حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب وجوب الزكاة

﴿بسم الله الرحمن الرحيم كتاب الزكاة باب وجوب الزكاة أي : هذا كتاب في بيان أحكام الزكاة ، وقد وقع عند بعض الرواة : كتاب وجوب الزكاة ، وعند بعضهم : باب وجوب الزكاة ، ولم يقع في رواية أبي ذر لا باب ولا كتاب ، وفي أكثر النسخ وقع كتاب الزكاة ثم وقع بعده باب وجوب الزكاة كما هو المذكور هاهنا . إنما ذكر كتاب الزكاة عقيب كتاب الصلاة من حيث إن الزكاة ثالثة الإيمان وثانية الصلاة في الكتاب والسنة ؛ أما الكتاب فقوله تعالى : ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ وأما السنة فقوله صلى الله عليه وسلم : بني الإسلام على خمس . الحديث .

وهي لغة عبارة عن النماء ، يقال زكا الزرع إذا نما ، وقيل عن الطهارة قال الله تعالى : ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى ؛ أي تطهر . قلت : الزكاة اسم للتزكية وليست بمصدر ، وقال نفطويه : سميت بذلك لأن مؤديها يتزكى إلى الله ؛ أي يتقرب إليه بصالح العمل ، وكل من تقرب إلى الله بصالح عمل فقد تزكى إليه . وقيل : سميت زكاة للبركة التي تظهر في المال بعدها .

وفي المحكم : الزكاء - ممدودا - النماء ، والريع زكا يزكو زكاء وزكوا وأزكى ، والزكاء ما أخرجته الأرض من الثمر ، والزكاة الصلاح ، ورجل زكي من قوم أزكياء وقد زكى زكاء ، والزكاة ما أخرجته من مالك لتطهره . وقال أبو علي : الزكاة صفوة الشيء . وفي الجامع : زكت النفقة أي بورك فيها .

وقال ابن العربي في كتابه المدارك : تطلق الزكاة على الصدقة أيضا وعلى الحق والنفقة والعفو عند اللغويين ، وهي شرعا إيتاء جزء من النصاب الحولي إلى فقير غير هاشمي . ثم لها ركن وسبب وشرط وحكم وحكمة ؛ فركنها جعلها الله تعالى بالإخلاص ، وسببها المال ، وشرطها نوعان : شرط السبب وشرط من تجب عليه ، فالأول ملك النصاب الحولي ، والثاني العقل والبلوغ والحرية . وحكمها سقوط الواجب في الدنيا وحصول الثواب في الآخرة ، وحكمتها كثيرة ؛ منها التطهر من أدناس الذنوب والبخل ، ومنها ارتفاع الدرجة والقربة ، ومنها الإحسان إلى المحتاجين ، ومنها استرقاق الأحرار فإن الإنسان عبيد الإحسان ، وقال القشيري : على قول من قال النماء أي إخراجها يكون سببا للنماء ، كما صح ما نقص مال من صدقة ، ووجه الدليل منه أن النقص محسوس بإخراج القدر الواجب ولا يكون غير ناقص إلا بزيادة تبلغه إلى ما كان عليه من المعنيين جميعا - المعنوي والحسي - في الزيادة ، أو بمعنى تضعيف أجورها كما جاء إن الله يربي الصدقة حتى تكون كالجبل .

ومن قال إنها طهارة فللنفس من رذيلة البخل ، أو لأنها تطهر من الذنوب ، وهذا الحق أثبته الشارع لمصلحة الدافع والآخذ معا ؛ أما الدافع فلتطهيره وتضعيف أجره ، وأما الآخذ فلسد خلته .

باب وجوب الزكاة أي هذا باب في بيان وجوب الزكاة ، أي فرضيتها . وقد يذكر الوجوب ويراد به الفرض ؛ لأنه أراد بالوجوب الثبوت والتحقق ، قال صلى الله عليه وسلم : وجبت وجبت ؛ أي ثبتت وتحققت ، أو ذكر الوجوب لأجل المقادير فإنها ثبتت بأخبار الآحاد ، أو لأنه لو قال فرض الزكاة لتبادر الذهن إلى الذي هو التقدير إذ التقدير هو الغالب في باب الزكاة لأنها جزء مقدر من جميع أصناف الأموال . قلت : لا شك أن الكتاب مجمل ، والحكم فيه التوقف إلى أن يأتي البيان ، والبيان فوض إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والنبي - صلى الله عليه وسلم - بين ذلك في سائر الأموال فيكون أصل الزكاة ثابتا بدليل قطعي والمقدار بالحديث ، فلعل من أطلق على الزكاة لفظ الوجوب نظر إلى هذا المعنى .

وقول الله تعالى : وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ قول الله بالجر عطف على ما قبله ، وأشار به إلى أن فرضية الزكاة بالقرآن لأن الله تعالى أمر بها بقوله وَآتُوا الزَّكَاةَ والأمر للوجوب ، وقيل : هو بالرفع مبتدأ وخبره محذوف ؛ أي هو دليل على ما قلناه من الوجوب . قلت : هذا ليس بشيء لا يخفى على الفطن ، والوجه ما ذكرناه ، قال ابن المنذر : انعقد الإجماع على فرضية الزكاة وهي الركن الثالث ، قال صلى الله عليه وسلم : بني الإسلام على خمس . وفيه قال : وإيتاء الزكاة .

وقال ابن بطال : فمن جحد واحدة من هذه الخمس فلا يتم إسلامه ، ألا ترى أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه قال : لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة . وقال ابن الأثير : من منعها منكرا وجوبها فقد كفر ، إلا أن يكون حديث عهد بالإسلام ولم يعلم وجوبها . وقال القشيري : من جحدها كفر ، وأجمع العلماء أن مانعها تؤخذ قهرا منه ، وإن نصب الحرب دونها قتل كما فعل أبو بكر رضي الله تعالى عنه بأهل الردة ووافق على ذلك جميع الصحابة رضي الله تعالى عنهم .

وقال ابن عباس رضي الله عنهما : حدثني أبو سفيان رضي الله عنه - فذكر حديث النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يأمرنا بالصلاة والزكاة والصلة والعفاف . قد مضى هذا في أول الكتاب في قضية أبي سفيان مع هرقل في حديث طويل ، منه : قال أي هرقل لأبي سفيان ، ماذا يأمركم ؟ قال أي أبو سفيان في جوابه يقول : اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئا ، واتركوا ما يقول آباؤكم ، ويأمرنا بالصلاة والزكاة والصدق والعفاف والصلة ، وروى هذا الحديث عبد الله بن عباس عن أبي سفيان بن حرب حيث قال : إن أبا سفيان أخبره أن هرقل أرسل إليه . الحديث ، وقد مر الكلام فيه مستوفى هناك ، وإنما ذكر هذا الجزء منه هنا إشارة إلى فرضية الزكاة به .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث