باب ثناء الناس على الميت
حدثنا آدم قال : حدثنا شعبة قال : حدثنا عبد العزيز بن صهيب قال : سمعت أنس بن مالك رضي الله عنه يقول : مروا بجنازة فأثنوا عليها خيرا ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : وجبت . ثم مروا بأخرى فأثنوا عليها شرا ، فقال : وجبت . فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : ما وجبت ؟ قال : هذا أثنيتم عليه خيرا فوجبت له الجنة ، وهذا أثنيتم عليه شرا فوجبت له النار ، أنتم شهداء الله في الأرض .
مطابقته للترجمة في قوله فأثنوا عليها خيرا ، ورجاله قد ذكروا غير مرة ، وآدم هو ابن إياس . ( ذكر معناه ) : قوله ( مروا بجنازة ) ، ويروى : مر بجنازة - بضم الميم على صيغة المجهول - فأثنوا عليها ؛ أي على الجنازة ، وأثنوا من الثناء بالثاء المثلثة بعدها النون وبالمد ، وهو يستعمل في الخير ولا يستعمل في الشر ، وقيل : يستعمل فيهما ، وقيل : استعمال الثناء في الشر لغة شاذة . فإن قلت : قد عرفت أن الثناء الممدود لا يستعمل إلا في الخير ، وكيف وقد استعمل في الشر في كلام الفصيح ؟ قلت : قد قيل هذا على اللغة الشاذة ، والأحسن أن يقال : استعمل هذا لأجل المشاكلة والتجانس كما في قوله تعالى : وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا .
وأخرج مسلم هذا الحديث من حديث ابن علية عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس بن مالك قال : مر بجنازة فأُثني عليها خيرا ، فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم : وجبت وجبت وجبت . ومر بجنازة فأُثني عليها شرا ، فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم وجبت وجبت وجبت . الحديث ، وفي آخره : أنتم شهداء الله في الأرض ، أنتم شهداء الله في الأرض ، أنتم شهداء الله في الأرض .
وأخرج الحاكم من حديث النضر بن أنس : كنت قاعدا عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فمر بجنازة ، فقال : ما هذه الجنازة ؟ قالوا : جنازة فلان الفلاني ، كان يحب الله ورسوله ويعمل بطاعة الله ويسعى فيها . فقال : وجبت وجبت وجبت . ومر بجنازة أخرى فقال : ما هذه الجنازة ؟ قالوا : جنازة فلان الفلاني ، كان يبغض الله ورسوله ويعمل بمعصية الله ويسعى فيها .
فقال : وجبت وجبت وجبت . قالوا : يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قولك في الجنازة والثناء عليها ! أثني على الأول خير وعلى الآخر شر فقلت فيهما : وجبت وجبت وجبت . فقال : نعم يا أبا بكر ، إن لله ملائكة ينطق على لسان بني آدم بما في المرء من الخير والشر .
وقال الحاكم : هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه بهذا اللفظ ، وفي هذا الحديث تفسير ما أبهم من الخير والشر في حديث الباب . وروى الطبراني من حديث كعب بن عجرة : أُتي النبي - صلى الله عليه وسلم - بجنازة ، فقيل : هذا بئس الرجل . وأثنوا عليه شرا ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : تعلمون ذلك ؟ قالوا : نعم .
قال : وجبت . وقال في التي أثنوا عليها خيرا كذلك . وروى أبو داود من حديث أبي هريرة قال : مروا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بجنازة فأثنوا عليها خيرا ، فقال : وجبت .
ثم مروا بأخرى فأثنوا عليها شرا ، فقال : وجبت . ثم قال : إن بعضكم على بعض شهداء . وروى أبو داود أيضا عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الملائكة عليهم السلام شهداء الله في السماء ، وأنتم شهداء الله في الأرض ، إن بعضكم على بعض شهيد .
قوله ( وجبت ) ؛ أي وجبت الجنة في الأول ، ووجبت النار في الثاني . والمراد بالوجوب الثبوت ، أو هو في صحة الوقوع كالشيء الواجب ، وحاصل المعنى أن ثناءهم عليه بالخير يدل على أن أفعاله كانت خيرا فوجبت له الجنة وثناءهم عليه بالشر يدل على أن أفعاله كانت شرا فوجبت له النار ، وذلك لأن المؤمنين شهداء بعضهم على بعض لما صرح في الحديث ، والتكرير فيه في رواية مسلم وغيره لتأكيد الكلام وتحقيقه لئلا يشكوا فيه . وقال الداودي : معنى هذا الحديث عند الفقهاء إذا أثنى عليه أهل الفضل والصدق لأن الفسقة قد يثنون على الفسقة فلا يدخلون في معنى هذا الحديث ، والمراد - والله أعلم - إذا كان الثناء بالشر ممن ليس له بعدو لأنه قد يكون للرجل الصالح العدو ، وإذا مات عدوه فذكر عن ذلك الرجل الصالح شرا فلا يدخل الميت في معنى هذا الحديث ؛ لأن شهادته كانت لا تجوز عليه في الدنيا وإن كان عدلا للعداوة ، والبشر غير معصومين .
فإن قيل : كيف يجوز ذكر شر الموتى مع ورود الحديث الصحيح عن زيد بن أرقم في النهي عن سب الموتى وذكرهم إلا بخير ؟ أجيب بأن النهي عن سب الأموات غير المنافق والكافر والمجاهر بالفسق أو بالبدعة ، فإن هؤلاء لا يحرم ، وذكرهم بالشر للحذر من طريقهم ومن الاقتداء بهم . وقيل : لا بد أن يكون ثناؤهم مطابقا لأفعاله . وقال القرطبي : يحتمل أن يكون النهي عن سب الموتى متأخرا عن هذا الحديث ، فيكون ناسخا .
وقيل : حديث أنس المذكور يجري مجرى الغيبة في الأحياء ، فإن كان الرجل أغلب أحواله الخير - وقد يكون منه الغلبة - فالاغتياب له محرم ، وإن كان فاسقا معلنا فلا غيبة فيه ، فكذلك الميت ، فليس ذلك مما يُنهى عنه من سب الأموات . وقال بعضهم : الثناء على عمومه لكل مسلم مات ، فإذا ألهم الله الناس أو معظمهم الثناء عليه كان ذلك دليلا أنه من أهل الجنة سواء كانت أفعاله تقتضي ذلك أم لا ؛ لأنه وإن لم تكن أفعاله مقتضية فلا تتحتم عليه العقوبة ، بل هو في المشيئة ، فإذا ألهم الله الناس الثناء عليه استدللنا بذلك أن الله تعالى قد شاء المغفرة له ، وبهذا تظهر فائدة الثناء في قوله وجبت . وقيل : هذا خاص بالمثنين المذكورين لغيب أطلع الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - عليه ، ورد بأن كلمة من تستدعي العموم ، والتخصيص بلا مخصص لا يجوز .
قوله ( أنتم شهداء الله في الأرض ) ، الخطاب للصحابة رضي الله تعالى عنهم ولمن كان على صفتهم من الإيمان ، وحكى ابن التين أن ذلك مخصوص بالصحابة لأنهم كانوا ينطقون بالحكمة بخلاف من بعدهم ، ثم قال : والصواب أن ذلك يختص بالثقات والمتقين . وقال النووي : الظاهر أن الذي أثنوا عليه شرا كان من المنافقين . قلت : ويستأنس لما قاله بما رواه أحمد من حديث أبي قتادة بإسناد صحيح أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يصل على الذي أثنوا عليه شرا وصلى على الآخر .
وقال البيهقي : فيه دلالة على جواز ذكر المرء بما يعلمه إذا وقعت الحاجة إليه نحو سؤال القاضي المزكي ونحوه .