باب ما جاء في قبر النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر رضي الله عنهما
حدثنا فروة قال : حدثنا علي ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه : لما سقط عليهم الحائط في زمان الوليد بن عبد الملك أخذوا في بنائه ، فبدت لهم قدم ففزعوا ، وظنوا أنها قدم النبي صلى الله عليه وسلم ، فما وجدوا أحدا يعلم ذلك حتى قال لهم عروة : لا ، والله ما هي قدم النبي صلى الله عليه وسلم ، ما هي إلا قدم عمر رضي الله عنه . وعن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة رضي الله عنها أنها أوصت عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما : لا تدفني معهم وادفني مع صواحبي بالبقيع ، لا أزكى به أبدا . مطابقته للترجمة من حيث إن حائط مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - لما سقط وبدا قدم ففزعوا وظنوا أنها قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم تكن إلا قدم عمر رضي الله تعالى عنه ، دل هذا على قدم النبي صلى الله عليه وسلم وهو في القبر ، والترجمة في قبر النبي صلى الله عليه وسلم .
( ذكر رجاله ) : وهم خمسة ؛ الأول : فروة - بفتح الفاء وسكون الراء - ابن أبي المغراء - بفتح الميم وسكون الغين المعجمة وبالراء وبالمد وبالقصر - أبو القاسم . الثاني : علي بن مسهر - بضم الميم - مر في مباشرة الحائض . الثالث : هشام بن عروة .
الرابع : أبوه عروة . الخامس : عائشة رضي الله تعالى عنها . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه العنعنة في خمسة مواضع ، وفيه أن شيخه من أفراده روى عنه وقال : مات سنة خمس وعشرين ومائتين ، وهو وشيخه كوفيان وهشام وأبوه مدنيان .
وفيه حدثنا علي بن حسين في رواية أبي ذر كذا هو مذكور باسم أبيه ، وفي رواية غيره لم يذكر اسم أبيه . ( ذكر معناه ) : قوله ( لما سقط عليهم الحائط ) ؛ أي حائط حجرة النبي صلى الله عليه وسلم ، وفي رواية الحموي : لما سقط عنهم . والسبب في ذلك ما رواه أبو بكر الآجري من طريق شعيب بن إسحاق عن هشام بن عروة قال : أخبرني .
قال : كان الناس يصلون إلى القبر فأمر به عمر بن عبد العزيز فرفع حتى لا يصلي إليه أحد ، فلما هدم بدت قدم بساق وركبة ، ففزع عمر بن عبد العزيز ، فأتاه عروة فقال : هذا ساق عمر - رضي الله تعالى عنه - وركبته ! فسري عن عمر بن عبد العزيز . وروى الآجري من طريق مالك بن مغول عن رجاء بن حيوة قال : كتب الوليد بن عبد الملك إلى عمر بن عبد العزيز - وكان قد اشترى حجر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم - أن اهدمها ووسع بها المسجد ، فقعد عمر في ناحية ثم أمر بهدمها ، فما رأيت باكيا أكثر من يومئذ ، ثم بناه كما أراد ، فلما أن بنى البيت على القبر وهدم البيت الأول ظهرت القبور الثلاثة ، وكان الرمل الذي عليها قد انهار ، ففزع عمر بن عبد العزيز وأراد أن يقوم فيسويها بنفسه ، فقلت له : أصلحك الله ، إنك إن قمت قام الناس معك ، فلو أمرت رجلا أن يصلحها ! ورجوت أنه يأمرني بذلك ، فقال : يا مزاحم - يعني مولاه - قم فأصلحها . قال رجاء : فكان قبر أبي بكر عند وسط النبي صلى الله عليه وسلم ، وعمر خلف أبي بكر ؛ رأسه عند وسطه .
وفي الإكليل عن وردان - وهو الذي بني بيت عائشة لما سقط شقه الشرقي في أيام عمر بن عبد العزيز : وإن القدمين لما بدتا قال سالم بن عبد الله : أيها الأمير ، هذان قدما جدي وجدك عمر ! وقال أبو الفرج الأموي في تاريخه : وردان هذا هو أبو امرأة أشعب الطماع . وفي الطبقات قال مالك : قسم بيت عائشة ثلاثين ؛ قسم كان فيه القبر ، وقسم كان تكون فيه عائشة وبينهما حائط فكانت عائشة ربما دخلت جنب القبر فصلا ، فلما دفن عمر رضي الله تعالى عنه لم تدخله إلا وهي جامعة عليها ثيابها . وقال عمرو بن دينار وعبيد الله بن أبي يزيد : لم يكن على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - على بيت النبي - صلى الله عليه وسلم - حائط ، فكان أول من بنى عليه جدارا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه .
قال عبيد الله : كان جداره قصيرا ، ثم بناه عبد الله بن الزبير وزاد فيه . وفي الدرة الثمينة لابن النجار : سقط جدار الحجرة مما يلي موضع الجنائز في زمان عمر رضي الله تعالى عنه فظهرت القبور ، فما رؤي باكيا أكثر من يومئذ ، فأمر عمر بقباطي يستر بها الموضع ، وأمر ابن وردان أن يكشف عن الأساس ، فلما بدت القدمان قام عمر فزعا ، فقال له عبيد الله بن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهم - وكان حاضرا : أيها الأمير ، لا تفزع ! فهما قدما جدك عمر ، ضاق البيت عنه فحفر له في الأساس . فقال له عمر : يا ابن وردان ، غط ما رأيت ! ففعل .
وفي رواية أن عمر أمر أبا حفصة مولى عائشة وناسا معه فبنوا الجدار وجعلوا فيه كوة ، فلما فرغوا منه ورفعوه دخل مزاحم مولى عمر فقم ما سقط على القبر من التراب ، وبنى عمر على الحجرة حاجزا في سقف المسجد إلى الأرض ، وصارت الحجرة في وسطه وهو على دورانها ، فلما ولي المتوكل أزرها بالرخام من حولها ، فلما كان سنة ثمان وأربعين وخمسمائة في خلافة المقتفي جدد التأزير وجعل قامة وبسطة وعمل لها شباكا من الصندل والأبنوس وأداره حولها مما يلي السقف ، ثم إن الحسن بن أبي الهيجا صهر الصالح وزير المصريين عمل لها ستارة من الديبقي الأبيض مرقومة بالإبريسيم الأصفر والأحمر ، ثم جاءت من المستضيء بأمر الله ستارة من الإبريسيم البنفسجي وعلى دوران حاماتها مرقوم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله تعالى عنهم ، ثم شيلت تلك ونفذت إلى مشهد علي بن أبي طالب وعلقت هذه ، ثم إن الناصر لدين الله نفذ ستارة من الإبريسيم الأسود وطرزها وحاماتها أبيض فعلقت فوق تلك ، ثم لما حجت الجهة الخليفية عملت ستارة على شكل المذكورة ونفذتها فعلقت . قوله ( في زمان الوليد بن عبد الملك ) بفتح الواو وكسر اللام ، وجده مروان بن الحكم ولي الأمر بعد موت عبد الملك في سنة ست وثمانين ، وكان أكبر ولد عبد الملك ، وكانت خلافته تسع سنين وثمانية أشهر على المشهور ، وكانت وفاته يوم السبت منتصف جمادى الآخرة من سنة ست وتسعين بدمشق بدير مروان وصلى عليه عمر بن عبد العزيز ، وحمل على أعناق الرجال ودفن بمقابر باب الصغير ، وقيل بباب الفراديس ، ثم بعد وفاته بويع بالخلافة لأخيه سليمان بن عبد الملك ، وكان سليمان بالرملة . قوله ( فبدت لهم قدم ) ؛ أي ظهرت ، من البدو وهو الظهور .
قوله ( وعن هشام ، عن أبيه ) هو بالإسناد المذكور ، وأخرجه البخاري أيضا مسندا في الاعتصام عن عبيد بن إسماعيل عن أبي أسامة عن هشام بزيادة ، وأخرجه الإسماعيلي من طريق عبدة عن هشام وزاد فيه : وكان في بيتها موضع قبر . قوله ( لا تدفني معهم ) ؛ أي مع النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - وأبي بكر وعمر ، وإنما قالت ذلك مع أنه بقي في البيت موضع ليس فيه أحد خوفا من أن يجعل لها بذلك مزية فضل . وفي التكملة لابن الأبار من حديث محمد بن عبد الله العمري ، حدثنا شعيب بن طلحة - من ولد أبي بكر - عن أبيه ، عن جده ، عن عائشة ، قال : قالت للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم : إني لا أراني إلا سأكون بعدك ، فتأذن لي أن أدفن إلى جانبك ؟ قال : وأنى لك ؟ ذلك الموضع ما فيه إلا قبري وقبر أبي بكر وعمر ، وفيه عيسى بن مريم عليهما الصلاة والسلام .
فإن قلت : يعارض هذا قولها لما طلب منها أن يدفن عمر رضي الله تعالى عنه معهما أردت لنفسي - قلت : قيل : لأن ظاهره أن البيت ليس فيه غير موضع عمر ، وقيل : كان ظنا من عائشة ، وقيل : كان اجتهادها في ذلك تغير ، وقيل : إنما قالت ذلك قبل أن يقع لها ما وقع في قضية الجمل ، فاستحت بعد ذلك أن تدفن هناك ، وقد قال عنها عمار بن ياسر وهو أحد من حاربها يومئذ : إنها زوجة نبيكم في الدنيا والآخرة . قلت : إذا صح ما رواه ابن الأبار فهو جواب قاطع . قوله ( وادفني مع صواحبي ) ، أرادت بذلك بقية نساء النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - المدفونات في البقيع .
قوله ( لا أزكى به أبدا ) ؛ أي لا يثنى علي بسببه ، و أزكى على صيغة المجهول من التزكية . قال ابن بطال : فيه معنى التواضع ، كرهت عائشة أن يقال إنها مدفونة مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فيكون في ذلك تعظيما لها .