باب ذكر شرار الموتى
حدثنا عمر بن حفص قال : حدثنا أبي قال : حدثنا الأعمش قال : حدثنا عمرو بن مرة ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال : قال أبو لهب عليه لعنة الله للنبي صلى الله عليه وسلم : تبا لك سائر اليوم ! فنزلت : ﴿تبت يدا أبي لهب وتب ﴾. مطابقته للترجمة في قوله قال أبو لهب عليه لعنة الله ، وقال : ابن عباس ذكر أبا لهب باللعنة عليه وهو من شرار الموتى . وقال الإسماعيلي : هذا الحديث مرسل ؛ لأن هذه الآية الكريمة نزلت بمكة المشرفة وكان ابن عباس إذ ذاك صغيرا .
انتهى ، بل كان على بعض الأقوال غير موجود . واعترض على البخاري في تخريجه هذا الحديث في هذا الباب ؛ لأن تبويبه له يدل على العموم في شرار المؤمنين والكافرين ، وكأنه نسي حديث أنس مروا بجنازة فأثنوا عليها شرا . الحديث ، فترك النبي - صلى الله عليه وسلم - نهيهم عن ذكر الشر يدل أن للناس أن يذكروا الميت بما فيه من شر إذا كان شره مشهورا ، وأجيب بأنه يحتمل أن يريد الخصوص فطابقت الآية الترجمة ، أو يريد العموم قياسا للمسلم المجاهر بالشر على الكافر لأن المسلم الفاسق لا غيبة له ، انتهى .
قلت : قد مر الجواب عنه في الباب السابق بأوجه من هذا وأوضح . ( ذكر رجاله ) : وهم خمسة قد ذكروا غير مرة ، وأبو عمر شيخ البخاري هو حفص بن غياث بن طلق النخعي الكوفي قاضيها مات سنة خمس أو ست وتسعين ومائة ، والأعمش هو سليمان ، وعمرو بن مرة - بضم الميم وتشديد الراء - مر في باب تسوية الصفوف . وفيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع وبصيغة الإفراد في موضع ، وفيه العنعنة في موضعين .
وأورد هذا الحديث هاهنا مختصرا ، وسيأتي في التفسير مطولا في سورة الشعراء ، فإنه أخرجه في التفسير عن علي بن عبد الله ومحمد بن سلام - فرقهما - كلاهما عن أبي معاوية . وفيه وفي مناقب قريش بتمامه . وأخرجه مسلم في الإيمان عن أبي كريب عن أبي أسامة به ، وعن أبي بكر وأبي كريب كلاهما عن أبي معاوية به .
وأخرجه الترمذي في التفسير عن هناد بن السري وأحمد بن منيع كلاهما عن معاوية نحوه ، وأخرجه النسائي فيه عن هناد وعن إبراهيم بن يعقوب عن عمرو بن حفص به ، وفيه وفي اليوم والليلة عن أبي كريب عن أبي معاوية به . وقال البخاري في تفسير الشعراء : لما نزلت ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ﴾ صعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الصفا ، فجعل ينادي : يا بني فهر ، يا بني عدي - لبطون قريش حتى اجتمعوا ، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولا ينظر ما هو ، فجاء أبو لهب وقريش ، فقال : أرأيتم إن أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم ، أكنتم مصدقي ؟ قالوا : نعم ، ما جربنا عليك إلا صدقا ! قال : فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد . فقال أبو لهب : تبا لك سائر اليوم ! وفي تفسير تبت : فهتف يا صباحاه ! فقالوا : من هذا ؟ فاجتمعوا إليه .
وفيه : فقال أبو لهب : ألهذا جمعتنا ! ثم قام ، فنزلت : تبت يدا أبي لهب وقد تب . هكذا قرأ الأعمش ، وفي تفسير الطبري : حدثنا يونس ، أخبرنا ابن وهب ، أخبرنا ابن زيد ، قال أبو لهب للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم : ماذا أعطى يا محمد إن آمنت بك ؟ قال : كما يعطى المسلمون . قال : فما لي فضل عليهم ؟ تبا لهذا من دين أكون أنا وهؤلاء سواء ! فأنزل الله تبارك وتعالى : تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ قال : خسرت يداه ، واليدان هاهنا العمل ، ألا تراه يقول : بما عملت أيديهم .
وفي تفسير ابن عباس رضي الله تعالى عنه : فلما دعاهم أقبلوا إليه يسعون من كل ناحية واكتنفوه ، فقالوا : يا محمد ، لماذا دعوتنا ؟ قال : إن الله تبارك وتعالى أمرني أن أنذركم خاصة والناس عامة . فقالوا : قد أجبناك لما دعوتنا . قال : كلمة تقرؤون بها تملكون العرب وتدين لكم بها العجم .
فقال أبو لهب من بينهم : وعشر كلمات لله أبوك ! فما هي ؟ قال : لا إله إلا الله . فقال أبو لهب : تبا لك ! ألهذا دعوتنا ؟ فنزلت : تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ - أي صغرت يداه . وفي معاني القرآن العظيم للقزاز : في قراءة عبد الله وقد تب ؛ فالأول دعاء والثاني خبر ، كما تقول للرجل أهلكك الله وقد أهلكك .
وفي المعاني للزجاج : دعا عمومته وقدم إليهم صحفة فيها طعام ، فقالوا : أحدنا وحده يأكل الشاة وإنما قدم لنا هذه ! فأكلوا منها جميعا ولم ينقص منها إلا الشيء اليسير ، فقالوا له : ما لنا عندك إن اتبعناك ؟ قال : ما للمسلمين ، وإنما يتفاضلون في الدين . فقال أبو لهب : تبا لك . الحديث .
وفي كتاب الأفعال : تب ضعف وخسر ، وتب هلك ، وفي القرآن : وما كيد الكافرين إلا في تباب . وأبو لهب كنيته واسمه عبد العزى بن عبد المطلب عم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، مات كافرا . وفي التلويح : واختلف في أبي لهب هل هو لقب له أو كنية له ؟ فالذي عند ابن إسحاق والكلبي في آخرين أن عبد المطلب لقبه بذلك لحمرة خديه وتوقدهما كالجمر ، وفي حديث رواه الحاكم وقال صحيح الإسناد أنه - صلى الله عليه وسلم - قال للهب بن أبي لهب واسمه عبد العزى : أكلك كلب الله .
فأكله الأسد ، وهو دال على أنه كُنِّيَ بابنه . قوله ( تبا ) مفعول مطلق يجب حذف عامله ؛ أي هلاكا وخسارا . قوله ( سائر اليوم ) منصوب بالظرفية ؛ أي باقي اليوم أو باقي الأيام جميعها ، وفي تفسير النسفي : سورة تبت مكية ، وهي سبعة وسبعون حرفا وثلاث وعشرون كلمة وخمس آيات .
قوله ( تبت ) ؛ أي خابت وخسرت يدا أبي لهب ، أخبر عن يديه وأراد به نفسه على عادة العرب في التعبير ببعض الشيء عن كله . وقال الزمخشري : فإن قلت : لم كناه والكنية مكرمة ؟ قلت : فيه ثلاثة أوجه ؛ أحدها : أن يكون مشتهرا بالكنية دون الاسم . والثاني : أنه كان اسمه عبد العزى فعدل عنه إلى كنيته .
والثالث : أنه لما كان من أهل النار ومآله إلى النار ذات لهب وافقت حاله كنيته ، وكان جديرا بأن يذكر بها . وقرئ تبت يدا أبو لهب كما قيل علي بن أبو طالب ومعاوية بن أبو سفيان لئلا يغير منه شيء فيشكل على السامع ، والله تعالى أعلم .