باب ما جاء في قبر النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر رضي الله عنهما
حدثنا محمد بن مقاتل قال : أخبرنا عبد الله قال : أخبرنا أبو بكر بن عياش ، عن سفيان التمار أنه حدثه أنه رأى قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - مسنما . مطابقته للترجمة ظاهرة . ( ذكر رجاله ) : وهم أربعة ؛ الأول : محمد بن مقاتل ، أبو الحسن المروزي المجاور بمكة .
الثاني : عبد الله بن المبارك المروزي . الثالث : أبو بكر بن عياش - بالياء آخر الحروف المشددة ، وفي آخره شين معجمة - الكوفي المقرئ المحدث ، مات سنة ثلاث وتسعين ومائة . الرابع : سفيان بن دينار الكوفي التمار - بفتح التاء المثناة من فوق وتشديد الميم - وهو من كبار أتباع التابعين ، وقد لحق عصر الصحابة رضي الله عنهم ولم تعرف له رواية عن صحابي ، وفي تاريخ البخاري : سفيان بن زياد - ويقال ابن دينار - التمار العصفري ، وزعم الباجي أن بعضهم فرق بين ابن زياد وبين أبي دينار ، وزعم أنه هو المذكور عند البخاري في الصحيح وكل منهما كوفي عصفري ، ولم يرو البخاري عن أبي دينار التمار إلا قوله هذا ، وقد وثقه ابن معين وغيره .
وروى ابن أبي شيبة هذا القول ، وزاد : وقبر أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما مسنمين . ورواه أبو نعيم في المستخرج : وقبر أبي بكر وعمر كذلك . وقال إبراهيم النخعي : أخبرني من رأى قبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصاحبيه مسنمة ناشزة من الأرض عليها مرمر أبيض .
وقال الشعبي رحمه الله تعالى : رأيت قبور شهداء أحد مسنمة . وكذا فعل بقبر عمر وابن عباس رضي الله تعالى عنهم ، وقال الليث : حدثني يزيد بن أبي حبيب أنه يستحب أن تسنم القبور ولا ترفع ، ولا يكون عليها تراب كثير . وهو قول الكوفيين والثوري ومالك وأحمد ، واختاره جماعة من الشافعية - منهم المزني - أن القبور تسنم ؛ لأنها أمنع من الجلوس عليها .
وقال أشهب وابن حبيب : أحب إلي أن يسنم القبر ، وإن يرفع فلا بأس . وقال طاوس : كان يعجبهم أن يرفع القبر شيئا حتى يعلم أنه قبر . وادعى القاضي حسين اتفاق أصحاب الشافعي على التسنيم ، ورد عليه بأن جماعة من قدماء الشافعية استحبوا التسطيح كما نص عليه الشافعي ، وبه جزم الماوردي وآخرون ، وفي التوضيح : وقال الشافعي : تسطح القبور ولا تبنى ولا ترفع ، وتكون على وجه الأرض نحوا من شبر .
قال : وبلغنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سطح قبر ابنه إبراهيم عليه السلام ووضع عليه الحصباء ورش عليه الماء ، وأن مقبرة الأنصار والمهاجرين مسطحة قبورهم . ورَوَى عن مالك مثله ، واحتج الشافعي أيضا بما روى الترمذي عن أبي الهياج الأسدي - واسمه حيان - قال لي علي : ألا أبعثك على ما بلغني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ أن لا أدع قبرا مشرفا إلا سويته ولا تمثالا إلا طمسته . وبما روى أبو داود عن القاسم بن محمد قال : دخلت على عائشة رضي الله تعالى عنها فقلت : يا أماه ، اكشفي لي قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم .
فكشفت لي عن ثلاثة قبور لا مشرفة ولا لاطئة ؛ مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء ، فرأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مقدما وأبا بكر رأسه بين كتفي النبي - صلى الله عليه وسلم - وعمرَ رأسه عند رجلي النبي صلى الله عليه وسلم . وقال صاحب الهداية : ويسنم القبر من التسنيم ، وتسنيمه رفعه من الأرض مقدار شبر أو أكثر قليلا . وفي ديوان الأدب : يقال قبر مسنم أي غير مسطح .
وبه قال موسى بن طلحة ويزيد بن أبي حبيب والثوري والليث ومالك وأحمد ، وفي المغني : واختار التسنيم أبو علي الطبري وأبو علي بن أبي هريرة والجويني والغزالي والروياني والسرخسي . وذكر القاضي حسين اتفاقهم عليه ، وخالفوا الشافعي في ذلك ، والجواب عما رواه الشافعي أنه ضعيف ومرسل وهو لا يحتج بالمرسل ، وعما رواه الترمذي أن المراد من المشرفة المذكورة فيه هي المبنية التي يطلب بها المباهاة ، وعما رواه أبو داود أن رواية البخاري تعارضها . فإن قلت : قال البيهقي والبغوي : ورواية القاسم بن محمد أصح وأولى أن تكون محفوظة .
قلت : قال صاحب اللباب : هذه كبوة منهما بما رفلا فيه من ثياب التعصب والعناد ، وإلا فأحمد يرجح رواية أبي داود على رواية البخاري في صحيحه ، وقال صاحب المغني : رواية البخاري أصح وأولى . وقال شمس الأئمة السرخسي : التربيع من شعار الرافضة . وقال ابن قدامة : التسطيح هو شعار أهل البدع ، فكان مكروها .
وقال المزني في كتاب الجنائز : إذا ثبت أحد الخبرين المسطح أو المسنم فأشبه الأمرين بالميت ما لا يشبه المصانع ليجلس عليه ، والمسطح يشبه ما يصنع للجلوس ، وليس المسنم هو موضع الجلوس ، وقد نُهي عن الجلوس على القبور . وقال المزني : وفي التسنيم منع الجلوس ، فهو أمنع من أن يجلس عليها وأشبه بأمر الآخرة ، ولكن لا يزاد فيه أكثر من ترابه ، ويعلم ليعرف فيدعى له . وقال بعضهم : وقول سفيان التمار لا حجة فيه - كما قاله البيهقي - لاحتمال أن قبره - صلى الله عليه وسلم - لم يكن في الأول مسنما .
ثم ذكر ما ذكرناه عن أبي داود ، قلت : قد أبعد عن منهج الصواب من يحتج بالاحتمال ، مع أن هذا القائل لا يقدم شيئا على رواية البخاري ، وعند قيام التعصب يحيد عن ذلك . ثم قال هذا القائل : ثم الاختلاف في ذلك أيهما أفضل لا في أصل الجواز . ثم قال : ويرجح التسطيح ما رواه مسلم من حديث فضالة بن عبيد أنه مر بقبر فسوي ، ثم قال : سمعت رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - يأمر بتسويتها .
قلت : إنما أمر بالتسوية لأجل البناء الذي يبنى عليها ، ولا سيما إذا كان للمباهاة كما ذكرنا ، وذكر الحافظ أبو عبد الله محمد بن محمود بن النجار في كتابه الدرة الثمينة في أخبار المدينة أن قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - وقبر صاحبيه في صفة بيت عائشة رضي الله تعالى عنها ، قال : وفي البيت موضع قبر في السهوة المشرفة ، قال سعيد بن المسيب : فيه يدفن عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام . وعن عبد الله بن سلام قال : يدفن عيسى مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فيكون قبره رابعا . وعن عثمان بن نسطاس قال : رأيت قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - لما هدمه عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه مرتفعا نحو أربعة أصابع ، ورأيت قبر أبي بكر رضي الله تعالى عنه وراء قبر النبي صلى الله عليه وسلم ، وقبر عمر رضي الله تعالى عنه أسفل منه .
وعن عمرة عن عائشة قالت : رأس النبي - صلى الله عليه وسلم - مما يلي المغرب ، ورأس أبي بكر عند رجليه صلى الله عليه وسلم ، وعمر خلف ظهر النبي صلى الله عليه وسلم . وعن نافع بن أبي نعيم : قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أمامهما إلى القبلة مقدما ، ثم قبر أبي بكر حذاء منكبي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، وقبر عمر حذاء منكبي أبي بكر . وعن محمد بن المبارك قال : قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - هكذا ، وقبر أبي بكر خلفه ، وقبر عمر عند رجلي النبي صلى الله عليه وسلم .
وقال ابن عقيل : قبر أبي بكر عند رجليه صلى الله عليه وسلم ، وقبر عمر عند رجلي أبي بكر . وقال ابن التين : يقال : إن أبا بكر خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - قد جاز ملحده ملحد النبي صلى الله عليه وسلم ، ورأس عمر عند رجلي أبي بكر قد حازت رجلاه رجلي النبي صلى الله عليه وسلم . وقد ذُكرت في صفة قبورهم أقوال ، فالأكثر هكذا .
توجد صورة غير مدرجة وقد استدلت جماعة على فضيلة الشيخين بمجاورتهما ملحده - صلى الله عليه وسلم - ولقرب طينهما من طينه لما في حديث أبي سعيد الخدري في الحبشي المذكور في أوائل الباب ، وله شواهد أكثرها صحيحة ؛ منها حديث جندب بن سفيان يرفعه : إذا أراد الله قبض عبد بأرض جعل له بها حاجة . وحديث ابن مسعود ومطرز بن مكامس وعروة بن مضرس بنحوه ، وفي الحلية لأبي نعيم الحافظ عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما من مولود إلا وقد ذر عليه من تراب حفرته . وقال : هذا حديث غريب .
وفي نوادر الأصول للحكيم أبي عبد الله الترمذي من حديث مرة الطيب عن عبد الله بن مسعود أن الملك الموكل بالرحم يأخذ النطفة فيعجنها بالتراب الذي يدفن في بقعته ، فذلك قوله تعالى : مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وفي التمهيد من حديث عبد الوهاب بن عطاء الخفاف ، حدثنا أبي ، عن داود بن أبي هند ، حدثني عطاء الخراساني أن الملك ينطلق فيأخذ من تراب المكان الذي يدفن فيه فيذره على النطفة ، فتخلق من التراب ومن النطفة ، فذلك قوله تعالى : ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى ﴾وعند الترمذي أبي عبد الله : قال محمد بن سيرين : لو حلفت حلفت صادقا بارا غير شاك ولا مستثن أن الله تعالى ما خلق نبيه - صلى الله عليه وسلم - ولا أبا بكر ولا عمر إلا من طينة واحدة ثم ردهم إلى تلك الطينة .