حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب ما يكره من الصلاة على المنافقين والاستغفار للمشركين

( باب ما يكره من الصلاة على المنافقين والاستغفار للمشركين )

( رواه ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ) 120 - حدثنا يحيى بن بكير قال : حدثني الليث ، عن عقيل ، عن ابن شهاب ، عن عبيد الله بن عبد الله ، عن ابن عباس ، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنهم أنه قال : لما مات عبد الله بن أبي بن سلول دعي له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليصلى عليه ، فلما قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وثبت إليه فقلت : يا رسول الله أتصلي على ابن أبي وقد قال يوم كذا وكذا كذا وكذا - أعدد عليه قوله - فتبسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال : أخر عني يا عمر ، فلما أكثرت عليه قال : إني خيرت فاخترت ، لو أعلم أني إن زدت على السبعين فغفر له لزدت عليها ، قال : فصلى عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم انصرف ، فلم يمكث إلا يسيرا حتى نزلت الآيتان من براءة : وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا إلى وَهُمْ فَاسِقُونَ قال : فعجبت بعد من جرأتي على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يومئذ ، والله ورسوله أعلم " .

ج٨ / ص١٩٣مطابقته للترجمة في قوله : وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ ؛ لأن قوله " لا تصل " نهي ، والنهي يقتضي الكراهة . فإن قلت : من الترجمة قوله " والاستغفار للمشركين " ، وليس في حديث الباب ما يدل على النهي عن الاستغفار للمشركين ! قلت : في قوله " حتى نزلت الآيات " ما يدل على ذلك ؛ لأن من جملة الآيات قوله تعالى : اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ الآية ، وقوله : فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ يدل على منع الاستغفار لهم . ( ذكر رجاله ) : وهم سبعة ؛ الأول : يحيى بن بكير - بضم الباء الموحدة - وقد مر .

الثاني : الليث بن سعد . الثالث : عقيل - بضم العين - ابن خالد . الرابع : محمد بن مسلم بن شهاب .

الخامس : عبيد الله - بضم العين - ابن عبد الله - بفتح العين - ابن عيينة بن مسعود ، أحد الفقهاء السبعة . السادس : عبد الله بن عباس . السابع : عمر بن الخطاب .

( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع وبصيغة الإفراد في موضع ، وفيه العنعنة في خمسة مواضع ، وفيه أن شيخه منسوب إلى جده لأنه يحيى بن عبد الله بن بكير وهو والليث مصريان وعقيل أيلي وابن شهاب وعبيد الله مدنيان ، وفيه رواية التابعي عن التابعي عن الصحابي ، وفيه رواية الصحابي عن الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) : أخرجه البخاري أيضا في التفسير عن يحيى بن بكير عن الليث ، وأخرجه الترمذي في التفسير عن عبد بن حميد . وأخرجه النسائي فيه عن محمد بن عبد الله بن عمار ومحمد بن رافع ، وفي الجنائز عن محمد بن عبد الله بن المبارك .

وأخرجه البخاري أيضا من طريق ابن عمر في باب الكفن في القميص عن مسدد عن يحيى عن سعيد بن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما . وقد مضى الكلام فيه مستوفى ، ونذكر هنا بعض شيء . قوله ( دعي ) على صيغة المجهول .

قوله ( أتصلي عليه ) ، الهمزة فيه للاستفهام . قوله ( أعدد عليه ) ، قوله أي أعد على النبي - صلى الله عليه وسلم - قول عبد الله بن أبي من أقواله القبيحة في حق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين . قوله ( فلما أكثرت عليه ) ؛ أي فلما زدت الكلام على النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إني خيرت ؛ على صيغة المجهول ، وذلك في قوله تعالى : اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ قوله ( فاخترت ) ؛ أي الاستغفار .

قوله ( حتى نزلت الآيات ) ، ويروى : حتى نزلت الآيتان ؛ الأولى قوله تعالى : وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ والآية الثانية هي قوله : اسْتَغْفِرْ لَهُمْ الآية . وأما على رواية الآيات فمن قوله : اسْتَغْفِرْ لَهُمْ - إلى قوله : وَهُمْ فَاسِقُونَ ( ذكر ما يستفاد منه ) : قال الداودي : هذه الآيات في قوم بأعيانهم ، يدل عليه قوله تعالى : وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الأَعْرَابِ الآية ، فلم ينه عما لم يعلم ، وكذلك إخباره لحذيفة بسبعة عشر من المنافقين وقد كانوا يناكحون المسلمين ويوارثونهم ويجري عليهم حكم الإسلام لاستتارهم بكفرهم ، ولم ينه الناس عن الصلاة عليهم ، إنما نُهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عنه وحده ، وكان عمر رضي الله تعالى عنه ينظر إلى حذيفة رضي الله تعالى عنهما فإن شهد جنازة ممن يظن به شهد وإلا لم يشهده ، ولو كان أمرا ظاهرا لم يسره الشارع إلى حذيفة ، وذكر عن الطبري أنه يجب ترك الصلاة على معلن الكفر ومسره ، بهذا قال ، فأما المقام على قبره فغير محرم بل جائز لوليه القيام عليه لإصلاحه ودفنه ، وبذلك صح الخبر وعمل به أهل العلم ، وفي التوضيح : وهذا خلاف ما قدمنا أن ولد الكافر لا يدفنه ولا يحضر دفنه . وفي النوادر عن ابن سيرين : ما حرم الله الصلاة على أحد من أهل القبلة إلا على ثمانية عشر رجلا من المنافقين ، وقد قال عليه الصلاة والسلام لعلي رضي الله تعالى عنه : اذهب فواره ؛ يعني أباك .

وروى سعيد بن جبير قال : مات رجل يهودي وله ابن مسلم ، فذكر ذلك لابن عباس فقال : كان ينبغي أن يمشي معه ويدفنه ويدعو له بالصلاة ما دام حيا ، فإذا مات وكله إلى أشباهه ، ثم قرأ : وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة . الآية . وقال النخعي : توفيت أم الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة وهي نصرانية ، فاتبعها أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تكرمة للحارث ولم يصلوا عليها ، ثم فرض على جميع الأمة أن لا يدعوا لمشرك ولا يستغفروا له إذا مات على شركه ، قال تعالى : مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا الآية ، وقد بين الله تعالى عذر إبراهيم في استغفاره لأبيه فقال : إِلا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فدعا له وهو يرجو إنابته ورجوعه إلى الإيمان ، فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه .

ففي هذا من الفقه أنه جائز أن يدعى لكل من يرجى من الكفار إنابته بالهداية ج٨ / ص١٩٤ما دام حيا ؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - إذا شمت أحد المنافقين واليهود قال : يهديكم الله ويصلح بالكم ، وقد يعمل الرجل بعمل أهل النار ويختم له بعمل أهل الجنة . وفيه تصحيح القول بدليل الخطاب لاستعمال النبي - صلى الله عليه وسلم - له ، وذلك أن إخباره تعالى أنه لا يغفر له ولو استغفر له سبعين مرة يحتمل أنه لو زاد عليها كان يغفر له ، لكن لما شهد الله تعالى أنه كافر بقوله تعالى : ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ دلت هذه الآية على تغليب أحد الاحتمالين وهو أنه لا يغفر له لكفره ، فلذلك أمسك - صلى الله عليه وسلم - من الدعاء له ، وفي إقدام عمر رضي الله تعالى عنه على مراجعة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الفقه أن الوزير الفاضل الناصح لا حرج عليه في أن يخبر سلطانه بما عنده من الرأي وإن كان مخالفا لرأيه ، وكان عليه فيه بعض الخفاء إذا علم فضل الوزير وثقته وحسن مذهبه ، فإنه لا يلزمه اللوم على ما يؤديه إليه اجتهاده ولا يتوجه إليه سوء الظن وإن صبر السلطان على ذلك من تمام فضله ، ألا يرى سكوته - صلى الله عليه وسلم - عن عمر وتركه الإنكار عليه ، وفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أكبر الأسوة .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث