حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب ما جاء في قاتل النفس

( باب ما جاء في قاتل النفس ) أي هذا باب في بيان ما جاء من الأخبار في حق قاتل النفس ، قيل : مقصود الترجمة حكم قاتل النفس والمذكور في الباب حكم قاتل نفسه فهو أخص من الترجمة ، ولكنه أراد أن يلحق بقاتل نفسه قاتل غيره من باب الأولى . ( قلت ) : قوله قاتل النفس أعم من أن يكون قاتل نفسه وقاتل غيره ، فهذا اللفظ يشمل القسمين فلا يحتاج في ذلك إلى دعوى الأخصية ولا إلى إلحاق قاتل الغير بقاتل نفسه ، ولا يلزم أن يكون حديث الباب طبق الترجمة من سائر الوجوه ، بل إذا صدق الحديث على جزء ما صدقت عليه الترجمة كفى ، وقيل : عادة البخاري إذا توقف في شيء ترجم عليه ترجمة مبهمة ، كأنه ينبه على طريق الاجتهاد ، وقد نقل عن مالك أن قاتل النفس لا تقبل توبته ، ومقتضاه أن لا يصلى عليه . ( قلت ) : لا نسلم أن هذه الترجمة مبهمة ، والإبهام من أين جاء وهي ظاهرة في تناولها القسمين المذكورين كما ذكرنا ،

وقال بعضهم : لعل البخاري أشار بذلك إلى ما رواه أصحاب السنن من حديث جابر بن سمرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - : " أتي برجل قتل نفسه بمشاقص فلم يصل عليه " وفي رواية للنسائي : " أما أنا فلا أصلي عليه " لكنه لما لم يكن على شرطه أومأ إليه بهذه الترجمة
، وأورد فيها ما يشبهه من قصة قاتل نفسه .

( قلت ) : توجيه كلام البخاري في الترجمة بالتخمين لا يفيد ، وكلامه ظاهر لا يحتاج إلى هذا التكلف والوجه ما ذكرناه . ج٨ / ص١٩٠118 - حدثنا مسدد قال : حدثنا يزيد بن زريع قال : حدثنا خالد ، عن أبي قلابة ، عن ثابت بن الضحاك رضي الله عنه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " من حلف بملة غير الإسلام كاذبا متعمدا فهو كما قال ، ومن قتل نفسه بحديدة عذب به في نار جهنم " . وجه المطابقة بين الحديث والترجمة ما ذكرناه .

( ذكر رجاله ) وهم خمسة تقدموا ، وخالد هو الحذاء ، وأبو قلابة عبد الله بن زيد بن ثابت بن الضحاك الأنصاري الأشهلي من أصحاب بيعة الرضوان ، وهو صغير مات سنة خمس وأربعين . وفيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع ، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في الأدب عن موسى بن إسماعيل ، وفي النذور عن معلى بن أسد ، وفي الأدب أيضا عن محمد بن بشار ، وأخرجه مسلم في الأيمان عن يحيى بن يحيى ، وعن أبي غسان ، وعن إسحاق بن إبراهيم ، وإسحاق بن منصور ، وعبد الوارث بن عبد الصمد ، وعن محمد بن رافع ، وأخرجه أبو داود في الأيمان والنذور عن أبي توبة ، وأخرجه الترمذي فيه عن أحمد بن منيع ، وأخرجه النسائي عن إسحاق بن منصور ، وعن محمود بن خالد ، وعن قتيبة ، وعن محمد بن عبد الله ، وأخرجه ابن ماجه في الكفارات عن محمد بن المثنى .

( ذكر معناه ) قوله : ( بملة ) الملة الدين كملة الإسلام واليهودية والنصرانية ، وقيل هي معظم الدين وجملة ما يجيء به الرسل ، صورته أن يحلف بدين النصارى أو بدين اليهود أو بدين ملة من ملل الكفرة ، قوله : ( كاذبا ) حال من الضمير الذي في حلف أي حال كونه كاذبا في تعظيم تلك الملة التي حلف بها ، فيكون هذا الحال من الأحوال اللازمة كما في قوله تعالى : وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لأن من عظم غير ملة الإسلام كان كاذبا في تعظيم ذلك دائما في كل حال وفي كل وقت ، ولا ينتقل عنه ، ولا يصلح أن يقال إنه يعني بكونه كاذبا في المحلوف عليه لأنه يستوي في حقه كونه صادقا أو كاذبا إذا حلف بملة غير الإسلام ؛ لأنه إنما ذمه الشرع من حيث إنه حلف بتلك الملة الباطلة معظما لها على نحو ما يعظم به ملة الإسلام الحق ، ولا فرق بين أن يكون صادقا أو كاذبا في المحلوف عليه ، قوله : ( متعمدا ) أيضا حال من الأحوال المتداخلة أو المترادفة ، قيد به لأنه إذا كان الحالف بذلك غير معتقد لذلك فهو آثم مرتكب كبيرة ، إذ قد تشبه في قوله بمن يعظم تلك الملة ويعتقدها ، فغلظ عليه الوعيد بأن صير كواحد منهم مبالغة في الردع والزجر ، كما قال تعالى : وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ وقال القرطبي : قوله : ( متعمدا ) يحتمل أن يريد به النبي - صلى الله عليه وسلم - من كان معتقدا لتعظيم تلك الملة المغايرة لملة الإسلام وحينئذ يكون كافرا حقيقة فيبقى اللفظ على ظاهره ، قوله : ( فهو كما قال ) قال ابن بطال : أي هو كاذب لا كافر ولا يخرج بهذه القصة من الإسلام إلى الدين الذي حلف به ، لأنه لم يقل ما يعتقده فوجب أن يكون كاذبا كما قال لا كافرا ، قال : فإن ظن ظان أن في هذا الحديث دليلا على إباحة الحلف بملة غير الإسلام صادقا لاشتراطه في الحديث أن يحلف به كاذبا ، قيل له : ليس كما توهمت لورود نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الحلف بغير الله نهيا مطلقا ، فاستوى في ذلك الكاذب والصادق ، وقال الكرماني : قوله " فهو كما قال " أي فهو على ملة غير الإسلام لأن الحلف بالشيء تعظيم له ، ثم قال : الظاهر أنه تغليظ . ( قلت ) : حمله على هذا التفسير صرفه معنى قوله كاذبا إلى المحلوف عليه ، وقد ذكرنا أنه لا يصلح ذلك لاستواء كونه صادقا أو كاذبا إذا حلف بملة غير الإسلام ، وقال ابن الجوزي : إنما يحلف الحالف بما كان عظيما عنده ، ومن اعتقد تعظيم ملة من ملل الكفر فقد ضاهى الكفار ، انتهى . ( قلت ) : فقد كفر حقيقة والمضاهاة دون ذلك ، قوله : ( بحديدة ) أراد به آلة قاطعة مثل السيف والسكين ونحوهما ، والحديدة أخص من الحديد ، سمي به لأنه منيع لأن أصله من الحد وهو المنع والجمع حدائد ، وجاء في الشعر الحديدات ، قوله : ( عذب به ) ويروى " بها " أي بالحديدة ، وأما تذكير الضمير فباعتبار المذكور ، وإنما يعذب بها لأن الجزاء من جنس العمل .

( ذكر ما يستفاد منه ) احتج بالحديث المذكور أبو حنيفة وأصحابه على أن الحالف باليمين المذكور ينعقد يمينه وعليه الكفارة ، لأن الله تعالى أوجب على المظاهر الكفارة ، وهو منكر من القول وزور ، والحلف بهذه الأشياء منكر وزور ، وقال النووي : لا ينعقد بهذه الأشياء يمين وعليه أن يستغفر الله ويوحده ج٨ / ص١٩١ولا كفارة عليه سواء فعله أم لا ، وقال : هذا مذهب الشافعي ومالك وجمهور العلماء ، واحتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم : " من حلف فقال باللات والعزى فليقل لا إله إلا الله " ولم يذكر في الحديث كفارة ، قلنا : لا يلزم من عدم ذكرها فيه نفي وجوب الكفارة ، وقال ابن بطال في قوله : " ومن قتل نفسه بحديدة " أجمع الفقهاء وأهل السنة على أنه من قتل نفسه أنه لا يخرج بذلك من الإسلام ، وأنه يصلى عليه وإثمه عليه ، كما قال مالك ، ولم يكره الصلاة عليه إلا عمر بن عبد العزيز والأوزاعي ، والصواب قول الجماعة لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - سن الصلاة على المسلمين ولم يستثن منهم أحدا فيصلى على جميعهم ، ( قلت ) : قال أبو يوسف : لا يصلى على قاتل نفسه لأنه ظالم لنفسه فيلحق بالباغي وقاطع الطريق ، وعند أبي حنيفة ومحمد يصلى عليه لأن دمه هدر كما لو مات حتفه .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث