه أروم شجر من ضروب شتى ، وبه سمي بقيع الغرقد بالمدينة ، وهي مقبرة أهلها ، والغرقد بفتح الغين المعجمة وسكون الراء وفتح القاف وفي آخره دال مهملة ، وهو شجر له شوك كان ينبت هناك فذهب الشجر وبقي الاسم لازما للموضع ، وقال الأصمعي : قطعت غرقدات في هذا الموضع حين دفن فيه عثمان بن مظعون رضي الله تعالى عنه ، وقال ياقوت : وبالمدينة أيضا بقيع الزبير ، وبقيع الخيل عند دار زيد بن ثابت ، وبقيع الخبجبة بفتح الخاء المعجمة والباء الموحدة الساكنة والجيم المفتوحة والباء الموحدة الأخرى ، كذا ذكره السهيلي وغيره يقول : الجبجبة بجيمين ، وبقيع الخضمات ، قال الخطابي : ومن الناس من يقوله بالباء ، وقال أبو حنيفة : الغرقد وأحدها غرقدة ، وإذا عظمت العوسجة فهي غرقدة ، والعوسج من شجر الشوك له ثمر أحمر مدور كأنه خرز العقيق ، وقال أبو العلاء المعري : هو نبت من نبات السهل ، وقال أبو زيد الأنصاري : الغرقد ينبت بكل مكان ما خلا حر الرمل ، وذكر ابن البيطار في ( جامعه ) : أن الغرقد اسم عربي يسمي به بعض العرب النوع الأبيض الكبير من العوسج ، قال أبو عمر : إن مضغه مر ، وفي الحديث في ذكر الدجال : " كل شيء يواري يهوديا ينطق إلا الغرقد فإنه من شجرهم فلا ينطق " ، وقال الأصمعي : الغرقد من شجر الحجاز ، وفي ( المحكم ) : بقيع الغرقد يسمى كفنة لأنه يدفن فيه .
قوله : ( ومعه مخصرة ) بكسر الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح الصاد المهملة والراء ، وهو شيء يأخذه الرجل بيده ليتوكأ عليه مثل العصا ونحوه ، وهو أيضا ما يأخذه الملك يشير به إذا خطب ، واختصر الرجل أمسك المخصرة ، قال ابن قتيبة : التخصير إمساك القضيب باليد ، وجزم ابن بطال أنه العصا ، وقال ابن التين : عصا أو قضيب . قوله : ( فنكس ) بتخفيف الكاف وتشديدها لغتان أي خفض رأسه وطأطأ به إلى الأرض على هيئة المهموم المفكر ، ويحتمل أيضا أن يراد بنكس نكس المخصرة ، قوله : ( ينكت ) من النكت ، وهو أن يضرب في الأرض بقضيب يؤثر فيها ، ويقال : النكت قرعك الأرض بعود أو بأصبع يؤثر فيها ، قوله : ( منفوسة ) أي مصنوعة مخلوقة ، قوله : ( إلا كتب ) على صيغة المجهول ، قوله : ( مكانها ) بالرفع مفعول ناب عن الفاعل ، وأصله كتب الله مكان تلك النفس المخلوقة وكلمة من للبيان ، قوله : ( والنار ) قال الكرماني : الواو في النار بمعنى أو ، ( قلت ) : لم أدر ما حمله على هذا ، قوله : ( وإلا ) كلمة إلا الثانية تروى بالواو وتروى بدونها وفيه غرابة من الكلام ، وهي أن قوله " ما من نفس " يحتمل أن يكون بدلا من قوله " ما منكم " وأن يكون إلا ثانيا بدلا من إلا أو لا ، ويحتمل أن يكون من باب اللف والنشر ، وأن يكون تعميما بعد تخصيص ؛ إذ الثاني في كل منها أعم من الأول ، قوله : ( شقية ) قال الكرماني : بالرفع أي هي شقية ، ( قلت ) : وجه ذلك هو أن الضمير في قوله " إلا قد كتب " يرجع إلى قوله " مكانها " لأنه بدل منه فلا يصح أن يكون ارتفاع شقية إلا بتقدير شيء محذوف حينئذ ، وهو لفظ هي على أنه مبتدأ وشقية خبره ، قوله : ( فقال رجل ) قيل : إنه عمر وقيل إنه غيره ، قوله : ( أفلا نتكل على كتابنا ) أي الذي قدر الله علينا ، ونتكل أي نعتمد ، وأصله نوتكل فأبدلت التاء من الواو وأدغمت في الأخرى لأن أصله من وكل يكل ، قوله : ( وندع العمل ) أي نتركه ، قوله : ( فسيصير ) أي فسيجريه القضاء إليه قهرا ويكون مآل حاله ذلك بدون اختياره ، قوله : ( فييسرون ) ذكره بلفظ الجمع باعتبار معنى الأهل ، ووجه مطابقة جوابه صلى الله عليه وسلم لسؤالهم هو أنهم لما قالوا : إنا نترك المشقة التي في العمل الذي لأجلها سمي بالتكليف فقال صلى الله عليه وسلم : " لا مشقة ثمة إذ كل ميسر لما خلق له " " وهو يسير على من يسره الله عليه " ( فإن قيل ) : إذا كان القضاء الأزلي يقتضي ذلك فلم المدح والذم والثواب والعقاب ؟ ( أجيب ) بأن المدح والذم باعتبار المحلية لا باعتبار الفاعلية ، وهذا هو المراد بالكسب المشهور عن الأشاعرة ، وذلك كما يمدح الشيء ويذم بحسنه وقبحه وسلامته وعاهته ، وأما الثواب والعقاب فكسائر العاديات فكما لا يصح عندنا أن يقال : لم خلق الله تعالى الاحتراق عقيب مماسة النار ولم يحصل ابتداء ، فكذا هاهنا ، وقال الطيبي : الجواب من الأسلوب الحكيم منعهم صلى الله عليه وسلم عن الاتكال وترك العمل ، وأمرهم بالتزام ما يجب على العبد من العبودية ، وإياكم والتصرف في الأمور الإلهية ، فلا تجعلوا العبادة وتركها سببا مستقلا لدخول الجنة والنار بل إنها علامات فقط ، وقال الخطابي : لما أخبر صلى الله عليه وسلم عن سبق الكتاب بالسعادة رام القوم أن يتخذوه حجة في ترك العمل فأعلمهم أن هنا أمرين لا يبطل أحدهما الآخر : باطن : ج٨ / ص١٨٩هو العلة الموجبة في حكم الربوبية ، وظاهر : هو التتمة اللازمة في حق العبودية ، وإنما هو أمارة مخيلة في مطالعة علم العواقب غير مفيدة حقيقة ، وبين لهم أن كلا ميسر لما خلق له ، وأن عمله في العاجل دليل مصيره في الآجل ، ولذلك مثل بقوله تعالى : فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى الآية ، ونظيره الرزق المقسوم مع الأمر بالكسب ، والأجل المضروب مع التعالج بالطب ، فإنك تجد الباطن منهما على موجبه والظاهر سببا مخيلا ، وقد اصطلحوا على أن الظاهر منهما لا يترك للباطن . ( ذكر ما يستفاد منه ) قال ابن بطال : هذا الحديث أصل لأهل السنة في أن السعادة والشقاوة بخلق الله تعالى بخلاف قول القدرية الذين يقولون : إن الشر ليس بخلق الله ، وقال النووي : فيه إثبات للقدر وأن جميع الواقعات بقضاء الله تعالى وقدره لا يُسأل عما يفعل ، وقيل : إن سر القدر ينكشف للخلائق إذا دخلوا الجنة ولا ينكشف لهم قبل دخولها ، وفيه رد على أهل الجبر لأن المجبر لا يأتي الشيء إلا وهو يكرهه ، والتيسير ضد الجبر ، ألا ترى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " إن الله تجاوز عن أمتي ما استكرهوا عليه " قال : والتيسير هو أن يأتي الإنسان الشيء وهو يحبه .
واختلف هل يعلم في الدنيا الشقي من السعيد ؟ فقال قوم : نعم ، محتجين بهذه الآية الكريمة والحديث ؛ لأن كل عمل أمارة على جزائه ، وقال قوم : لا ، والحق في ذلك أنه يدرك ظنا لا جزما ، وقال الشيخ تقي الدين بن تيمية : من اشتهر له لسان صدق في الناس من صالحي هذه الأمة هل يقطع له بالجنة ؟ فيه قولان للعلماء رحمهم الله . وفيه جواز القعود عند القبور والتحدث عندها بالعلم والمواعظ ، وفيه نكته صلى الله عليه وسلم بالمخصرة في الأرض أصل تحريك الإصبع في التشهد قاله المهلب ، ( فإن قلت ) : ما معنى النكت بالمخصرة ؟ ( قلت ) : هو إشارة إلى إحضار القلب للمعاني ، وفيه نكس الرأس عند الخشوع والتفكر في أمر الآخرة ، وفيه إظهار الخضوع والخشوع عند الجنازة ، وكانوا إذا حضروا جنازة يلقى أحدهم حبيبه ولا يقبل عليه إلا بالسلام حتى يرى أنه واجد عليه ، وكانوا لا يضحكون هناك ، ورأى بعضهم رجلا يضحك فآلى أن لا يكلمه أبدا ، وكان يبقى أثر ذلك عندهم ثلاثة أيام لشدة ما يحصل في قلوبهم من الخوف والفزع ، وفيه أن النفس المخلوقة إما سعيدة وإما شقية ، ولا يقال إذا وجبت الشقاوة والسعادة بالقضاء الأزلي والقدر الإلهي فلا فائدة في التكليف ، فإن هذا أعظم شبه النافين للقدر ، وقد أجابهم الشارع بما لا يبقى معه إشكال ، ووجه الانفصال أن الرب تعالى أمرنا بالعمل فلا بد من امتثاله ، وغيب عنا المقادير لقيام حجته وزجره ، ونصب الأعمال علامة على ما سبق في مشيئته ، فسبيله التوقف فمن عدل عنه ضل ، لأن القدر سر من أسراره لا يطلع عليه إلا هو ، فإذا دخلوا الجنة كشف لهم .