حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب ما جاء في عذاب القبر وقوله تعالى ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت

حدثنا عياش بن الوليد قال : حدثنا عبد الأعلى قال : حدثنا سعيد ، عن قتادة ، عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه حدثهم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه وإنه ليسمع قرع نعالهم أتاه ملكان فيقعدانه فيقولان : ما كنت تقول في هذا الرجل - لمحمد صلى الله عليه وسلم ؟ فأما المؤمن فيقول : أشهد أنه عبد الله ورسوله . فيقال له : انظر إلى مقعدك من النار ، قد أبدلك الله به مقعدا من الجنة - فيراهما جميعا . قال قتادة : وذكر لنا أنه يفسح في قبره .

ثم رجع إلى حديث أنس ، قال : وأما المنافق والكافر فيقال له : ما كنت تقول في هذا الرجل ؟ فيقول : لا أدري ، كنت أقول ما يقوله الناس . فيقال : لا دريت ولا تليت . ويضرب بمطارق من حديد ضربة فيصيح صيحة يسمعها من يليه غير الثقلين .

مطابقته للترجمة في قوله ويضرب بمطارق من حديد إلى آخره ، وقد مضى الحديث في باب الميت يسمع خفق النعال ، فإنه أخرجه هناك بهذا الإسناد بعينه عن عياش عن عبد الأعلى عن سعيد عن قتادة إلى آخره ، وأخرجه هنا أيضا عن عياش - بتشديد الياء آخر الحروف وبالشين المعجمة - عن عبد الأعلى كذلك عن سعيد بن أبي عروبة كذلك إلى آخره ، وقد مضى الكلام فيه هناك مستوفى . ( ذكر معناه ) : نذكر هنا ما لم نذكره هناك لزيادة فائدة . قوله ( ليسمع قرع نعالهم ) ، زاد مسلم : إذا انصرفوا .

قوله ( فيقعدانه ) ، زاد في حديث البراء : فتعاد روحه في جسده . قوله ( لمحمد ) بيان من الراوي ؛ أي لأجل محمد ، وفي رواية أبي داود : ما كنت تقول في هذا الرجل ؟ وفي رواية أحمد من حديث عائشة : ما هذا الرجل الذي كان فيكم ؟ قوله ( انظر إلى مقعدك من النار ) ، وفي رواية أبي داود : فيقال له : هذا بيتك كان في النار ، ولكن الله عز وجل عصمك ورحمك فأبدلك به بيتا في الجنة . فيقول لهم : دعوني حتى أذهب فأبشر أهلي ! فيقال له : اسكت ، وفي حديث أبي سعيد عند أحمد : كان هذا منزلك لو كفرت بربك .

وفي رواية ابن ماجه من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه بإسناد صحيح : فيقال له : هل رأيت الله ؟ فيقول : ما ينبغي لأحد أن يرى الله ! فيفرج الله له فرجة قبل النار فينظر إليها فيحطم بعضها بعضا ، فيقال له : انظر إلى ما وقاك الله . قوله ( وذكر لنا ) بلفظ المجهول . قوله ( يفسح له في قبره ) ، كلمة في زائدة ؛ إذ الأصل : يفسح له قبره .

وفي رواية مسلم من طريق شيبان عن قتادة : سبعون ذراعا ، ويملأ خضرا إلى يوم يبعثون . وفي رواية ابن حبان : سبعين ذراعا في سبعين ذراعا . وله من وجه آخر عن أبي هريرة : ويرحب له في قبره سبعون ذراعا وينور له كالقمر ليلة البدر .

وفي حديث طويل للبراء : فينادي مناد من السماء أن صدق عبدي ، فأفرشوه من الجنة وافتحوا له بابا في الجنة وألبسوه من الجنة . قال : فيأتيه من ريحها وطيبها ويفسح له مد بصره . وزاد ابن حبان من وجه آخر عن أبي هريرة : فيزداد غبطة وسرورا فيعاد الجلد إلى ما بدا منه ، ويجعل روحه في نسم طائر يعلق في شجر الجنة .

قوله ( وأما المنافق والكافر ) ، كذا بواو العطف في هذه الطريق ، وتقدم في باب الميت يسمع خفق النعال وأما الكافر أو المنافق بالشك ، وفي حديث أبي داود : وإن الكافر إذا وضع . وعند أحمد في حديث أبي سعيد وإن كان كافرا أو منافقا بالشك ، وله في حديث أسماء فإن كان فاجرا أو كافرا ، وفي الصحيحين من حديثها وأما المنافق أو المرتاب ، وفي رواية عبد الرزاق عن جابر وعند الترمذي عن أبي هريرة : وأما المنافق . وفي حديث عائشة عند أحمد وأبي هريرة عند ابن ماجه : وأما الرجل السوء .

وللطبراني من حديث أبي هريرة : وإن كان من أهل الشك . قوله ( كنت أقول ما يقول الناس ) ، وفي حديث أسماء : سمعت الناس يقولون شيئا فقلته . وكذا في أكثر الأحاديث .

قوله ( ولا تليت ) ؛ أي ولا تلوت ، أي لا فهمت ولا قرأت القرآن ! وقد مر الكلام فيه مستقصى . قوله ( بمطارق حديد ) جمع مطرقة ، وكذا في باب خفق النعال بالإفراد ، والمطارق مضاف إلى حديد مثل خاتم فضة ، ويروى : بمطارق من حديد . وقال الكرماني : وجه الجمع للإيذان بأن كل جزء من أجزاء تلك المطرقة مطرقة برأسها مبالغة .

قوله ( يسمعها من يليه ) ، قال المهلب : المراد الملائكة الذين يلون فتنته . قلت : لا وجه لتخصيصه بالملائكة ، فقد ثبت أن البهائم تسمعه ، وفي حديث البراء : يسمعها من بين المشرق والمغرب . وفي حديث أبي سعيد رضي الله تعالى عنه عند أحمد رحمه الله تعالى : يسمعه خلق الله كلهم غير الثقلين .

ويدخل في هذا وفي حديث البراء رضي الله تعالى عنه الحيوان والجماد ، لكن يمكن أن يخص منه الجماد لما في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عند البزار رحمه الله تعالى : يسمعه كل دابة إلا الثقلين . ( ذكر ما يستفاد منه ) : فيه إثبات عذاب القبر وأنه واقع على الكفار ومن شاء الله من المؤمنين ، فإن قلت : المساءلة عامة على جميع الأمم أم على أمة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم ؟ فذهب الحكيم الترمذي إلى أنها تختص بهذه الأمة وقال : كانت الأمم قبل هذه الأمة تأتيهم الرسل ، فإن أطاعوا فذاك وإن أبوا اعتزلوهم وعوجلوا بالعذاب ، فلما أرسل الله محمدا - صلى الله تعالى عليه وسلم - رحمة للعالمين أمسك عنهم العذاب وقبل الإسلام ممن أظهره سواء أسر الكفر أو لا ، فلما ماتوا قيض الله لهم فَتَّاني القبر ليستخرج سرهم بالسؤال وليميز الله الخبيث من الطيب ويثبت الذين آمنوا ويضل الظالمين ، انتهى . ويؤيده حديث زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه مرفوعا : إن هذه الأمة تبتلى في قبورها .

الحديث ، أخرجه مسلم . ويؤيده أيضا قول الملكين : ما تقول في هذا الرجل محمد ؟ وحديث عائشة أيضا عند أحمد بلفظ : وأما فتنة القبر فبي يفتنون وعني يسألون . وذهب ابن القيم إلى عموم المساءلة ، وقال : ليس في الأحاديث ما ينفي المساءلة عمن تقدم من الأمم ، وإنما أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أمته بكيفية امتحانهم في القبور لا أنه نفى ذلك عن غيرهم .

قال : والذي يظهر أن كل نبي مع أمته كذلك ، فيعذب كفارهم في قبورهم بعد سؤالهم وإقامة الحجة عليهم كما يعذبون في الآخرة بعد السؤال وإقامة الحجة . وحكى في مساءلة الأطفال احتمالا ، قلت : ذكر أصحابنا أنهم يسألون وقطعوا بذلك . وقال ابن القيم : السؤال للكافر والمسلم ، قال الله تعالى : يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وفي حديث أنس في البخاري وأما المنافق والكافر بواو العطف ، وفي حديث أبي سعيد فإن كان مؤمنا فذكره ، وفيه : وإن كان كافرا .

وقال ابن عبد البر : الآثار تدل على أن الفتنة لمن كان منسوبا إلى أهل القبلة ، وأما الكافر الجاحد فلا يسأل . ورد بأنه نفي بلا دليل ، بل في الكتاب العزيز الدلالة على أن الكافر يسأل عن دينه ، قال تعالى : ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ وقال تعالى : ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ قلت : لقائل أن يقول : المراد من هذا السؤال يحتمل أن يكون في الآخرة ، وفيه ذم التقليد في الاعتقادات لمعاقبة من قال كنت أسمع الناس يقولون شيئا فقلته ، وفيه أن الميت يحيى في قبره للمساءلة خلافا لمن رده وقد مر الكلام فيه مستقصى .

ورد في أحاديث2 حديثان
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث